88

 

      خالد درويش

  

  

 

 1        

  

كل شيء ينام معي

تحت شجرة الكستناء:

الرغبة في الرقص و الكلام

و الخوف من القطيعة

ترددي في البوح

و اندفاعي للعناق،

الريح و الحجارة

و صدى الانهيار.

 

                

 

حين تنام الشرفات

تتفتح وردتي:

اسوار المدرسة البعيدة،

رسائل عزلتي و رائحة البيادر.

حقول المارغريت…حقول بلا نهاية،

اياب الكرديات من النهر بالزهر و الاغاني

و رائحة الأرض المحروثة توا.

حين تنام الشرفات

تتفتح وردتي:

اصابعي الملوثة بالحبر

و هدايا وداد،

غناء ليزا في الممر

و بكاء سامي عند الفجر.

حين تنام الشرفات

اشّم رائحة البطولة

في بيانات اوّل الثورة

فأنشد السكينة في كلماتك الحانية.

 

 

               

 

 

            3

 

 

لأجلك،

لأجلك انت تتسكّع يقظتي

في حديقة المساء..

افق من عنب لآخر النهار،

كركرة الماء لقهوة اخرى

و رحيق الجسد الذي

سيبتعد بعد قليل.

 

 

       4

 

 

هاك الجبل،

هاك الجبل كلّه بين يديك

بدروبه الصامتة

و سفوحه المشتعلة بالأريج.

هاك الجبل

بحكمته العالية

و منحدراته التغري بالانفلات.

 

 

           5

              

 

الزهرة الذابلة على الرصي

تشبه قلبي الذي هلكته الغيرة،

العصفور الذي يرتعش على الغصن

يحاكي روحي التي تتفتت لغيابك،

و هذا الناي الذي يعوي في الليل

هو ندائي الأخير:

لا تتركيني!

 

 

       6

 

 

انظر اليك

فأرتعد-

لقد تغيرت كثيرا.

 

 

      7

 

 

في حديقة الريح

تلتقي أصابعنا

فيما نمشي صوب المدى

الذي سينكسر عمّا قريب

عن ضحكة كبيرة.

في حديقة الريح

تتفتّح الجداول

مثل قهقهات في مساء العزاء

في حديقة الريح

تتألّق أقمار سذاجتك

فيتردّد نحل قلبي وجلا

أمام عسلك الطّاغي.

في حديقة الريح

تتباعد اصابعنا كوميض موجع

قيما نمشي صوب المدى

الذي سينكسر عمّا قريب

عن غصّة كبيرة.

 

 

 

 

 

           8

 

 

وصل الّذين نحبّهم الى الميناء

ينتظرون عودتنا

وصل الّذين نحبّهم / حفاة كالريح

و قلوبهم طافحة بالمودّة.

وصلت الأرض كلّها الى الميناء:

المدينة و الريف و المخيّم،

الدروب و رائحة التين،

صبايا النشيد و هسهسة الغدران

الرعاة و صمت الشبابيك عند الفجر

اغفاءة الشهداء ورائحة الطابون

الرايات و بحّة الناي،

و كلّ شيء و كلّ شيء..

ووصل حنيننا الى الميناء

قبل ان نصل

وصل حنيننا

و لم نصل.

 

 

       9

 

 

أتسلّق البحر

كيّ لا تبلّلني

كلماتك الجارحة.

 

 

 

 

 

 

 

 

     10

 

 

ليلا

أحلم بامرأة اسمها ايفا،

ليلا

يحلم صديقي بامرأة اسمها ايفا

فأغار.

صباحا

أتسلّق صليبي كيّ أعانق الّله،

صباحا

تتسلّق ايفا صليبها كيّ تعانق الّله

فأغار.

 

 

      11

 

 

على طرف المساء

لم يكن لي صمتك

حدّثتك عن الليل

فتوهّجت في المدى

غابة بألوان قزح.

وحين التقت شفاهنا

سمعت أنين قلبي/

صدى طفولتي البائسة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

       12

 

 

عند الفجر

على الشرفة الثالثة للمنزل الأخير

تحت الدالية

التي يسيل عبر أغصانها شاي القمر

الى الزوايا الصامتة،

بين "لا" غرورك

و "نعم" رغبتي

كنت تتألقين

كبحيرة في الطريق الى الصحراء

و كنت أذوي

كصهيل مذبوح.

