فأرة أدونيس
شوقي يوسف بهنام
لا أدري ، على وجه التحديد ، ماذا كان يدور في وعي ( أدونيس ) أو لا وعيه أو ما قبل وعيه من أفكار أو نزوات أو خلجات .. أو ... في لحظة كتابة قصيدتيه المعنونتين ( الثلج والدخان ) و ( إشارة ) . الواقع أن العنوان الأول مفرط في الأغراء . يدغدغ ذهن الدارس .. يثير حفيضته فلا يقاوم الصمت . فيبدأ بالسؤال والافتراض والتأويل . اهذا ما كان قصد ( أدونيس ) من وراء هاتين القصيدتين ؟ أعني أن يتحدى المتلقي ليخبره بأنه كتلة من الغموض وأنه يختار كلمات غريبة وهو مولع بها .. بل حتى الهوس بها Xenoglossophilia (1) وهي خاصية ينفرد بها ( أدونيس ) دون سواه أم هي ظاهرة أو قل خبرة نفسية عانى منها وعبر عنها بهذا الشكل ؟ و لا ننسى أن لدى ( أدونيس ) مجموعة شعرية معنونة ب( فارس الكلمات الغريبة ) . المهم هو إننا ،هنا ، نقدم قراءة ... قراءة فقط لهما . و( أدونيس ) يبدو ،هنا ، محاصرا ما بين الثلج والدخان . أو دخان النار . الأ يقولون لا دخان بلا نار . الدخان إذن ليس سوى إشارة للنار . ما علاقة النار بالثلج ؟ هما ضدان احدهما للآخر . لا يجتمعان ... لا يلتقيان الإ في أرض الوهم .. هناك فقط . يبدو أن ( أدونيس ) استطاع الوصول الى تلك الأرض العجيبة التي يلتقي على سفوحها كل الأضداد . هل يمكن القول ، وعلى ضوء هذا الأساس أن ( أدونيس ) هو رجل الأضداد ... بطل المتناقضات ولذلك وصل الى هذا المستوى . إذن هو خارق . عجيب .. بالضرورة !!! . ليس من إنسان وطأت قدما سهول وهضاب هذه الأرض . أدونيس وحده هو الذي وصل الى هناك وتحمل بمفرده هموم وعذابات هذا المحال . وقبل أن نقرأ هذين النصين الذين يعبران عن هذه المحنة ، إذا كانت هناك محنة ، نقرأ نصا يمكن اعتباره تمهيدا يدخلنا الى عمق وخفايا هذا الرجل . هذا النص يحمل بين طياته فكرة ، لو كانت صادقة ، لدخلت مجال المرض . حتى لا نصادر النص بإفكار مسبقة ، دعونا نسمعه كما هو بلا تعليقات أو استنطاق قبلي . يقول النص الذي يحمل عنوان ( مشروع لتغيير الأشياء ) :-
أمس ، فأرة
حفرت في رأسي الضائع حفرة ؛
ربما ترغب أن تسكن فيه
كل تيه
ربما ترغب أن تصبح فكرة
( الآثار الكاملة ، المجلد الأول ، ص 68 )
*********************
أدونيس منذ البداية ... أعني منذ بداية النص يؤكد ضياع رأسه . وواضح من سياق هذا النص ، أن الفأرة ليست الإ فكرة . تعريف علم النفس للفكرة هو على النحو الأتي ( الفكرة خبرة عقلية من عمل الذهن ، وليست مجرد إدراك أو انطباع حسي ، وإن كانت الفكرة كثيرا ما تلبس صورة حسية . فالفكرة قريبة من الصورة الذهنية mental image ولكنها لا تعني مجرد استدعاء أو تذكر لصورة بسيطة إلى الذهن