مراجعة كتاب
من يهودية الدولة حتى شارون
دراسة في تناقض الديمقراطية الاسرائيلية
للدكتور : عزمي بشارة
نعيم ناصر
يعتبر هذا الكتاب من أفضل ما كتب عن اسرائيل ، ليس لأن د. عزمي بشارة باحث واكاديمي معروف، على الصعيدين الفلسطيني والعربي ، وذا منهج علمي واضح المعالم، فحسب، وانما لأنه شخصية سياسية فاعلة ومؤثرة في الساحتين الفلسطينية والاسرائيلية ، وعضو كنيست منذ العام 1996، على دراية واسعة ودقيقة بالشؤون الاسرائيلية وتداعياتها المختلفة على الصعد كافة ، وهو ما عكسه مضمون مؤلفه الذي بين ايدينا .
وهذا الكتاب، كما جاء في مقدمته : " مساهمة بحثية في تحليل اشكاليات وتناقضات نظام الحكم في نقاط تقاطع السياسة مع الاقتصاد السياسي والايديولوجيا السائدة في حالة خاصة هي حالة اسرائيل. ولهذا الغرض يحلل الكتاب بنية الديمقراطية اليهودية الى عناصرها المكونة".
وفي موقع آخر يقول عن سبب كتابته لهذا المؤلف القيم " ليس الكتاب ردا على الاختصاص الاسرائيلي بــ (استغراب) عربي . فلسنا معنيين بمناكفات استعراضية ذات طابع تمثيلي ، لكي نصرف جهداً على إثبات اننا نستطيع ان "نحللهم" كما "يحللونا". نحن معنيون بالبحث ، وليس بلعب دور الباحث. كما لسنا معنيين ببحث ينفذ وظيفة أخرى غير البحث والنقد المتضمن فيه".
وتأتي خطورة الكتاب - كما يقول الكاتب المصري أمين اسكندر في معرض قراءته لهذا المؤلف – من تحليله لبنية الديمقراطية الاسرائيلية، والعمل على تفكيكها الى عناصرها المكونة، ما يساعد على فهم وادراك علمي لمؤسسات الدولة الاسرائيلية ونشأتها وارتباطاتها ، ودورها في تحقيق الغرض الذي قامت من أجله ، ودورها في الديمقراطية ، وأثر ذلك على الإقتصاد والمؤسسة العسكرية والخارطة السياسية الاسرائيلية ، والتفاعل الاسرائيلي مع العولمة ، وهي قضايا عديدة ومتشابكة يكشفها د. عزمي بشارة من خلال التفكيك واعادة التركيب.
وفي رأي الكاتب الفلسطيني خالد الحروب أن د. عزمي لا يقدم في هذا الكتاب رؤيته المعمقة لمسألة يهودية دولة اسرائيل، وتناقضاتها الداخلية ، بياناً سياسيا تحريضيا منفصلا من موقعه "كناشط سياسي" ، ولا يقدم تأريخا بأخذ مسافة عن الحدث، ولا يرى في مقولاته الكبرى بطشه اليومي بالآخر، هوية وحياة ومستقبلاً، بل يقدم الواقع في نصه الجديد مزيجا من ذلك كله ، خليطا من الاكاديمية و السياسة والتأريخ.
يقسم الكتاب الى مقدمة وخمسة ابواب. في الباب الأول يتناول الكاتب تناقضات الديمقراطية اليهودية ، في شكل عام ، وتعدد بنيويتها ، وأهمها الطبيعة الكولونيالية ، وعلاقة الدين بالدولة ، وما يشتق منهما ، ويتعرض في شكل مختلف وجديد لطبيعة اسرائيل الكولونيالية ، ولقضية المواطنين العرب فيها. وينتقل الى بحث العلاقة بين يهودية الدولة ، كتعريف وكوظيفة ، من جهة، والديمقراطية من جهة أخرى. ثم يحلل الأصول الفكرية للعلاقة بين الدين والدولة ، بما في ذلك مسألة العلاقة بين التطرف السياسي والغيبية الدينية .