 

 

      13

 

 

غصّتي تذوب

حين يمضي الساهرون

و تبقين معي.

 

 

       14

 

 

أرى فيك حتفي

و أحثّ خطاي اليك...

 

 

       15

 

آن للأبيض المتوسط

أن يتخطّى حدود الرمال.

 

       16

 

 

سئمت الحديث في الموت و الحريّة

سأصف ضفائرك

المبللة بمطر اكتوبر الدافئ.

سئمت المرايا

و عزلتي المتعالية

سأغرق في مديح أصابعك

و هي تلهو بيباس قلبي.

 

 

        17

 

تجيئين

كلّما أمضي.

 

        18

 

ليت لي قلبك

لأرى القمر،

ليت لي حكمتك

لأقفز من الشرفة العالية.

 

     

       19    

 

في ساحة الحريّة

في الرابعة و النصف

من بعد ظهر الخميس

لا أحد في انتظاري.

 

 

 

       20

 

التقيك في أول الدرب

التي تعبر البساتين الى النهر

أحدّثك عن المغنّي

الذي فجّر نايه ماء الحنين،

عن صديقي

الذي اغتاله الجند

في أزقة الظهيرة،

عن امي

في رقصة الشوق الى البرتقال

وعن أولاد المخيم

وهم يغسلون ضجر النهار

بماء المطر.

ألتقيك في أول الدرب...

و في أول الدرب

تعودين الى مراياك.

 

 

      21

 

 

تعال يا حبيبي

لنسكب الماء في آنية القلب

أو

حرّرني من شذاك

لأعطيك أزهاري.

 

 

 

 

 

 

 

 

        22

 

  

في الصباح

على الرمل المبلل

عند عتبات تمّوز

المشتعل بالشهوة و الحكايا

كنت ترتعين

مثل عصفورة في الربيع.

في المساء

تكسّرت الأغاني على شفتيك

و ذوت اصابعك في كفي

و لم يبق على المل المبلل

سوى الريح

و ظلّينا الغارقين في العناق.

 

 

        23

 

 

المرايا محطّمة

فكيف تسرّحين

 شعرك الأسود الطويل؟

الناس على الشرفات

فكيف اردّ على ابتسامتك؟

الريح في كلّ الاتجاهات

فكيف اسيّر مراكبي؟

 

 

 

 

 

 

 

  

        24

 

 

ها قد دنا الصيف

و حان الوقت للخروج

الى البساتين

انت على النافذة

و انا على النافذة؛

هيّا نتعاهد:

انت على رقّتك

و انا على خنجري.

 

 

        25

 

 

احب من الألوان

الأزرق و البني...

انه البحر و التراب،

الماء و النخيل

انها حياتنا

حياتنا التي بدأت بالأغاني و القبل،

بالأمل و المواعيد

انها حياتنا

التي تمضي الى الجحيم.

 

 

        26

 

 

أرى في رسائل الأصدقاء،

حين أعود اليها

مراثي

لوقت ضاع.

 

        27

 

 

ليس في احتفالات الصباح ما يدهش

الحدائق يهجرها باعة الكستناء و الأطفال

يحتلّها المقامرون و الحرّاس.

و أنت يا سماء

في ايّ جهة احرقت مراكب السحاب؟

حديقة المسجد اندثرت،

البيوت القرميدية الضيقة

صارت شواهق من الحديد و الزجاج

و مجالس النميمة عند مداخل الأزقّة

امست ملاذات للعزلة و الفراغ.

و انت يا سماء

لم احرقت كلّ مراكب السحاب؟

 

 

        28

 

 

لا فضاء في هذا الفضاء

لا أصدقاء

فماذا نفعل يوم الأحد!

 

 

      29

 

 

هناك،

عند نهاية العالم

حيث تتعرّى الأزهار من خوفها

و يلقي الأطفال زوارقهم الورقية

في مياه الغدير

هناك،

حيث يتخطّى النهر ضفافه،

و يرى الذئب قبّرة في مرايا الجداول...

الامس اصابعك

فبلادا تصير الحجارة،

الفصول مواعيد

و الأصدقاء مرايا.