بل هي أكثر تعقيدا وتجريدا إذ هي نتاج عقلي يتضمن تآزر صور ومعاني وخبرات ذهنية مختلفة والفكرة حلقة في سلسلة التفكير thinking . إننا في عملية الإدراك الحسي perception ندخل _ بمعنى ما _ إلى إدراكنا أما في التعقل أو التفكر ideation فقد فكر في موضوع دون حضوره في الحواس أثناء التفكير ، فتكون العملية تفكيرا ) ( 2 ) . لذلك فان فأرة ( أدونيس ) يمكن أن تدخل ضمن الأفكار التسلطية أو الحوازية obsession التي تتسلط على صاحبها . والوسواس أو الحواز هو ( انحصار الشخص بفكر يوسوس له ، أو دافع أو انفعال معين يسيطر عليه و لا يستطيع له ردا برغم احتفاظ الشخص بإستبصاره ) ( 3) . وهي أيضا سوف تصبح فكرة ثابتة Fixed idea ( 4 ) . ونعتقد أن الذي جعل ( أدونيس ) أن يستخدم " الفأرة " للتعبير عن ضغط الفكرة وتسلطها ، وهو موفق في ذلك ، هو عملية القرض !! الفأرة حيوان قارض ... ملتهم وشره مثل حشرة الأرضة . لا يتوقف من عملية القرض هذه الإ بعد امتلاء معدته . ومن هنا أنطلق ( أدونيس ) ليرسم لنا ، أو بتعبير أدق ، ليكشف لنا عن جانب مهم من جوانب حياته الجوانية . لا يعقل ، البتة ، أن تكون هناك فأرة حاولت أن تقترب من رأسه لتحفر حفرة هناك . هذا يذكرنا بذلك الرجل الذي حلله ( فرويد ) والذي أطلق عليه فيما بعد ب ( رجل الفئران ) . حيث كانت الأخيولة التي تهيمن عليه هي أن فئرانا كانت تشق طريقها داخلة ._ في أسته . ( 5 ) . ولا بأس من نقل التصدير الذي وضعه ، أستاذنا الدكتور ( مصطفى زيور ) للترجمة العربية لحالة ( رجل الفئران ) حتى تعم الفائدة للقارئ من دون الرجوع الى الترجمة العربية لخمس حالات من التحليل النفسي (6 ) حيث يقول ( تمتاز حالة ( رجل الفئران ) وهي حالة عصاب قهري بما يمتاز به هذا النوع من العصاب من بيان البعد السيمانطيقي والدلالة التي تتضمنها الأعراض العصابية على نحو أكثر وضوحا مما هي عليه في الأعصبة الهستيرية . ذلك أن الحيل الدفاعية في العصاب القهري وبخاصة الكبت لا تنصب على كافة أحداث الطفولة والمصادر المباشرة للصراع العصابي كما هو الحال في الهستيريا ، وإنما تنصب على الروابط بين المركبات النفسية وعزل وجداناتها عنها بحيث يعرفها المريض ويجهلها معا ، أى يتذكرها ويذكرها ولكن معناها يغيب عنه .
هذه المعرفة المقترنة بالمجهلة تجعل المريض بهذا العصاب مسرحا للنضال بينهما ، نضال من شأنه أن تستعين المجهلة بدفاعات من الدرجة الثانية يستمدها المريض من العقلانية من حيث النمط لا من حيث مقدمات الإستدلال العقلاني ، بحيث لا يقتصر الأمر على أفكار قهرية وإنما يتميز المريض بهذا العصاب بتفكير يتصف بالقهر هو مصدر عذابه ومطية رغباته معا .
