"يوم فالنتين" أو "عيد الحب"

بين التحريم ونبض القلوب

نعيم ناصر
 

 

الحب عاطفة فطرية في الإنسان لا ينفرد فيه شعب عن آخر، وليس حكراً على قومية دون أخرى، أو دين دون آخر.. إنه شعور انساني نبيل، ظهر منذ وجد الإنسان، مجسداً بآدم ولليت زوجة آدم الأولى ، وبعدها بآدم وحواء، زوجته الثانية.

ولعل ابلغ ما قيل عن الحب هو ماكتبه الشاعر الفارسي جلال الدين الرومي:

"سأقول لك كيف خلق الإنسان من طين:

ذلك أن الله نفخ في الطين أنفاس الحب.

سأقول لك لماذا تمضي السموات في حركاتها الدائرية:

ذلك أن عرش الله يملؤها بانعكاسات الحب.

سأقول لك لماذا تهب رياح الصباح:

ذلك لأنها تريد دائما أن تعبث بالأوراق النائمة على شجيرات ورود الحب.

سأقول لك لماذا يتشح الليل بغلائله:

ذلك أنه يدعو الناس إلى الصلاة في مخدع الحب.

انني لأستطيع ان أفسر لك كل الغاز الحقيقة:

فما الحل الأوحد لكل الألغاز سوى الحب".

 

وعلى الرغم من فتاوى التحريم، التي تصدر كل سنة بمناسبة "عيد الحب" أو "يوم فالنتين" إلا أنها لم تمنع أناساً، عرباً ومسلمين، شباناً وشيباً من الجنسين، من أن يحتفلوا بهذه المناسبة، ويهدون بعضهم بعضا باقات من الورود، للتعبير عن مدى المودة التي تجمع بينهم.

وتفاوتت فتاوى أسباب التحريم.. فمن المشايخ من اعتبر "عيد الحب" بدعة غربية تدعو إلى الإباحية، ومنهم من نفى عنه صفة العيد، كونه لا يمت إلى اعياد المسلمين بأية صلة.

من هذه الفتاوى، تلك التي صدرت العام الماضي عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء في السعودية، وجاء فيها: " إن الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة، وعلى ذلك أجمع سلف الأمة، أن الأعياد في الإسلام إثنان فقط، هما عيد الفطر وعيد الأضحى، وما عداهما من الأعياد، سواء كانت متعلقة بشخص أم جماعة، أم حدث، فهي اعياد مبتدعة، لايجوز لأهل الاسلام فعلها، ولا إقرارها، ولا اظهار الفرح بها، ولا الإعانة عليها بشيء، لأن ذلك من تعدي حدود الله، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه".

ومعروف أن السعوديين يتبعون المذهب الوهابي، الذي يحرم الإحتفال بمولد النبي محمد، أو بالإسراء والمعراج.

وعملا بهذه الفتوى، فقد منعت الشرطة السعودية أي احتفال بعيد الحب، تحت طائلة الحبس، كونه من "الاعياد الوثنية النصرانية التي لا يحل لمسلم أن يقره أو يهنئ به". وليت الأمر اقتصر على ذلك، بل منعت السلطات السعودية بيع الورود الحمراء، بحجة أنها ترمز إلى هذا العيد.

أما في باقي الدول العربية الأخرى، فقد صدر عن بعض مشايخها تحريم الإحتفال بالمناسبة، دون التحريض على اتخاذ اجراءات عقابية بحق المحتفلين به. وما يثير الأسى أن هؤلاء المشايخ استندوا في تحريم الإحتفال بهذه المناسبة على بعض مظاهرها التي يعرضها بعض الفضائيات، دون أن يحملوا أنفسهم عبء التفكير في معاني هذا "العيد"، وما يحمله من مشاعر انسانية تجمع الناس بالحب، واكتفوا بالقشور دون الجوهر.

*  *  *

وبالعودة إلى "يوم فالنتين" وعيده، فإنه يدور حول راهب عاش في أواخر القرن الثالث الميلادي في احدى مقاطعات الامبراطورية الرومانية اسمه "كلوديوس" الذي كان يعتقد أن المتزوجين غير قادرين على أن يكونوا جنودا أقوياء "فتراهم يخملون ويفضلون البقاء قرب زوجاتهم، على الإستبسال في ساحة الحرب".. من هنا  قرر الامبراطور منع الزواج في مقاطعته.. بينما كان الراهب فالنتين يزوج بالسر الشباب والشابات. وعندما علم الامبراطور بأعمال فالنتين الزواجية القى القبض عليه، وتم في يوم 14 شباط (فبراير) سنة 270م رجم الراهب وقطع رأسه.

وبعد موته تم تقديس فالنتين، وادخل في سجل الكنيسة بإسم القديس فالنتين. ومنذ ذلك التاريخ تطورت شتى أنواع التعبير عن هذا الحب: رسائل، باقات ورود، مناديل حريرية رسمت عليها صورة اله الحب الروماني "كيوبيد". وبقي يوم الرابع عشر من شباط (فبراير) مسجلا في التقويم المسيحي كعطلة كنسية حتى العام 1969 عندما سحبه من أجندة عطل الكنيسة، البابا بولس السادس، غير أنه بقي عيداً يتبادل فيه المحبون الورود والهدايا.