 

 

      30

 

 

صورتي في زجاج القطار

نهر يمدّيديه

للولد الذي كنت.

 

      31

 

من شرفتي

أرى القدس ليلا:

طرقات تنتهي في الطريق اليّ،

ابتهالات

في ذكرى الدم العالي،

اماني تتكسّر

و أجراس صامتة.

هنا الجنود

و هناك رائحة الياسمين؛

هنا قلقي

و هناك طيور اليقين.

من شرفتي

أرى القدس ليلا

و أرى ابي

الذي تعرّى

من تويجات لهفته

ورقة ورقة

في دروب انتظاره..

و مات.

 

             32

 

ها أنت تغني وحيدا

في السهل الأخضر الفسيح

و في الممرات الباردة،على ضفاف النار

و عند الجثة التي جفّ دمها.

ها أنت تغني وحيدا

و تنتظر الملائكة.

 

 

       33

 

 

كانت الشمس تشرق

حين ربطوه الى جذع سنديانة.

أطفأوا أغانيه،

قصّوا جدائله

و قتلوه....

لأنه،ببساطة

لم يكن يشبههم.

 

 

     34

 

 

الهي

ها أنت تخيّرني:

عبوديّة الصخر

أو فوضى الريح!

 

 

 

 

 

     35

 

 

ليلا

يأتيني الولد الذي كنت

على كفّه المخيم/

زهرة توشك على الانفجار.

ليلا

تأتيني عصافير الجنّة

كيّ تلتهم روحي.

 

 

      36

 

 

و التي أحبها

ليست الأرض

انها جسد يبحث عن سماوات.

 اسمها ايفا

و تشبه أمي.

ماذا أقول لك أيضا،

يا صديقي...

هل ترغب في المزيد من القهوة؟

 

       37

 

خذلته المواعيد،

ضاقت به الأقاليم-

لا قم في السماء،

لا أطفال في الحديقة

و لا امرأة في دروب الاياب...

و حين هوى من الشرفة العالية

الى عتمة الصخر

لم يكن ثمّة موت

و كانت الحياة تذوي.

 

       38

 

 

وحيدا أمضي

و وحيدا أنام.

وحيدا ألعق ظلّي

على شجرة الليمون

أتكئ على جدار ليس لي،

أمدح عزلة الصبّار

و أشتهي الماء و الناس و الأرصفة.

وحيدا أقرأ رسائل صديق مات

و وحيدا أموت.

 

 

        39

 

 

قلبي في الظهيرة

لبكاء الطفل

الذي سقط دفتره على الوحل،

قلبي في المساء للأغاني؛

أغاني الريفيّات يهبطن السفح

بجرار الزبيب و أزهار النرجس،

قلبي في الليل

لأنين المحارب القديم

في البيت المجاور،

قلبي في الصباح

لظهورك في أعالي الطريق

بابتسامتك البيضاء

و قميصك الأخضر...

و قلبي دائما

مجرّد 300 غرام من اللحم و الدم.

 

 

        40

 

 

صغيرا

أرفع يدي لأقطف الوردة

و كبيرا

أنحني لأيجها.

صغيا

أضيع في المدينة

و كبيرا

تضيع المدينة فيّ.

صغيرا

أفتح عينيّ على الحياة

و كبيرا-

على الموت.

 

 

       41

 

 

تهرب من مراياي

الى الحليب-

سيرتك الأولى..

و تهرب من كستنائي

الى نرجسك العالي.

 

 

42

 

 

هذا المساء،

هذا المساء فقط

أستطيع السيطرة على العالم.

هذا المساء

أشعر بالريح

وهي تمرّ بين أصابعي

إلى الجبال

مشبعة بالحنين والشهوة-

برائحتك.

هذا المساء،

هذا المساء فقط

يسهل عليّ أن أقول:

أحبك!

 

 

43

 

 

قلبي يرتعش

أصابعك تنحس.

قلبك يرتعش

أصابعي تنحسر.

 

 

44

 

 

بالأمس كانوا هناك

على مشارف أورشليم

رأيتهم-

كانوا بين الحشد وظلال الزيتون

بين الابتهالات واستغاثات الخطى/ خطانا

من الصخرة إلى سماءٍ أخرى.