وفي رأي د. عزمي أن نموذج الدولة القومية الديمقراطية لا ينطبق على الحالة الاسرائيلية، لأن اسرائيل لا تفصل بين الأمة والقومية والدين، وبالتالي لا يمكنها الفصل بين الدين والدولة، وذلك ليس فقط فيما يتعلق بالأحوال الشخصية ، وانما أيضا ، في قضايا دستورية الطابع، لها علاقة بجذر الديمقراطية ، مثل حسم قضية المواطنة في اسرائيل. وفي هذا الخصوص يستشهد الكاتب برسالة وجهها بن جوريون الى شاريت في العام 1954 يقول له فيها: " ليس لنا ان نفصل الدين عن الدولة، فهناك وحدة مصير بين دولة اسرائيل والشعب اليهودي".
وفي الباب الثاني ، الذي يحمل عنوان: "نشوء النزعة الأمنية" يقيم الكاتب المسائل الأساسية المتعلقة باشكاليات الديمقراطية اليهودية عبر مراجعة مسألة الأمن والجيش والثقافة السياسية والأمنية ومميزاتها والعقيدة الأمنية لدى اسرائيل كدولة ومجتمع ، ويكشف مرتكزات العقيدة الأمنية الاسرائيلية ، ببعدها العسكري الاستراتيجي ، التي تتكون من اربعة مركبات أومبادئ اساسية:
1- ليس هناك من خيار أمام المجتمع والدولة في اسرائيل سوى الحرب والاستعداد دائما للحرب ، اي البقاء على أهبة الاستعداد.
2- إن تفوق العرب العددي والاقتصادي والجغرافي يضطر اسرائيل الى تطوير قدراتها نوعيا ، وايضاًَ الى محاولة الاستعاضة عن النقص ازاء التفوق العربي العددي الشامل بتفوق اسرائيلي محلي على الجبهات العينية، والاعتماد على تفوق عددي مؤقت في مراحل زمنية محددة تستطيع فيها اسرائيل ان تستنفذ الاحتياط، وهي مرحلة الحرب والاستعداد للطوارئ.
3- ادراك اسرائيل ، منذ وضعت اللبنات الأولى لعقيدتها الأمنية ، انها لا تستطيع ان تهزم العرب مرة واحدة ، ثم تعرض شروطها دفعة واحدة نتيجة لهزيمة عربية. وإن الطريق الناجح هو تحقيق انتصار تلو الآخر ، حتى يقتنع العرب بالتدريج أن خيار القوة لا يحقق انجازا عربيا سياسياً.
4- أما المبدأ الرابع فيكمن في ان اسرائيل قد اتبعت في تحقيق ذلك كله العمل الحثيث من أجل التوصل الى تحالف مع دولة عظمى على الأقل، الى أن كان لها ذلك مع الولايات المتحدة في شكل كامل بعد حرب العام 1967.
ولكي تفهم عقيدة الأمن الاسرائيلية في شكل أوسع، مما سبق ذكره، اورد الكاتب وصف بن جوريون لدور الأمن في الحياة الاسرائيلية : " في حالتنا يلعب الأمن دوراً أكثر أهمية مما في البلدان الأخرى، وهو لا يعتمد على الجيش، فحسب، وانما يعني استيطان الأماكن غير المأهولة ، وتوزيع السكان، وبناء الصناعات في أرجاء البلاد كافة ، وتطوير الزراعة .. الأمن معناه احتلال البحر والجو ، وتحويل اسرائيل الى قوة بحرية عظمى .. ويتطلب الأمن استقلالاً اقتصادياً.. كما يتطلب تطوير الابحاث والمهارات العلمية".
ولعل هذا الفهم الواسع للأمن هو الذي جعل الفرد الاسرائيلي – حسب الكاتب – يثق بالجنرالات اكثر من القيادات السياسية." فهناك 82 في المئة من الاسرائيليين اليهود مستعدون لتقبل سياسات الدولة الأمنية ، على الرغم من شكوكهم وارتيابهم بمواقف كبار الضباط والسياسيين ، حيث أن 12% من الاسرائيليين يثقون بالقيادات السياسية في شكل مطلق و 25% في القيادات العسكرية في شكل مطلق".
