نحو إنتاج مفهوم جديد
للسيرة الذاتية في كتابة المرأة
د. زهور كرام
كيف يمكن إدراك السيرة الذاتية النسائية ؟
هل يمكن الحديث في هذا المستوى عن تمايزات ومتغيرات تحدث للسيرة الذاتية عندما تنتجها المرأة ؟
ما الذي يمكن أن يحدث للسيرة الذاتية، عندما تنجزها ذات لا تزال تبحث عن هويتها غير المكتملة ؟
تدعو مقاربة هدا التساؤلات ضرورة الوعي بعلاقة المرأة بالكتابة من جهة، وموقع المرأة في التاريخ والمجتمع والبنية الذهنية، ثم المؤهلات الفنية والتقنية والمعرفية التي تجعل من كتابة ما سيرة ذاتية.
وعندما تعلمنا من التاريخ، والثقافات وكذا واقع السلوك اليومي الذي تعيشه المجتمعات، أن المرأة تحضر في الوعي والتفكير ذاتاً غير مكتملة، ذاتاً تعيش – باستمرار – الحاجة إلى الآخر المتعدد والمتنوع بحسب سياقات تواجدها، لكي تكتمل هويتها، فإننا نفترض مسبقاً أن هذا الوضع لذات المرأة المشروخ والمهزوم، ينعكس على شكل إنتاجها الرمزي الذي يشخص – بدوره – حالات الذات في أزمتها، وأسئلتها، في سلوكها وتفكيرها.
يكاد معظم المشتغلين في حقل التفكير في السيرة الذاتية يجمعون على أن الأمر يتعلق بزمن توثيق أنا الكاتب في النص التخييلي، وذلك في إطار الانشغال بالسياقات الذاتية للنص الأدبي، كما يتم الحديث عن مبدأ التطابق بين الكاتب والسارد والبطل أو الشخصية المحورية في السيرة الذاتية.
عندما نستحضر هذه المعطيات في مقاربتنا للسيرة الذاتية النسائية، فإننا نقترح أسئلة نقدية جديدة تجعل من كتابة المرأة التي نخصصها بهذا التعيين أرضية فنية وجمالية لتطوير الأدب. ومن ثمة، السيرة الذاتية التي لا شك أنها تنفتح على مكونات أخرى، أي على تعريفات جديدة لها.
ومن أجل رصد تمظهرات السيرة الذاتية النسائية، نقترح نصاً سير ذاتياً للكاتبة المغربية ليلى أبو زيد" رجوع إلى الطفولة*.
"رجوع إلى الطفولة" وأفق السيرة الداتية
يتقدم نص ليلى أبوزيد "رجو إلى الطفولة" إلى القارئ على أساس أنه سيرة ذاتية، كتبتها الكاتبة وفق طلب "من الأستاذة اليزابيت فرنيان أستاذة الأدب الإنجليزي والدراسات الشرق الأوسطية في جامعة تكساس بأوستين لينشر بالإنجليزية في كتاب جماعي يصدر في الولايات المتحدة لكتاب عرب عن طفولتهم"[i].
وهو تصريح نصي يعلن من البداية أننا بصدد سيرة ذاتية للمؤلفة "ليلى أبو زيد"، ونكون بذلك غير معنيين – على الأقل في مستوى هذا النص – بأسئلة الالتباس التي تحدث لنصوص نسائية لا تكشف عن جنسها الأدبي، أو تلتحق بجنس الرواية خوفاً من التصريح بسيرة الكاتبة.