بالأمس كانوا هناك، وكانوا يهتفون

قال الأول:

إلى أورشليم!

قال الثاني:

إلى أورشليم!

قال الثالث:

إلى اورشليم!

في المساء

لم يكن هناك

غير الصمت

ورائحة الدم..

وأورشليم.

 

 

45

 

 

الظلال

و الضجر

وثلاث وردات ذابلة على الأسفلت.

هذا كلّ ما تركه

موكب الأمير

الذي مرّ صباح اليوم.

 

 

46

 

 

في الشارع والساحات

في الأزقة والحقول

يركض الناس

جنازات واعياد

مواعيد عند الجسر

وأخرى للريح

أسوار عالية

و قلق مزمن...

كأننا نعيش أبدا.

وجبل متجهم و صامت

 كأنّه

يموت غدا.

 

 

 

 

 

47

 

 

- بم تفكر؟

- بك،

بصمتك في مرايا حيرتي!

 

 

48

 

 

تدخلين المدينة

بدموعك البيضاء

وازهارك الضاحكة.

غضبهم ينكسر

ونيرانهم تنطفئ

حين تدخلين المدينة

بحكمتك العارية

وحنين لا يذوي

وتنتصرين.

 

 

49

 

 

حين تنتهي البيوت

تطلّ أسوار الدير

وحين ينتهي الكلام

تطلّ الرؤى.

 

 

 

 

50

 

 

أخرجي بهدوء

كي لا ينتبه الفراغ

الذي ينتظرني وراء الباب.

 

 

51

 

 

الساعة الأخيرة

من اليوم الأخير-

مساء بارد

وكلام كثير على ضفّة الصمت.

***

اقتربي مني

قليلاً..

سأعترف :

بدّدت النرجس كله

من أجلك.

***

الساعة الأخيرة

من اليوم الأخير-

مساء حامض

وصمت كثير.

 

 

52

 

كان يومي كأمسي

صار يومي

كغدي.

 

 

53

 

 

كم كان الجسر بعيداً،

كم كانت القرى واسعة

وكانت عائشة جميلة

وشجرة التّوت عالية.

 

 

54

 

 

على شاطئ اللاذقية

اشتقت لحيفا

وفي القدس..

افتقدت دمشق.

 

 

55

 

 

سبحانكَ

رأيتُكَ

وكنتُ في الرابعة

رأيتُكَ

ترنو إليَّ من بين الأغصان.

سبحانكَ

لم أعد أراك.

 

 

 

 

 

 

56

 

عند الجسر

هدأت العاصفة

وأخذ القلب يعوي.

 

 

57

 

 

كان صديقي يحب الحياة

وكان الموت يحب صديقي.

 

 

58

 

 

أنا وأنت

غريبان

في وطن كان لنا.

 

 

59

 

 

في الليلة الماطرة

كنت معي

باردةً وغامضة

كالنار في أعالي الجبال.

عند أول الصحراء

كنا معاً

وكنت بيضاء وشجية

كمدينة على شاطئ المتوسط..

وحين هبّت العاصفة

كنت صامتة ومثيرة

كالدروب التي

تعبر البساتين إلى الدير.

 

 

60

 

 

فتحتٌُ النافذة

لأرى الشمس

فرأيتُ جاري

يفتح النافذة

ليرى المطر.

 

 

61

 

 

بإمكانك الآن

أن تقول: لا

من حجرتك الصغيرة

وأمانيك الواسعة

بإمكانك الآن

أن ترنو من بين القضبان

إلى عالمنا الواسع

وأحلامنا المنطفئة..

بامكانك الآن

أن تسيّر مراكبنا ومراكبك

يا سيّد المدى،

وتهزأ بنياشيننا الكالحة.

بإمكانك الآن

أن تنتصر،

لأننا ناتيك

في قلوبنا الأسى

وفي أيدينا الزهر كله.

 

 

62

 

 

تعطش القرى

على ضفاف الفرات.

 

 

63

 

 

لم أجد في الألياذة

إلاّ عدو آخيل

ووجه هيلانة المشرق،

لم أجد في حلب

إلاّ الزقاق الطويل

بين الحديقة والمتحف..