ومنذ ذلك الحين (1969) فقد "يوم فالنتين" رمزه الديني المسيحي وأخذ رمزا جديدا، هو رمز الحب، الذي يشعر الانسان بأن وجوده لذاته هو نفسه وجوده من اجل غيره. واعظم تعبير عن الشعور بسعادة الحب في الغرب، جاء من جولييت درويه، محبوبة الكاتب الفرنسي المشهور، فكتور هيغو، التي كانت تطهو له وتغسل ملابسه وتنظفها.. وقد كتبت من شدة هيامها به: "إنني أرجوك أن تمزق ثيابك بقدر المستطاع، حتى يكون لي شرف رتقها واصلاحها".

*  *  *

والعرب تغنوا بالحب وآمنوا به قبل "يوم فالنتين" بمئات السنين، وهو ما تؤكده سيرتهم وديوانهم الشعري، ويعدون من أكثر الشعوب ولعاً بالمرأة .. فبالكاد نقرأ قصيدة قيلت في العصرين الجاهلي والإسلامي، دون أن تتضمن أبياتاً عديدة عن الحب ولواعجه.

وكان الرجل العربي ولوعاً بالمرأة شديد الإحساس بجمالها.. وكان الشاعر يستهل شعره بالتشبب بها والحنين إليها، ووصف محاسنها، وما تتميز به من نضارة وجمال. وفي الشعر الجاهلي نجد وصفا دقيقا لجمال المرأة، كوصف امرؤ القيس لمحبوبته فاطمة، ووصف النابغة الذبياني للمتجردة، زوجة النعمان بن المنذر، ووصف الأعشى لمحبوبته هريرة.

وفي المرحلة الإسلامية تبدل نموذج الجمال قليلا لدى الشعراء، فانصرف الذوق عن المرأة السمينة ذات النهود الضخمة، الذي كان شائعا في الجاهلية، الى المرأة البضّة المعتدلة القامة، ذات الخصر الضامر، والنهد الذي يشبه الرمان.. وظهر هذا التعديل الطفيف في عناصر جمال المرأة في وصف الشعراء الاسلاميين لمحبوباتهم، كعمر بن أبي ربيعة، والحارث المخزومي، وجميل بثينة، وكثيّر عزة، وغيرهم. ويمكن اعتبار قصيدة دوقلة المنبجي، التي عرفت باليتيمة، النموذج الأمثل للجمال كما تعشقّه العربي، حيث جمعت عناصر الحسن، التي وردت في قصائد هؤلاء الشعراء، عندما وصف جمال امرأة تدعى دعد، اشتهرت بالجمال والكمال، واعلنت أنها لا تتزوج إلا من يصف اعضاءها عضوا عضوا، وهذا ما فعله الشاعر المنبجي، عندما ابتدأ من شعرها حتى اخمص قدميها. وقد جاء هذا الوصف في ستة وعشرين بيتاً من قصيدته التي تقع في اكثر من ستين بيتاً.

وكما ارتبط كثير من  الشعراء بأسماء محبوباتهم، مثل عنتر وعبلة وقيس وليلى وجميل بثينة وكثير عزة، ارتبطت اسماء عدد من الخلفاء بأسماء الجواري اللواتي وقعوا في حبهن، كحب هارون الرشيد لجاريته الخيزران، أم الخليفة المهدي، وحب الخليفة الأموي الحكم، الذي يعد من أكبر الخلفاء بالأندلس، لجاريته محتال صبح، وحب الملك الصالح (آخر ملوك الدولة الأيوبية) لشجرة الدر.

ولعل أبلغ قصص الحب هذه هي التي جمعت يزيد الثاني بن عبد الملك، وهو أحد الخلفاء الأمويين، الذي تسلم الحكم سنة101هـ، وجاريته حبابة، التي كانت بارعة في الشعر وموهوبة بالعزف. وقد بلغ هيامه بها حدا أفقده صوابه. وقد روي عن المسعودي (الذي يعد من ابرز المؤرخين العرب القدماء) الآتي: "كان يزيد ذات يوم في مجلسه، وقد غنته حبابة، فطرب طربا شديدا ثم قال: اريد ان اطير، فقالت له حبابة: يا مولاي فعلى من تدع الأمة وتدعنا".

وعندما توفيت حبابة، إثر اختناقها بحبة رمانة، حزن يزيد عليها حزناً شديدا الى حد انه نسي واجباته، ورفض دفن حبابة، وظل يبكيها رافضا لمفارقتها، ناسيا الصلاة والدولة والمساجد.. وبعدها بأسابيع شيع المؤمنون خليفتهم إلى مثواه الأخير. وهو أول، وربما آخر خليفة، يتوفى من جراء مرض اعتبر ثانويا، حتى ذلك الحين، ألا وهو حب جارية.

وتأسيسا على ما تقدم يمكن القول إن أعظم شعور بالسعادة لدى الإنسان هو أن يحب المرء شخصاً آخر يبادله الشعور نفسه. فالهوى كما قال أحد الأعراب:  "أظهر من أن يخفى، وأخفى من أن يرى..كامن ككمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى".

هكذا فهم العالم هذا العيد، وفهم من خلال رسالة فالنتين.. وهكذا فهمه الكثيرون من رجال ونساء العالم العربي، رغم فتاوى التحريم، التي تصدر دوماً في هذه المناسبة.

Hosted by www.Geocities.ws

1