"الكرمل": غروب ثالث! شروق رابع!                                  

 

 

حسن البطل                                              

 

 

هذا السبت أحسّ بالحزن (مع أنه يبدو أول الفرج / الفرح / المخرج الديمقراطي من مأزق ديمقراطي). لماذا الأسى؟ لأن فصلية "الكرمل" دخلت الأصيل. بعد الأصيل هناك الاحتجاب. بعد الاحتجاب هناك الغياب. قبل شمس الانتفاضة الثانية، كتبت عموداً بعنوان: "غربت شمس الفصيل"، لكن يشق على نفسي أن تغرب فصلية ثقافية من كبد سماء الثقافة!

"طلع خلقي" حقاً، وزلّ لساني بعبارات حادة، منها أن الانتلجنسيا الفلسطينية طبقة رقيقة من الزبدة تعلو ماء آسناً. لسنا شعباً منتجاً لثقافة جديدة. لسنا شعباً قارئاً لثقافة جدية.. نحن جمهور متفرج، يتمتع بحاسة العين والأذن، ولا يتمتع بالحس الثقافي ولا النقدي. لسان سليط في النقد السياسي. لسان مربوط في النقد الثقافي / الابداعي / الفني.. وإلاّ، كيف تميل شمس "الكرمل" الى الأصيل.. فالاحتجاب.. فالغياب!

üüü

اللعنة، مرة أخرى، على مصادفات أخرى، هي أن تكون "الكرمل" لصيقة المنبر السياسي / الإعلامي / الصحافي الذي تكرس له قلمي. مرّة في نيقوسيا، حيث كانت "الكرمل" تصدر، سوية مع "فلسطين الثورة" عن مؤسسة "بيسان برس". تأخر تجدد صدور "الكرمل" القبرصية خطوة عن تجدد صدور "فلسطين الثورة" القبرصية.. ثم سبق غروب "الكرمل" خطوة غروب "فلسطين الثورة".. ومرة ثانية، رفقة جديدة في رام الله، حيث تصدر "الكرمل" الفلسطينية الإصدار عن مؤسسة "الأيام". سألتفت إلى خلفي؟ سأعيد ترتيب مكتبة بيتي (مكانة خاصة لإصدارات الكرمل).. ستتغير عادات سهادي ونعاسي، لأن سلاح النعاس اللذيذ كان مقالة دسمة، دراسة ما، قصيدة ما في أحد أعداد "الكرمل".

üüü

هل افتقد محمود درويش إلى "العُصاة"؟ استخدم عدة "عُصاة"، ولكل مرحلة سكرتير تحرير / مدير تحرير. جميعهم أصدقائي: إلياس خوري. سليم بركات. زكريا محمد. حسن خضر.

هل حنّ درويش إلى "حريتي / فوضاي"، وقال في حديث مسهب مع ناقد لبناني، في العدد 86 أنه زهق من حمل "الراية" منذ العام 1979 أو 1980؟ هل قرر درويش الإبحار في بحر آخر.. من بحر الشعر إلى بحور النثر إلى بحر أزرق تتوسطه البحور والسموات الزرقاء؟

üüü

قبل ميلاد "الكرمل" ببيروت، كان البحر الثقافي الفلسطيني مستنقعاً صغيراً آسناً، كثير نقيق الضفادع (كانت تنقّ بين دفتي مجلة ثقافية تسمى "الكاتب الفلسطيني").. مع "كرمل" درويش (القادم من وظيفة سياسية إجبارية في "شؤون فلسطينية") صارت المجلة الثقافية الفلسطينية الأولى مجلة "المظلة" للمجلات الثقافية العربية.. طوَت تجريبية مجلة "شعر"، وضربت صفحاً عن هذر راقٍ في مجلة "مواقف". الحرية والالتزام / الالتزام والحرية.. وفي الحالتين المستوى اللائق للعقل للقلب.. وللروح معاً.

üüü

أذكر كما أمس / اليوم أمسية إطفاء الشمعة الأولى في عمر الكرمل، لصق بحر بيروت. شارع يغلي بالدم والرصاص. شارع ينقسم شارعين. شوارع تنقسم أزقّة سياسية. لكنهم كانوا، جميعاً، هناك في عيد ميلاد "الكرمل" الأول.

أذكر كما اليوم / أمس "غرفة الكرمل" في مبنى مؤسسة بيسان - أيوس أوموليتاي. سكرتير تحرير "الكرمل" سليم بركات (استحق قصيدة خاصة من درويش) هو المحرر الثقافي لـ"فلسطين الثورة".. ويا للخراب العظيم لتلك الغرفة يوم أن أشاح سليم بركات بوجهه عن الغروب الكالح، وترك لعمال نقل العفش أن يقلبوا الرفوف أيضاً. يأخذون الخشب لشحنه الى فلسطين، ويتركون كل أعداد "الكرمل" القبرصية مرميّة أرضاً.. أو أعداد مكتبة سليم. أما "دزينات" كاملة من الإصدارات الكاملة لـ"الكرمل" و"فلسطين الثورة".. فكانت قد شُحِنت في "الحاويات".. لتضيع نهباً في غزة، ومعها حصتي من أعداد "الكرمل".. وكل مكتبتي القبرصية العامرة.

üüü

أعود لكرمل قديم لأفهم الشعب الأحمر القديم في العالم الجديد. أعود لكرمل آخر لأطير مع الهندي "آكابال" في عالم الروعة: "في الكنائس / لا نسمع غير صلاة الأشجار / وقد صارت مقاعد". أو "هرعت لأخبر أمي / أن شجرة الدراق تبكي / ضحكت أمي: إنها تبدل ثوبها فقط.

üüü

الكرمل في الأصيل.. وهاكم وداع الشاعر: "يا أبتي الذئب ويا ابني / لا أسمع صوتي إلاّ إن خلت الغابة منّي / وخلوت أنا من صمت الغابة".

أصيل ثالث للكرمل؟ شروق رابع؟ أين أنتم أيها العُصاة؟

 

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1 1