ولم اجد في وطني

إلاّ حنيني المنطفئ.

 

 

64

 

 

لا سلوى في هذه الظهيرة المالحة

سوى نيّتي في الاحتفال

بمرور ست سنوات

وثلاثة أشهر

وخمسة أيام

على أولى قبلاتنا.

 

 

 

 

 

 

65

 

 

الصبّار روحي

والندى

في يديك.

 

 

66

 

 

ينهشك اليقين

فلتجأ إلى قلقي.

 

 

67

 

 

تأكل الأرض

خبزي

ويشرب الغيم

مائي.

 

 

68

 

 

كلما اقتربنا

من الماء

وجدناه سرابا

كلما عانقتني أكثر

ازددتُ اغترابا.

 

 

 

69

 

 

عند قبلتنا الأولى

أراك تذهبين

وأراني وحيدا..

 

 

70

 

 

الأنهار تمضي إلى البحر

ونهر حبّي.....

 إلى الرمال.

 

 

71

 

 

حنيني الأول إلى الوادي

حزني الأول على موت محمود

حبي االأول ليلى

وصلاتي الأولى للمطر.

دهشتي الأولى بحر اللاذقية

غربتي الأولى ليل دمشق

قبلتي الولى بطعم التفاح

وخوفي الأول من ظلال الدالية.

 

 

 

 

 

 

 

 

72

 

 

هذه الحالات

كتبتها على مدى عشرين عاماً.

في الصباح وفي المساء،

 ظهراً وعند منتصف الليل.

كتبتها عند المسرّات المتفتّحة

في احتفالاتنا السرّية على العشب

وبين جدران وحدتي،

 للبطولة التي تشفق على ابطالها

وللانتصار المهزوم في الخطوة التالية.

كتبتها في دمشق، في صوفيا ورام الله

لابتسامة المرأة من برج الجوزاء

وعن الرجال الذين يجهلون تواريخ ميلادهم

لقمر أريحا القريب

 وسماء الله التي تبتعد عن ابتهالاتي

لأحزان كاترين... وضفائر مريم.

للموت

وللحياة- صيغته المؤقتة

 

 

73

 

 

يقتلني هابيل

في " بيت إيل"،

وتدعوني مريم

إلى عرسها

في الجليل.

 

 

 

 

 

74

 

 

حين تعانقني

أشمّ في عبيرك

رائحة سفري

إلى مساء

ستلتهمه الحرائق.

 

 

75

 

 

كان قادماً من موته

وكان ذاهباً إلى موته

حين أتاني

مسربلا بالصمت.

 

 

76

 

 

الوليد يبكي

و الجماجم تضحك.

 

 

77

 

 

أريد،

أريد ان أكون،

 أريد أن اكونك..

في حياتنا التالية.

 

 

78

 

 

ظلالك نور.

 

 

      79

 

 

تعطيني اكثر مما أريد

وحين تعطيني ما اردت

أجده قليلاً.

 

 

     80

 

 

أنهض،

أزيح الستائر عن وجه النهار،

استحمّ،

اتناول قهوتي

أرتب ما يلزمني لبرنامج اليوم،

اهندس أناقتي،

اطُرِق قليلا عند النافذة،

اخلع ملابسي

وانام.

 

      81              

 

بلا قلب

اتنقّل بين قلبين

وبقلب طافح بالغيرة

اتنقل بين حجرتين.

 

 

      

     82

 

 

حين تأتين

يأخذني الفرح إلى حديقته

حيث الأصفر والأزرق والأحمر

وحين تذهبين

تدفعني الحكمة

إلى دروبها الرمادية.

 

 

     83  

 

 

انا سيّد الصمت والكلام

في الصباح

ومغلوبكِ

في المساء.

 

 

    84

 

 

شربتُ النبيذ

ليقود خطوتي

إلى بابك.

 

 

 

 

 

 

 

 

85

 

 

على الرابية

التي جفّت اعشابها،

في ضوء القمر

الّلاهي بين سحابتين

أسمع أغانيك

وهي تنبعث من التراب.

 

 

86

 

 

جسدك

زهرة تفَتذتها الريح

جسدك غابة تتجدد

بفؤوس الحطابين.