فإذا تأملنا الدفاعات الأخرى بالإضافة الى أنواع الدفاع السابق ذكرها ، من قبيل الإضمار والحذف التي تجعل منطق المريض يبدو لنا مفتقرا الى الاتساق ، ثم ذلك الدفاع الرهيب أعني قهر الشك الذي يجعل إفضاءات المريض سلسلة من الجزم والنفي يمنتع علينا معها أن يستقر فهمنا على شئ ، ويبدو المريض وكأنه عاجز عن أن يرى لنفسه رأيا ــ نقول إذا تأملنا هذه الخصائص المميزة للتفكير القهري بين لنا سبب قصور النظريات السابقة على التحليل النفسي ، والتي كانت لا تأخذ في الاعتبار إلا هذه الخصائص ، وتنتهي إلى تفسير مقارن في مستوى التفكير الشعوري من قبيل ( الوهن النفسي ) ( بسيكاستنيا بيير جانيه ) أو جنون الشك وما إلى ذلك ، أى تفسيرات تلحق العصابي القهري إما بالضعف النفسي مما يجعل المريض عاجزا عن الإمساك بزمام تفكيره ، أو تلحقه بطائفة قريبة من المرض العقلي . وواضح ان هذه التفسيرات تتضمن نظرة يائسة من حيث الشفاء ، و لا تزال كذلك لدى بعض أطباء النفس الذين لا يعرفون طريقا إلى هذا المرض غير طريق العقاقير مثل المطمئنات وما إليها .
وسيرى القارئ _ إذا وضع نصب عينيه هذه الخلفية لموقف الطب النفسي التقليدي _ مبلغ عبقرية فرويد في اختراق جب الدفاعات وإزالة مبهمتها ، ثم مهارته وحذقه في فض معميات التفكير القهري فيستبين البناء السيكولوجي التحتاني ، وبذلك يصبح المتخيل ، مصدر التكوينات المرضية ، في متناول الفكر الشعوري وضيائه . فيستقيم بعد إعوجاج ، وبإستقامته يستقيم اللوغوس بعد تعثر . واستقامة اللوغوس هو الشفاء كما نراه لدى رجل الفئران .
ومما تجدر الإشارة إليه معالجة فرويد في الفصل النظري ، لظاهرتي القهر والشك وهما أبرز مقومات العصاب القهري . فقد أوضح فرويد على نحو يظفر بالإقناع أن الشك _ فضلا عن دوره الدفاعي كما سبق بيان ذلك _ إنما هو نتيجة للتكوين الأساسي في العصاب أعني ما يتصف به من ثنائية الوجدان وما ينجم عن ذلك من حرب طاحنة بين الحب و الكراهية ، بحيث أن شك المريض إنما هو في نهاية الأمر سكه في قدرته على الحب لما يلقاه الحب لديه من اقتحامات الكراهية المتصفة بسادية عنيفة . ومن ثم فإن القهر محاولة لتعويض زائد إزاء الشك والتردد .
فعندما يتاح لدفعة شبقية أو مضادة لها أن تجد طريقا مقنعا تتسلل خفية من خلاله بغية الإشباع ، فإن كل الطاقة المحجوزة خلف ما يقيمه الشك من الكف والمنع ، تلقى في مساندة يلزم عنها لزوما ا تخترق الدفعة كل الحواجز في طريقها نحو التنفيذ و إلا غاص المريض في لجة هوجاء من الحصر .
من ذلك نتبين مصدر القهر سواء ان ذلك في ميدان الفكر أو الفعل .
ومما يميز هذا العصاب ردة الفعل الى الفكر بحيث ينطبق على الفكر ما ينطبق على الفعل من قهر يحتال المريض تخفيفا لعبئه بتشبيق الفكر بحيث يصبح قهر الفكر معاناة وشبقا معا ) ( 7) . نكتفي بهذا القدر من هذا التصدير الذي كتبه واحد من العاملين العرب في مجال التحليل النفسي ، وهو تصدير قدم من خلاله وجهة نظر التحليل النفسي لعصاب القهر . إذن الفئران غزت رأس ( أدونيس ) . الأ يكفيه هما حتى تأتي هذه الفأرة لتفعل فعلتها الكبرى تلك ، ولتقرض من ما في رأس ( أدونيس ) المسكين وإذا استمرت في الحفر .. فماذا سوف يبقى من رأس هذا الرجل . سوف يبقى رأسه رأسا منخورا ومحفورا و متآكلا ....و ... .
