اول المراجعة

محمود ابو الهيجاء

 

 

 

 

في تصريحات صحفية نشرت امس الاول اعلن الشاعر العربي الفلسطيني الكبير محمود درويش، انه لن يكتب شعراً عن "أحداث غزة" التي كانت قبل اتفاق مكة،  وقال "أرجو ألا أضطر لكتابة قصيدة عن الموضوع لأن الانسان يحقر نفسه". موضحاً ان قتل الأخ لأخيه يخلق التباسات أخلاقية تربك اللغة والضمير وأنها تشظي الذات.

اكثر من ذلك قال درويش، ان أحداث غزة هي "اعتداء على معنى فلسطين وماهية الروح الفلسطينية وانها في ذات الوقت اعتداء على انسانيته، مطالباً ألا نؤرخ لهذه الأحداث لأنها "نقطة عار في تاريخ فلسطين والحياة الفلسطينية".

لا أريد بهذا الاستشهاد نكء الجروح واعتقال الذاكرة في غرف سوداء ماضوية ضيقة، لكني اريد به مدخلاً لمراجعة اولى كي لا نعود ابداً الى ذلك الذي "حدث" ولا حتى في أسوأ كوابيسنا.

وسأفترض، بل سأدعو أن تكون رؤيا الشاعر وموقفه، أساساً لتلك المراجعة، لا لأنها على هذا القدر من التفحص الانساني واوجاعه وإنما لأنها ايضاً تحمل هذا القدر من الاعتراف الشجاع بـ"نقطة عارنا" التي يدعونا الشاعر الى نسيانها، الشاعر الذي يرى كالعراف ما لا يرى ليؤكد دوره السيمولوجي الدلالي وكان قبل ذلك قد (رأى أمعاءه فوق الدوالي فاقترب).

وفي ظني ان الشاعر لا يريد نسياناً هروبياً، بل نسيان المواجهة الذي يخرج الحياة الفلسطينية وتاريخ فلسطين من تلك الصفحة المشينة ونسيان من هذا النوع ينبغي ان يكون نسيان المساءلة والمحاسبة، لنعيد للضحايا اسماءهم وحقهم في التعريف والتوصيف وملاحقة اولئك الذين اوقعوهم قتلى لحظة الالتباس الاخلاقي وحتى ينجو الضمير من كبت قد يخلف امراضا مدمرة.

إن عشرات القتلى سقطوا حتى نتفق على كلمتين، "التزام واحترام"، فماذا لو اختلفنا لا سمح الله مستقبلاً على اكثر من كلمة. بمثل هذا السؤال وغيره، سندخل تلك المراجعة، حتى ننسى تلك "النقطة" وحتى نكتب قصائد اخرى عن الحب والحياة والأمل، فهل نفعل؟!

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1