عن سماء التي تفوقت على الأولاد

حسين حجازي

 

 

 

 

 

تكشف المواهب غالباً عن نفسها، تعبر عن ولادتها في الواقع، عند هذه الحدود الرفيعة، ولكن الحادة، التي تشبه لحظة الغسق، والتي نفصل بين الطفولة، لعلها طفولة ومهاد وعي الجنس البشري، وبين مرحلة التبصر والبطولة، ولعلها مرحلة المعرفة والخطيئة .

أنها غالباً، السنة الجميلة تلك التي استمعنا إلى كلمات أغنيتها، تحت وقع زخات المطر في فيلم هوليود الشهير "صوت الموسيقى" "أنا في السادسة عشر وذاهب للسابعة عشر" وهي ذات السنة من العمر الجميل التي يتحدث عنها الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي، في قصيدته الشهيرة:

 

"يا رفاقي قد نغفو قليلاً 

لكن الساعة في الميدان تمضي"

 

وكان قد قيل عن الرسام الانجليزي جوزيف تيرنر"، ما الذي يمكن ان يضيفه فنان عظيم على الموهبة التي عبر عنها في السابعة عشرً .

وهكذا يا ابنة صديقي فيصل، سماء، ترين وقد اظهرتي هذا النبوغ المبكر الذي يعبر عن موهبة حقيقية في الرسم، انك تعبرين عن كامل هذه الموهبة الجميلة، عن صراخك الداخلي، الشعري على أية حال، وكل فن، هو نوع من الصراخ، عند ذلك الوقت، الذي يبدو كما لو انه يحدد زمن التعرف على الشكل واللون  والخطوط في الرسم، كما الصور في الشعر .

كان شوبنهاور هو الذي لاحظ، هذه العلاقة الملتبسة بين الطفولة والعبقرية، حين يسأل الأطفال هذه الأسئلة الساذجة ولكن الأكثر واقعية، ومطابقة للحقيقة، عن الأشياء والوجود، وحين يبدو الطفل وهو يحب، فانه يتوجه بعواطفه نحو التعبير عن الحواس الأكثر صدقاً، والأكثر براءة ونقاء، دون ان يعرف معنى لذلك، أو يطرح سؤالاً، لماذا يحب؟

ان الأسئلة الوجودية العميقة، هي الأسئلة الطفولية، في الشعر كما الموسيقى، والرسم، وفقط عند هذا التداخل، الغبش من الضوء، الذي يفصل بين إبهام الطفولة المستقلة بذاتها، المبهمة، الغامضة، ولكن التي تحتوي كل خزان الوعي البشري، وبين السبابة، الفتوة القيادية، والتطلعات كما الرغبات الحالمة، فان الفن غالباً كما الموهبة، تولد كاملة، وليس بعد ذلك، سوى تجاربنا اللاحقة، او لعلها الاستعادات المتواصلة، للكشف عن خباياها في اللاوعي، واستحضارها في كل مرة، للتعبير عن تماثلها، في صراعنا لمقاومة فكرة الموت .

ان رسوماتك يا سماء، هي مكتملة التعبير عن الموهبة التي تملكينها، ولعلها هي ورقتك، وإذ تبدين في صورتك، كصورة عن صبا أمك وفاء، فأنك من فيصل الأب، أخذتي موهبة الشعر . وهل تعرفي، لم الشعر؟ لأن في الأصل والبداية الشعر، من الشعر تنسل الموسيقى والرسم، ليكونا مع الشعر هذا الهرم الفني الذي هو عرش ابوللو إله الموسيقى والفن في الميثيولوجيا الإغريقية، ويقوم  على ثلاث أضلاع،

 

في لوحاتك، كما لو انك تعبرين أول شيء عن اسمك، اسمنا الذي يؤرقنا طوال الوقت، ونريد ان نتعرف عليه، ونقيم العلاقة معه، أن التوقيع على زاوية في أسفل اللوحة، لهو الجزء الذي يكتنفه ويبوح بهذا السر، في اللمسة الأخيرة .  ولكن ها أن التنوع في المواضيع، كما التجارب التي تستوقف الانفعال، والملاحظة، هي التي تعكس بالأخير هذا البحث المقلق للروح عن المعنى الكامن في الاسم، الذات، في لحظة الاصطدام المبكر للوعي، في دفاعه عن طفولته، حدسه، الحسية، الأخذة في الانبجاس، في مواجهة الخشونة اللا شاعرية، للوجود كواقع مدرك في الوعي هذه المرة .