 

 

87

 

 

سنوات كثيرة مرّت با غانيا

دون أن نلتقي

جفّت أنهار واندلعت حرائق

ومات لنا أصدقاء كثر

في الوقت الذي لم تلتق فيه.

كنتِ أجمل فتيات بانياس-

المدينة الصغيرة الهادئة

على شاطئ المتوسط.

شاخت الدنيا وترهلت الحياة

وتلوّثت مياه البحار

صارت بانياس كبيرة وصاخبة

وارتسمت على وجهي أخاديد

أصبح صمتي يثير أصدقائي

ونظراتي تخيف المرايا بحزنها وحكمتها

ولا زلتِ يا غانيا صغيرة وجميلة

ترسمين على رمل الشاطئ

أزهار عودتي.

 

 

88

 

 

تتلوى..

كالديدان

حين تنهش جسدي

في غرفة القبر

كتضاريسك

حين ترتعش على جسدي

في غرفة السهر.

 

 

 

 

 

 

 

 

         

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                  

                  

       88

 

      خالد درويش

  

 

 

 

 

  

 

 

          

 

 

 1        

  

كل شيء ينام معي

تحت شجرة الكستناء:

الرغبة في الرقص و الكلام

و الخوف من القطيعة

ترددي في البوح

و اندفاعي للعناق،

الريح و الحجارة

و صدى الانهيار.

 

                

 

حين تنام الشرفات

تتفتح وردتي:

اسوار المدرسة البعيدة،

رسائل عزلتي و رائحة البيادر.

حقول المارغريت…حقول بلا نهاية،

اياب الكرديات من النهر بالزهر و الاغاني

و رائحة الأرض المحروثة توا.

حين تنام الشرفات

تتفتح وردتي:

اصابعي الملوثة بالحبر

و هدايا وداد،

غناء ليزا في الممر

و بكاء سامي عند الفجر.

حين تنام الشرفات

اشّم رائحة البطولة

في بيانات اوّل الثورة

فأنشد السكينة في كلماتك الحانية.

 

 

               

 

 

            3

 

 

لأجلك،

لأجلك انت تتسكّع يقظتي

في حديقة المساء..

افق من عنب لآخر النهار،

كركرة الماء لقهوة اخرى

و رحيق الجسد الذي

سيبتعد بعد قليل.

 

 

       4

 

 

هاك الجبل،

هاك الجبل كلّه بين يديك

بدروبه الصامتة

و سفوحه المشتعلة بالأريج.

هاك الجبل

بحكمته العالية

و منحدراته التغري بالانفلات.

 

 

           5

              

 

الزهرة الذابلة على الرصي

تشبه قلبي الذي هلكته الغيرة،

العصفور الذي يرتعش على الغصن

يحاكي روحي التي تتفتت لغيابك،

و هذا الناي الذي يعوي في الليل

هو ندائي الأخير:

لا تتركيني!

 

 

       6

 

 

انظر اليك

فأرتعد-

لقد تغيرت كثيرا.

 

 

      7

 

 

في حديقة الريح

تلتقي أصابعنا

فيما نمشي صوب المدى

الذي سينكسر عمّا قريب

عن ضحكة كبيرة.

في حديقة الريح

تتفتّح الجداول

مثل قهقهات في مساء العزاء

في حديقة الريح

تتألّق أقمار سذاجتك

فيتردّد نحل قلبي وجلا

أمام عسلك الطّاغي.

في حديقة الريح

تتباعد اصابعنا كوميض موجع

قيما نمشي صوب المدى

الذي سينكسر عمّا قريب

عن غصّة كبيرة.

 

 

 

 

 

           8

 

 

وصل الّذين نحبّهم الى الميناء

ينتظرون عودتنا

وصل الّذين نحبّهم / حفاة كالريح

و قلوبهم طافحة بالمودّة.

وصلت الأرض كلّها الى الميناء:

المدينة و الريف و المخيّم،

الدروب و رائحة التين،

صبايا النشيد و هسهسة الغدران

الرعاة و صمت الشبابيك عند الفجر

اغفاءة الشهداء ورائحة الطابون

الرايات و بحّة الناي،

و كلّ شيء و كلّ شيء..