كيف عبرت "ليلى أبو زيد" عن طلب الحكي عن أنا ها ؟
وهل حققت على مستوى الكتابة السردية، تطابقاً بين شخصية الساردة والمؤلفة والبطلة، والتزمت بالتعاقد المبرم بين الكاتب والقارئ كما يرى فيليب لوجون ؟
تحكي "رجوع إلى الطفولة" وضعية المغرب بين زمنين : زمن الاستعمار الفرنسي، وهو الزمن المهيمن حكاية والمؤثر خطاباً. ثم زمن الاستقلال الذي ينتهي به النص لينفتح على أسئلة مرحلة الاستقلال، وهو زمن لم يشكل ثقلاً حكائياً وخطابياً، ويحضر فقط كإشارات لكنها قوية عن التغييرات التي حدثت لمجموعة من الذين قاوموا الاستعمار ومنهم والد الساردة.
تشكل الزمن الأول من أحداث اجتماعية وسياسية، تمحورت حول أم الساردة –الكاتبة، وحياتها وترحالها وانتقالاتها بين مدن عديدة بحثاً عن زوجها (والد الساردة) الذي كان الاستعمار يعتقله كل مرة.
نلاحظ في مستوى هذه الحكاية أن الساردة – الكاتبة وإن كانت هي الحاكية لنص "رجوع إلى الطفولة" لأنها المعنية بحكي سيرة ذاتها، فإن ضميرها/ ذاتها لا يدخل مجال النص منفرداً. وإنما ينخرط مع الافتتاح السردي لهذه السيرة في نون الجماعة تقول : "توقفت الحافلة في الطريق الرابطة بين فاس ومراكش عند علامة القصيبة على حافة منعرج جانبي صاعد في الأطلس المتوسط ونزلنا وأنزل مساعد السائق متاعنا ثم انطلقت الحافلة بسرعة، وقطعنا الطريق" (ص.9).
ثم بعد ذلك، تقف عند مستوى تسليم دور السرد إلى ضمائر أخرى، فتصبح وظيفتها هي التوزيع والترتيب والتنظيم.
تأخذ الأم دور الساردة الرئيسية أو الشخصية المحورية، والذات الفاعلة بامتياز في مجرى أحداث هذه السيرة. نبدأ بهذا الشكل نبتعد – تدريجياً – عن شبه المتفق عليه نصياً ونظرياً للسيرة الذاتية، وذلك عندما تتراجع ذات الساردة الكاتبة، وتحل محلها ذات الأم وبجانبها ذوات أخرى حاكية مثل الجدة.
في هذه السيرة تشكل ذات الأم حالة خاصة تنكتب لتوثق للحظة تاريخية من زمن المغرب، لحظة بدأت فردية تخص علاقتها بزوجهات "أحمد أبو زيد" الذي كانت له مواقف ضد الاستعمار الفرنسي، فتم اعتقاله، وبسبب ذلك واجهت مشاكل اجتماعية مع عائلة زوجها مما جعلها تأخذ بناتها وتغادر بيت الزوجية.
لا شك أن الساردة –الكاتبة ليلى أبو زيد – بمحاولة استعادتها لطفولتها، أرادت استحضار الأم التي صنعت هذه الطفولة، وفعلت في زمنها وتاريخها. وهي بفعل بناء السيرة بهذا الشكل مع طريقة الحكي المعتمدة على استثمار مختلف أشكال الحكي الشعبي (حكايات الجدة، أحاديث النساء...) وكذا الأصوات واللغات الاجتماعية التي ميّزت هذه الكتابة، بإدراج سياقاتها التلفظية مما أغنى هذه السيرة، وجعلها تخلق تنوعها من داخل بنيتها، فإن الساردة – الكاتبة أنتجت معرفة جدية حول زمن الاستعمار، ومرحلة من تاريخ المغرب وذلك عندما أخرجت ذات الأم (المرأة المغربية) من الصمت التاريخي وأحيتها سردياً، وأدخلتها المجال النصي ثم دفعت بها نحو الإنجاز الإخباري، فحدث أن حمل هذا الإنجاز أفعالاً أنتجتها الأم فيما هي تبحث عن اكتمال هويتها، لأن دخول زوجها (أحمد بو زيد) إلى السجن جعلها تفقد الآخر الذي به تكتمل، وهذا ما دفع بعائلة زوجها إلى الزج بها في مشاكل كثيرة، فكان عليها أن تخرج وتبحث عن اكتمالها، عن زوجها وذاتها التي أصبحت مهددة في وجودها داخل بنية اجتماعية تحكمها الأعراف أكثر من القوانين.