وفي الفصل الأول من الباب الثالث " الاقتصاد والعولمة السياسية" يقتصر د. عزمي بشارة مهمته على اضاءة وتحليل بنية الاقتصاد الاسرائيلي لفهم التحولات السياسية والاجتماعية ، التي يتناولها في فصول الكتاب الأخرى، وبخاصة المتعلقة بتغير الخارطة السياسية الاسرائيلية. وهو هنا يهدف الى البحث عن اسانيد للتحول الطبقي والسياسي ، كي لا يبقى كلامه عن نشوء نخب جديدة وطبقات جديدة ، او عن سياسات امنية مختلفة ، او عن طائفية سياسية، ضربا من المضاربات النظرية، او مجرد بناء على افتراضات اقتصادية، او آراء منتشرة ومسلم بها.
أما في الفصل الثاني من الباب نفسه، الذي حمل عنوان: " بعض جوانب جدلية العولمة اسرائلياً" فيتحدث عن ماهية المشروع الصهيوني، الذي كان بمجمله مشروعاً استيطانياً علمانيا عقلانياَ في وعيه الذاتي المتمثل في وعي قياداته العمالية ، حينذاك ، ولكنه أنشأ التمايز في القوى الاجتماعية والتيارات الثقافية ، اللازم لاحداث فرز بين قوى تعرفت على الأسس الغيبية لهذا المشروع وتماهت معه، وقوى ديمقراطية ليبرالية تدفع باتجاه انسجام اسرائيل في شبكة العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية الاوروبية والامريكية. وهنا يستدرك د. بشارة قائلا:" ولكن ليبرالية هذه القوى الاخيرة لا تذهب الى ماهو ابعد من الحدود المسلم بها في المشروع الصهيوني وهي:
1- الرواية الصهيونية للصراع العربي – الاسرائيلي.
2- التطابق بين الانتماء القومي والانتماء الديني."
ويرى الكاتب ان اسرائيل تقدم المثال الأكثر تطرفاً على أن عملية العولمة، لا تؤدي بالضرورة الى زوال الحدود القومية ، كما هو شائع في الغرب، وانما تؤدي الى الحفاظ عليها ، والى محاولة تثبيت الحدود القومية كحدود ثقافية عن طريق تعميق البعد الإثني الباحث عن الأصل (الدين في الحالة الاسرائيلية) المشترك للجماعة القومية كجماعة عضوية متخيلة ، وكذلك كبديل لبعد السيادة والدولة كعامل أساسي في تشكيل الهوية القومية الحديثة.
ويفحص د.عزمي بشارة في الباب الرابع تحولات السياسة الاسرائيلية المعاصرة ، بناء على ما ورد في الأبواب السابقة ، ويستعرض نماذج عن الاشكاليات والتناقضات في الحياة السياسية الاسرائيلية، وتجسدها في الخارطة الحزبية ، كاشفا نهاية حقبة الاستقطاب في المجتمع الاسرائيلي ، بين الحزبين الكبيرين ، العمل والليكود ، ويتطرق إلى اشكالية العلمانية والتدين في انتخابات العقد الأخير.
وعن تجزئة الهوية الجماعية والتنافس الحزبي يقول الكاتب:" إن شرط استخدام الهوية القطاعية، كاستثمار سياسي في عملية تقسيم الكعكة القومية ، لا يتطلب تجزئة الهوية الشمولية اليهودية ، بل نحن ندعي ماهو أبعد من ذلك : انه يتطلب التأكيد عليها كاطار جامع لكي تكون الهوية الجزئية أداة شرعية تستخدم ضد ما تدعي انه غبن، أو انعدام عدالة في توزيع مصادر الثروة، عليها أن تؤكد ولاءها ووطنيتها وهويتها اليهودية، او صهيونيتها، ومساهمتها في أمن الدولة ...هذه تذكرة الدخول الى شرعية المشاركة في تقسيم الكعكة القومية. وهذا يعني قبول بعض الثوابت والمسلمات الوطنية ، كاطار جامع للتنافس الداخلي على الحصة من الكعكعة الوطنية".
ويضيف د. بشارة في السياق ذاته أن الاحزاب القطاعية اليهودية غالبا ما تضطر ، ليس فقط الى استخدام الهوية الجزئية في اللعبة البرلمانية للحصول على مكاسب ، وانما الى التسليم في الوقت ذاته بالاجماع الصهيوني القائم في قضايا السلم والحرب، الأمر الذي يجعل الاحزاب القطاعية قابلة للدخول في إئتلافات عدة وراء الأحزاب الكبرى، وإلى استخدام لغة قومية تتمحور حول "وحدة شعب اسرائيل". و " كلنا يهود" من أجل تبرير مطالبها بحقها في الموازنة أو السلطة.