ووصل حنيننا الى الميناء

قبل ان نصل

وصل حنيننا

و لم نصل.

 

 

       9

 

 

أتسلّق البحر

كيّ لا تبلّلني

كلماتك الجارحة.

 

 

 

 

 

 

 

 

     10

 

 

ليلا

أحلم بامرأة اسمها ايفا،

ليلا

يحلم صديقي بامرأة اسمها ايفا

فأغار.

صباحا

أتسلّق صليبي كيّ أعانق الّله،

صباحا

تتسلّق ايفا صليبها كيّ تعانق الّله

فأغار.

 

 

      11

 

 

على طرف المساء

لم يكن لي صمتك

حدّثتك عن الليل

فتوهّجت في المدى

غابة بألوان قزح.

وحين التقت شفاهنا

سمعت أنين قلبي/

صدى طفولتي البائسة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

       12

 

 

عند الفجر

على الشرفة الثالثة للمنزل الأخير

تحت الدالية

التي يسيل عبر أغصانها شاي القمر

الى الزوايا الصامتة،

بين "لا" غرورك

و "نعم" رغبتي

كنت تتألقين

كبحيرة في الطريق الى الصحراء

و كنت أذوي

كصهيل مذبوح.

 

 

      13

 

 

غصّتي تذوب

حين يمضي الساهرون

و تبقين معي.

 

 

       14

 

 

أرى فيك حتفي

و أحثّ خطاي اليك...

 

 

       15

 

آن للأبيض المتوسط

أن يتخطّى حدود الرمال.

 

       16

 

 

سئمت الحديث في الموت و الحريّة

سأصف ضفائرك

المبللة بمطر اكتوبر الدافئ.

سئمت المرايا

و عزلتي المتعالية

سأغرق في مديح أصابعك

و هي تلهو بيباس قلبي.

 

 

        17

 

تجيئين

كلّما أمضي.

 

        18

 

ليت لي قلبك

لأرى القمر،

ليت لي حكمتك

لأقفز من الشرفة العالية.

 

     

       19    

 

في ساحة الحريّة

في الرابعة و النصف

من بعد ظهر الخميس

لا أحد في انتظاري.

 

 

 

       20

 

التقيك في أول الدرب

التي تعبر البساتين الى النهر

أحدّثك عن المغنّي

الذي فجّر نايه ماء الحنين،

عن صديقي

الذي اغتاله الجند

في أزقة الظهيرة،

عن امي

في رقصة الشوق الى البرتقال

وعن أولاد المخيم

وهم يغسلون ضجر النهار

بماء المطر.

ألتقيك في أول الدرب...

و في أول الدرب

تعودين الى مراياك.

 

 

      21

 

 

تعال يا حبيبي

لنسكب الماء في آنية القلب

أو

حرّرني من شذاك

لأعطيك أزهاري.

 

 

 

 

 

 

 

 

        22

 

  

في الصباح

على الرمل المبلل

عند عتبات تمّوز

المشتعل بالشهوة و الحكايا

كنت ترتعين

مثل عصفورة في الربيع.

في المساء

تكسّرت الأغاني على شفتيك

و ذوت اصابعك في كفي

و لم يبق على المل المبلل

سوى الريح

و ظلّينا الغارقين في العناق.

 

 

        23

 

 

المرايا محطّمة

فكيف تسرّحين

 شعرك الأسود الطويل؟

الناس على الشرفات

فكيف اردّ على ابتسامتك؟

الريح في كلّ الاتجاهات

فكيف اسيّر مراكبي؟

 

 

 

 

 

 

 

  

        24

 

 

ها قد دنا الصيف

و حان الوقت للخروج

الى البساتين

انت على النافذة

و انا على النافذة؛

هيّا نتعاهد:

انت على رقّتك

و انا على خنجري.

 

 

        25

 

 

احب من الألوان

الأزرق و البني...

انه البحر و التراب،

الماء و النخيل

انها حياتنا

حياتنا التي بدأت بالأغاني و القبل،

بالأمل و المواعيد

انها حياتنا

التي تمضي الى الجحيم.

 

 

        26

 

 

أرى في رسائل الأصدقاء،

حين أعود اليها

مراثي

لوقت ضاع.