بهذا الحضور القوي للأم يتحول رهان السيرة من الحكي عن الخاص والفردي والذاتي إلى الحكي عن العام والاجتماعي، عن الأم والتاريخ، أو بالأحرى عن المرأة – عن النساء – عن دور المرأة في المقاومة.. وفي تجاوز الإكراهات والوصول إلى السجن ومد المعتقلين بالأخبار وإيصال الأسلحة إلى المقاومين، عن دور المرأة المغربية في مقاومة الاستعمار الفرنسي.
ولعل الأم وطبيعة حضورها لم تؤثر فقط في مجرى الأحداث، بقدر ما فعلت في الأسلوب والبناء.
شكل الكتابة في "رجوع إلى الطفولة"
من أجل إعادة إنتاج حكاية الطفولة كما عاشتها الكاتبة "ليلى أبو زيد" فقد اعتمدت الساردة – الكاتبة على عنصر التذكر، وإعطاء الأم (منبع الحكي) مسؤولية سرد توالي الطفولة. وانعكس هذا الحكي على تركيب الجمل التي خضعت للعطف بشكل ملفت للنظر. بالإضافة إلى اعتماد التحديد الدقيق والمفصل للمكان والمدينة، والاستحضار اليومي في تفاصيله وجزئياته الصغيرة، والتي في تدفقها الحكائي تصبح مشاهد قوية، وذات معنى وهذا يدل على أن الساردة عندما تحكي بكل هذه التفصيلات والجزئيات لليومي في تمفصلاته، ومظاهره البسيطة لا تنطلق من وعي مسبق بأنها تقدم لحظات قوية، ولكن طريقة الحكي التي تلتقط كل شيء، وتعتمد على التذكر الشفهي، هي التي تصل باللحظات المحكية إلى لحظات دلالية. وهذا يعبر – مرة أخرى – عن أن المرأة – الكاتبة عندما تنتج سيرتها الذاتية لا تسعى إلى توثيق الذات، وإعلان قوتها وحكمتها بدافع التأثير في الآخر والمتلقي، ولكن انطلاقاً من كونها تدخل مجال التعبير بذات غير مكتملة، فإنها لا توثق لذات هي أصلاً لا تعيها إلا في انهزامها.
ولهذا، فهي تكتب السيرة الذاتية لتقرأ حدود هذه الذات، انطلاقاً من البسيط والجزئي واليومي، على اعتبار أنها لا تملك قناعات مسبقة.. إنها ذات تتشكل في لحظة الوعي بتاريخها. لا تكتب المرأة ذاتها في السيرة، لأنها لا تنطلق من وهم التوثيق لذات لا تزال في الوعي والعرف والسلوك غير مكتملة.
إن ذات الساردة تنكشف من طبيعة هذه السيرة ولعل أهم مؤشر دلالي يعبر عن هدا المستوى من الحضور لذات تبدأ غير مفهومة، وغير واضحة في وعي المؤلفة والتاريخ، إلى ذات ينصفها الأدبي مع السيرة الذاتية، عندما يجعل حضورها وجوداً قائماً بذاته، هي ذات الأم التي تجعلها حكاية "رجوع إلى الطفولة" امرأة عادية بسيطة، لا حول ولا قوة لها في وسط اجتماعي غير محمي من التقاليد والأعراف. فالقصة لا تمنح بهذه الذات شرعية تاريخية لأنها تدرجها في باقي حكايات النساء العادية، غير أن طريقة سرد هذه القصة أخرجت الأم من اللا إكتمال والنقصان إلى الذات الفاعلة في المجتمع والأسرة، في السياسة والوعي وذلك عبر موقعها داخل بنية النص. إذ، التخلي عنها هو بمثابة موت "رجوع إلى الطفولة"، كما أن الأمكنة بدونها تصبح بلا ملامح والزمن يصير باهتاً. ولهذا، فإن النص وعلى الرغم من كونه قد انخرط في قضية كبرى، قضية مقاومة الاستعمار الفرنسي، ومسألة الوطنية، والتي ارتبطت بالرجل الزوج (أحمد بو زيد) ، فإننا نلاحظ أن هذه القضية تخفت كمحور مركزي لتصبح ذات الأم/ المرأة هي الموضوع المبؤر في زمن المقاومة.