هل يمكننا ان نستوقفك عند هذه اللحظة لنرى إلى هذه التجربة الفريدة التي تجتازها الموهبة، لحظة ولادتها، بكارتها، أيتها البكر أيضاً، وتحملين كجميع قريناتك، عقدة "الكترا" في التماثل مع أبيها؟

ولم يكن لفيصل ان يتفوق على نفسه، بإطلاق هذا الموقع، دون ان تكوني إلى جانبه؟

لقد كانت هذه المداخلة بالأساس، بهدف توجيه التحية إلى صديقي الشاعر، الذي استطاع اقتحام هذا "الغول"، وهو اسمه مشتق من الغول، Google، ذاك الذي يشبه الغول الوحشي، الذي تصوره الأسطورة واقفاً على بوابة "طيبة"، يمنع الدخول إليها دون أن يستطيع احد فك اللغز .

 

لكني رأيت بعد الاطلاع على قصائد سماء الشعرية أيضاً في الرسم، طفلتنا التي كانت تحب البيض، في هذه النزهات المشتركة، مع أولئك الأطفال الجميلين، الذين خرجوا اللتو من زمن الطفولة، حسام وسلام وسماء  وجهاد ووائل ومالك، أن أكرس هذه المداخلة للاحتفاء بولادة هذه الفتانة الطفلة الجميلة، التي تفوقت على الأولاد، من دون أن يلحظوا ونحن ذلك من قبل .

وإذ اتآمل في جميع تلك اللوحات التي عرضتها سماء على الموقع، فاني ألمس هذا الغنى والتنوع الخصب، الذي يميز كل موهبة كبيرة، في لحظة بكارتها ولادتها، ونمائها، التي هي مهاد الوعي بالتجربة، والذات، ونقاوتها وصدقها في نفس الوقت .

أن هذه الرسومات هي بحث دائب، عن الأفكار والموضوعات، وهي تحوي بذاتها، على خليط تمتزج فيه كل المدارس الفنية كما التجارب، دون أن يكون هناك وعي محدد، أو تبلور قطعته التجربة، مع المعرفة، والخبرة .

وكأنما سماء تحاول التعرف على نفسها، أو لعلها لم تكتشف بعد حقلها، وهذه الخاصية الفريدة ترافق كل المحاولات الأولى، لكننا من بين الخطوط الواضحة، التركيز، والبحث عن الضوء في الألوان، والعلاقات الملتبسة مع السماء، وتلكم الوجوه التي يتم التركيز فيها أكثر على الخطوط الحادة، كما محاولة البحث عن التجربد في مقاربة كتكوين الفكرة أو اختزالها، إنما جميعها، كما الميل الخفي لنوع من الانطباعية، تشير إلى هذا البحث عن المعنى والفكرة وراء الأشياء، كما رفض الانطباع السطحي، او المباشر للأشكال .

ولعل هذه المجافاة، هذا التوجس من الأشكال، كما تبدو لنا في الواقع، يعكس نوعاً من الثورة الداخلية، على كل هذا المعنى المعطي لها، ومحاولة النظر في داخلها، حيث تعكس العيون التي لا تنطوي على أي سكينة داخلية، أو عاطفية، وإنما الترقب والخوف والقلق، كما الحبال التي تشدنا من الأعلى والأسفل نحو النار، كأنها تعيد تجسيد قصة بروميثيوس بين الأغلال، غياب الرؤية الحالمة لواقع يفتقد الحلم .

او لعلها حبال الوهم، وهمنا بالوداعة الطفولية، او صرخة غاضبة ضد القيود التي تكبلنا، او هي حقيقة البقاء على مقربة من النار والاحتراق . 

 ودعونا نتأمل في هذه الأشباح القاتمة، ولكن اللاهية التي تتبادل قذف شيئاً ما يشبه الكرة المشوهة، واللذان يبدوان كطفلين، ولكن دونما أجساد طبيعية، وليسا سوى خطوط، خطوط يجري التركيز عليها لكي يبدو المشهد كما لو انه نوعاً من "الفانتازيا" السوداء، لواقع يعاني من التشوش والاختزال .

 

أننا إزاء موهبة حقيقية تحاول الكشف عن ذاتها، ولكن لأنها قد دخلت للتو في لحظة انكشافها، فأن وقتاً يجب ان يمضي قبل بلوغ هذا الكشف عتبة انبجاسه النهائي، والمتكامل، لكي يمكن متابعة مجراه وقد وصل حدود تحرره المعرفي وهدأت عاصفته .

ومع ذلك فهي نهدات حقاً، تشير إلينا بإصبعها، وتفرض علينا التوقف عندها، باعتبارها تحوي في ذاتها ولادة فنان حقيقي وموهوب، يحاول ان يشق طريقه .

أنني أحييك أيتها الطفلة الرائعة، ولا اطلب منك ان تنظري إلى مداخلتي هذه ،باعتبارها نوع من التشجيع الذي تحركه عاطفة المحبة لك ولأسرتك، ولكن باعتبارها احتفاءاً بموهبة حقيقية قبل أي شيء آخر، واني آمل ان تنظري إلى هذه الكلمات كانطباعات شخصية، أكثر منها حكماً نقدياً بالمعنى الاحترافي للنقد .

                

  

  

Hosted by www.Geocities.ws

1