وفي ختام الباب الرابع يستعرض الكاتب التقسيم الرائج في اسرائيل لمعسكري اليسار واليمين، ويرجعه الى تقاليد تاريخية تمتد الى الصراع بين حركة العمل الصهيونية ، التي سيطرت على "اليشوف"، من جهة، والحركة التنقيحية التي انشقت عن المؤتمر الصهيوني العالمي بقيادة جابوتنسكي ، من جهة اخرى . ويصف الاولى بــ " الاشتراكية الطابع بصفتها اقتصاد دولة" ويصف الثانية بــ "ليبرالية الطابع تستند الى الطبقات الوسطى في المدن اكثر مما تستند الى الاستطيان الزراعي العسكري الطابع والعمل المأجور".
ولكنه يرفض هذا التقسيم قائلا: "إن السمات الطبقية للمجتمع الإسرائيلي تغيرت تغيراً جذرياً مع التحول التدريجي ، الذي طرأ على أجندة السياسة والمجتمع الاسرائيليين " فلقد فقد اليسار قاعدته الاجتماعية العمالية الشعبية ، وبات يستند الى طبقات وسطى جديدة متسعة باستمرار. وتحول اليمين الجديد الى مخاطبة فئات شعبية واسعة لها مصلحة معيشية بتدخل الدولة في الاقتصاد".
وفي الباب الخامس والأخير يتطرق د. عزمي بشارة، في شكل مفصل، الى نماذج قيادية اسرائيلية معاصرة ، مثل باراك وشارون ، باعتبارهما ظاهرتين تتقاطع فيهما وعندهما التناقضات والاشكاليات السياسية الاسرائيلية.. كما يتطرق لمرحلة نتنياهو. بعد ذلك يقدم لنا الكاتب صورة شارون السياسي ويكشف جوانب مسكوت عنها للتحرك السياسي في عهد شارون.
ويفرد جانباً من هذا الباب إلى الصراع بين الأحزاب الاسرائلية، وبخاصة بين العمل والليكود ، في انتخابات الكنيست ، ويعتبره، أولاً وقبل كل شيء، صراعاً بين نخب تمثل قطاعات سياسية واجتماعية على السلطة ، وليس على القضية الفلسطينية، كما قد يتبادر الى الذهن، ويدور ضمن قواعد لعبة سياسية ديمقراطية متفق عليها ، وعلى عدم خرق قواعدها . كما يدور ضمن اجماع محدد على مسلمات سياسية مثل : يهودية الدولة، ومحورية سياسة الأمن وتقوية الجيش، ومحورية العلاقة مع الولايات المتحدة ، ومحورية التنمية الاقتصادية واقامة اقتصاد سوق متطور في شكل يتناسب مع التوزيع الديموغرافي لليهود في الدولة ، وأهمية تشجيع الهجرة واستعياب المهاجرين اليهود في الدولة، ورفض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، ورفض السيادة العربية في القدس، ورفض ازالة كتل الاستطيان الأساسية.
وفي ختام كتابه يعرض الكاتب نتائج استطلاع للرأي العام الاسرائيلي ( عرب ويهود ، ومستوطنون، ومتدينون، ومهاجرون جدد) أجري في اطار بحث تحت عنوان: "التطرف السياسي في جامعة حيفا" ، في شهر أيار ، العام 2004 ، وكانت نتائجه كالآتي: 64% من الاسرائيليين يعتقدون ان على اسرائيل ان تشجع هجرة العرب الى خارج حدود الدولة، أي يشجعون التهجير طوعياَ، و55% من اليهود يشعرون أن عرب الداخل يحصلون من الحكومة على " تعامل ودي اكثر مما ينبغي" و 45.3% من اليهود يؤيدون مصادرة حق التصويت والترشيح للانتخابات من المواطنين العرب في الداخل ، و79% من اليهود يؤيدون سياسة الاغتيالات في المناطق الفلسطينية المحتلة.