لقد حدد ( أدونيس ) زمن مجيء هذه الفأرة . هذا يعني أن هناك بداية لعملية الحفر تلك . وقبل هذه البداية ، كان ( أدونيس ) ينام نوما هادئا دون إزعاج تلك الفأرة اللعينة . ولكن الأ يمكن أن تكون هذه الفأرة وسيلة خلاص لأدونيس من متاعبه ؟ وإن عملية الحفر هي هدم لما في دماغ ( أدونيس ) من تصورات وقناعات ... . نعم .. لقد عنون ( أدونيس ) قصيدته هذه ب ( مشروع لتغيير الأشياء ) . هذا يعني ان هذه الفأرة جاءت لتقويض تصورات ( أدونيس ) القديمة من خلال عملية الحفر . أن دماغ ( أدونيس ) ، على الرغم من الحفــر المملوءة فيه ، بدأ ينظف من كل ما هو قديم ، ليطرحه خارجا ، وبمساعدة الفأرة هذه ، ليبدأ مشروعه في تغيير الأشياء . إذن يمكن القول ، أن هذه الفأرة ساعدت ( أدونيس ) في وضع الأمور في نصابها الصحيح . بمعنى آخر أن يبدأ مشروعه الحياتي الكبير بأن يقلب الأمور رأسا على عقب !! . هل هذه مفارقة ؟ كان ( أدونيس ) يعتقد أن الفأرة كانت مصدر إزعاج وكدر بالنسبة إليه ، وها الآن يكتشف أن تلك الفأرة أصبحت نواتا للخلاص له . لقد أصبحت إذن نقطة انطلاق له واستعد ( أدونيس ) لتنفيذ مشروعه هذا . ولنرى كيف أصبح حاله بعد أن حفرت الفأرة ما حفرت في دماغه الضائع ؟ ففي قصيدته ( الثلج والدخان ) يصور لنا ذلك الحال . يقول ( أدونيس ) :-
قضيب من الثلج : نار و تبغ
وغيم دخان
عوالم لا تنتهي ـــ وهي تفنى
ببضع ثواني .
أوشوشة كل ما بي : ظني وأهلي
وحارتنا وزروعي
وما ليس تجرء أن تتحدث عنه دموعي
أغالبه ، وانا في غلابي أغنى وأقوى
فأسقط في راحتيه وعند خطاه الخفية
عضوا فعضوا ،
وأعشقه كالغماء ه َ ، بغتة
بهمس ، بلفتة
وأحسبه هوة تتكردح فيها الكآبة
وساق الرتابة .
قضيب من الثلج : ها ، صار ناراً
ونز َّ ، وذابا
وغيب َ كل دخان وغابا ؛
قضيب من الثلج يحلم ’ ، يلهو
له الجمر عين ، له التبغ وجه ــ
لمحت’ وجودي يدب إليه
على شفتي ، على شفتيه ،
فلي في الدخان
دمي وزماني
( نفس المرجع السابق ، ص 48 _ 49 )
***********************
لا يجد الدارس مشقة ما في رسم ملامح بطل القصيدة ، أعني ( أدونيس ) . فهذا البطل يعاني انشطارا Splitting في بنية الذات . ولنلاحظ معا ، هذا الزخم من المفردات التي لجأ إليها ( أدونيس ) للتعبير عن ذالك الأنشطار . وهذا لا يعني أن هذا الأنشطار هو بالضرورة يجب أن يكون مرضيا . أن هذا الأنشطار يكون في حالة المرض عندما يصل به الحال لأن يكون كوسيلة دفاعية . والأنشطار يعرفه علم النفس على النحو التالي :( عملية دفاعية يفقد فيها البناء العقلي تكامله ، ويحل محل هذا التكامل بناءان جزئيان أو أكثر . وعندما ينشطر الأنا ، يعمل جزء منه عمل الذات ، بينما يكون الجزء الأنوي المنشطر لا شعوريا . وهناك نوع آخر من الأنشطار هو انشطار الموضوع ، فالأم مثلا عندما تنشطر يصبح جزء منها طيبا ومرغوبا ، ويصبح الجزء الآخر شريرا أو مكروها . وإنشطار الأنا والموضوع يمكن ربطه بإلانكار والإسقاط ، والثلاثة الأنشطار والإنكار والإسقاط دفاعات فصامية ينر المرء بها أجزاء من ذاته ( ومن الموضوعات الداخلية ) وينسبها الى موضوعات في البيئة . ويأتي الأنشطار بثلاثة معاني هي :-
1- انشطار الشخصية الى جزءين كما في الشخصية المزدوجة أو المتعددة .