لكن ، نتساءل كيف يحدث هذا التماهي في ذات الأم ؟
أليس هذا ما تعبر عنه الكاتبة الفرنسية Beatrice Didierعندما تصرح بأن كتابة المرأة هي عودة إلى الطفولة، الأم؟
هل معنى هذا أن ذات الكاتبة لا تجد التطابق إلا في ذات أخرى ؟
السيرة الذاتية النسائية .. أفق للتنظير
تأسيساً على هذا الشكل البنائي للسيرة الذاتية، وانطلاقاً من التصور الإجرائي حول الكتابة النسائية باعتبارها تلك التي تنتج التداولات الجديدة للمفاهيم المألوفة كما حددنا ذلك في كتابنا النقدي حول السرد النسائي العربي مقاربة في المفهوم والخطاب[ii]، فإننا نلاحظ في السيرة الذاتية التي كتبتها كاتبات أن هناك انزياحاً نقدياً ومعرفياً عن مفهوم السيرة الذاتية المتعارف عليه في الثقافة السائدة. فإذا تعودنا في نمط السيرة الذاتية أن الكاتب يدخل تجربته الحياتية إلى زمن التخييل من أجل توثيق ذاته باعتبارها بؤرة للحكمة، فإن الكاتبة عندما تحكي ذاتها في السيرة الذاتية، فهي لا تنطلق من رهانات التوثيق على اعتبار أنها ترغب في تدوين ذات غير مؤهلة لتصبح مرجعاً للانتصار والحكمة، ذات لا تزال مطروحة كإشكالية. كما لا تنفرد في التخييل بأناها كمحور للحكي وبؤرة للمعاينة، ولكنها تجعل أناها تنخرط في الجماعي والاجتماعي، فتعبر عن السياق العام الذي يضم هذا الضمير، قد تنطلق في بداية انجاز السيرة الذاتية من رهان حكي الذات وضمير أنا كما وجدنا مع ليلي أبو زيد ولكن فيما هي تنخرط في منطق التخييل يحدث أن تصبح ضميراً من بين ضمائر عديدة متنوعة ومختلفة.
قد يتلاشى التبئير عن ضميرها الخاص والاستثنائي، ويتم التركيز على العام وينعكس هذا الوضع لضمير المرأة، داخل السيرة الذاتية على شكل الكتابة والأسلوب، وعلى طبيعة بناء النص. فالكاتبة لا تكتب ذاتها، وإنما تقرأها، والفرق بين الكتابة والقراءة يؤثر في المعجم.
إن الكاتبة عندما تدخل تجربة ذاتها في الإبداع، فإنا تقترح على الإبداع أسئلة مغايرة، وهي أسئلة تفعل في الكتابة وفي تصور السيرة الذاتية، كما تفعل في الأدب والنقد معاً.
* أبو زيد (ليلى) : رجوع إلى الطفولة، الطبعة الأولى 1993، مطبعة النجاح الجديدة.
[i] - أبو زيد (ليلى) : ص2.
[ii] - كرام (زهور) : السرد النسائي العربي مقاربة في المفهوم والخطاب، الطبعة الأولى 2004، مطبعة المدارس، الدار البيضاء.