2- انشطار المنحرف حيث ينشطر أناه على نفسه حيث يرفض الجزء المنحرف ويقبل الجزء السوي .
3- وإنشطار المريض وانقسامه الى جزءين ، جزء يروي أحداثه بالتداعي الطليق ، والجزء الآخر يمثل في المعالج ، ويتأمل هذه الأحداث ويحللها ويعلق عليها . ( 8 ) .
ويمكن ، بصورة أو بأخرى . وضع ( أدونيس ) في كل هذه المعاني يقدر أو بآخر . وحتى ننصف ( أدونيس ) لنقف عند ثلاثة أفعال مارسها ( أدونيس ) الشاعر قبل الإنسان وعبر عنها بعد ذلك ( أدونيس ) الشاعر الإنسان . فالفأرة وشوشت له لكنه غالبها وكان هو الأقوى والأغنى ، ثم شعر بالأسف والحزن لهذه المقاومة .. فما كان منه الأ ان يعود إليها ومارس العشق معها هذه المرة . الأ أن هذا العشق سرعان ما تحول الى الشعور بأن ( أدونيس ) قد غاص ، من رأسه حتى أغمص قدميه في أعماق الهاوية التي قادته بعدها الى الكآبة . الأ أن هذا الإحساس لم ، على ما يبدو ، يدم طويلا ، حتى أنه عاد من جديد ليعانق فأرته ويضمها لا في رأسه الضائع فقط بل وفي وجوده كله حتى الذوبان فيها ، فأدرك أن قلبه ودمه وزمانه في يكمن ، إن لم يكن ، في الدخان . ونستطيع أن نتابع مسار عمل الفأرة اللعينة هذه ، من خلال الطقوس السرية التي كان يمارسها ( أدونيس ) مع نفسه ليتعايش مع هذه الفأرة . ان هذا التعايش قاده الى الإحساس من جديد الى أنه محاصر بين الثلج والنار . ما أشقاه الإنسان عندما تنتابه كل هذه الأعباء التي يحملها على كاهله ! ويمكن القول ، على ضوء هذا ، ما شقاك يا ( أدونيس ) ، كيف حمل كل هذه الأعباء التي تحملها على كاهلك ؟ كيف يمكن ، وتحت هذا الإحساس ، حتى لو كان متخيلا ، أن تعيش بين الناس وهو مقطوع الصلة بهم ؟ . لنتابع إذن مشقات ( أدونيس ) كما يعبر عن تفاصيلها ، في قصيدته المعونة ( إشارة ) حيث يقول –
مزجت بين النار والثلوج
لن تفهم النيران غاباتي ولا الثلوج
وسوف أبقى غامضا اليفا ً
أسكن في الأزهار والحجارة
أغيب’
أستقصي
أرى
أموج
كالضوء بين السحر والإشارة .
( الآثار الكاملة ، المجلد الثاني ، ص 16 )
************************
ويستمر ( أدونيس ) في سرد مشقاته ، ولنتخيله وهو متكأ على أريكة ويبوح بإسراره لمحلله النفسي بأسلوب التداعي الطليق Free association . يقول ( أدونيس ) :-
في حقول الكآبة في العشب أحفر آباري اللولبية
كاسراً صفحة المرايا
بين شمس الظهيرة والماء في البركة الآدمية } إشارة الى ازدرائه بالعالم
سنواتي تهاجر كالجوع تنهار في غابة الحنايا
سنوات
رأيت’ مناقيرها تتشابك
تنهار في غابة الحنايا
بين اعشاشها الأبدية .
( نفس المرجع السابق ، ص 17 )
***********************
ويمكننا أن نلاحظ المفارقة و التناقض ، على مستوى الوجدان على الأقل ، الذي يعيشه هذا الإنسان الشاعر ، من خلال المقارنة بين هاتين القصيدتين . فهو في الأولى ، وعلى الرغم من وجوده وحيدا بين الثلوج والنيران ، يصارع .. يتحدى .. يغيب .. يستقصي ... وفي النهاية يبقى ضوءا ساطعا في أفق السماء . بينما نراه في القصيدة الثانية ؛ منكسرا ، تائها ، ويحاول أن يحفر آباره في حقول الكآبة والعشب . لكنه في النهاية يرى مناقير سنواته تشابك لتنهار ، بعدها ، في غابة الحنايا ...
ولكن ماذا كانت تريد أن تقوله هذه الفأرة العجيبة لشاعرنا وهي تحفر له رأسه الضائع ؟ لقد ترك لها ( أدونيس ) العنان لتحفر كما تشاء ولتقول له ما تشاء .. أتعلمون ماذا قالت له هذه الفأرة . قالت له : اسمع يــــا ( أدونيس ) أن دربك ليس مثل درب البشر . فهل تستطيع أن تمضي بمفردك في هذا الدرب ؟ أدونيس ملل عبور هذا الدرب ، فما كان منه الأ أن يشهر صفائه الأزلي في ظلمة الآخر الأبدي !!! . يقول في قصيدته ( طريقي بينهم ) :-
طريقي بينهم هوة
ومرفأ غول
وجدران صم وحول
مللت عبوري الى غايتي ـــ مللت وصولي
فيا ، طريقي طولي } لا يريد أن يصل لكي يظل ساطعا بينهم
صفائي يمنعني أن أمرّ ـــ
وفي وطني لفتة للوحول .
( المرجع السابق ، المجلد الأول ، ص 70 )
********************
إذن درب ( أدونيس ) ملآن بالغول وبينه بينهم جدران صماء . لا يسمع احدهم الآخر . هناك هوة تمنع التواصل . كل من مر في هذا الدرب هو خافت ... مظلم لا لمعان له الأ ( أدونيس ) . أدونيس هو وحده الأصفى بين البشر . وإذا كان بهذه الدرجة من الصفاء واللمعان والبريق ــ كما يقول ــ فكيف له أن يمر بهذا الدرب الذي كله ... نعم كله غول وجان وعفاريت .. . ويبقى ( أدونيس ) وحده في مفترق الطرق يحمل رأسه الضائع ، وليسمح لفأرته أن تحفر عميقا ... عميقا في ثنايا هذا الرأس هنيئا لك يـــا ( أدونيس ) برفقة هذه الفأرة التي لن تتوقف في الحفر في هذا الرأس ...
الهوامش :-
1- د . الحفني ، عبد المنعم ، 1987 ، موسوعة علم النفس والتحليل النفسي ، ج2 ، ص 477 ، دار العودة ، بيروت ، لبنان .
2- د . الخولي ، وليم ، 1976 ، الموسوعة المختصرة في علم النفس والطب العقلي ، ص 245، دار المعارف ، القاهرة ، مصر .
3- د . الخولي ، المرجع السابق ، 318 .
4- د . الخولي ، نفس المرجع السابق ، 245 .
5- فرويد ، سيجموند ، خمس حالات من التحليل النفسي ( حالة رجل الفئران ) : ترجمة د . صلاح مخيمر و عبده ميخائيل رزق ، 1974 ، مكتبة النهضة العربية ، القاهرة ، مصر . الجزء الثاني .
6- فرويد ، سيجموند ، المصدر السابق ، حالة رجل الفئران ، الجزء الثاني .
7- فرويد ، سيجموند ، المصدر السابق ونفس الجزء ونفس الحالة .
8- د . الحفني ، المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 331ـ332 .
شوقي يوسف بهنام
جامعة الموصل / العراق
************************************************