 

        27

 

 

ليس في احتفالات الصباح ما يدهش

الحدائق يهجرها باعة الكستناء و الأطفال

يحتلّها المقامرون و الحرّاس.

و أنت يا سماء

في ايّ جهة احرقت مراكب السحاب؟

حديقة المسجد اندثرت،

البيوت القرميدية الضيقة

صارت شواهق من الحديد و الزجاج

و مجالس النميمة عند مداخل الأزقّة

امست ملاذات للعزلة و الفراغ.

و انت يا سماء

لم احرقت كلّ مراكب السحاب؟

 

 

        28

 

 

لا فضاء في هذا الفضاء

لا أصدقاء

فماذا نفعل يوم الأحد!

 

 

      29

 

 

هناك،

عند نهاية العالم

حيث تتعرّى الأزهار من خوفها

و يلقي الأطفال زوارقهم الورقية

في مياه الغدير

هناك،

حيث يتخطّى النهر ضفافه،

و يرى الذئب قبّرة في مرايا الجداول...

الامس اصابعك

فبلادا تصير الحجارة،

الفصول مواعيد

و الأصدقاء مرايا.

 

 

      30

 

 

صورتي في زجاج القطار

نهر يمدّيديه

للولد الذي كنت.

 

      31

 

من شرفتي

أرى القدس ليلا:

طرقات تنتهي في الطريق اليّ،

ابتهالات

في ذكرى الدم العالي،

اماني تتكسّر

و أجراس صامتة.

هنا الجنود

و هناك رائحة الياسمين؛

هنا قلقي

و هناك طيور اليقين.

من شرفتي

أرى القدس ليلا

و أرى ابي

الذي تعرّى

من تويجات لهفته

ورقة ورقة

في دروب انتظاره..

و مات.

 

             32

 

ها أنت تغني وحيدا

في السهل الأخضر الفسيح

و في الممرات الباردة،على ضفاف النار

و عند الجثة التي جفّ دمها.

ها أنت تغني وحيدا

و تنتظر الملائكة.

 

 

       33

 

 

كانت الشمس تشرق

حين ربطوه الى جذع سنديانة.

أطفأوا أغانيه،

قصّوا جدائله

و قتلوه....

لأنه،ببساطة

لم يكن يشبههم.

 

 

     34

 

 

الهي

ها أنت تخيّرني:

عبوديّة الصخر

أو فوضى الريح!

 

 

 

 

 

     35

 

 

ليلا

يأتيني الولد الذي كنت

على كفّه المخيم/

زهرة توشك على الانفجار.

ليلا

تأتيني عصافير الجنّة

كيّ تلتهم روحي.

 

 

      36

 

 

و التي أحبها

ليست الأرض

انها جسد يبحث عن سماوات.

 اسمها ايفا

و تشبه أمي.

ماذا أقول لك أيضا،

يا صديقي...

هل ترغب في المزيد من القهوة؟

 

       37

 

خذلته المواعيد،

ضاقت به الأقاليم-

لا قم في السماء،

لا أطفال في الحديقة

و لا امرأة في دروب الاياب...

و حين هوى من الشرفة العالية

الى عتمة الصخر

لم يكن ثمّة موت

و كانت الحياة تذوي.

 

       38

 

 

وحيدا أمضي

و وحيدا أنام.

وحيدا ألعق ظلّي

على شجرة الليمون

أتكئ على جدار ليس لي،

أمدح عزلة الصبّار

و أشتهي الماء و الناس و الأرصفة.

وحيدا أقرأ رسائل صديق مات

و وحيدا أموت.

 

 

        39

 

 

قلبي في الظهيرة

لبكاء الطفل

الذي سقط دفتره على الوحل،

قلبي في المساء للأغاني؛

أغاني الريفيّات يهبطن السفح

بجرار الزبيب و أزهار النرجس،

قلبي في الليل

لأنين المحارب القديم

في البيت المجاور،

قلبي في الصباح

لظهورك في أعالي الطريق

بابتسامتك البيضاء

و قميصك الأخضر...

و قلبي دائما

مجرّد 300 غرام من اللحم و الدم.

 

 

        40

 

 

صغيرا

أرفع يدي لأقطف الوردة

و كبيرا

أنحني لأيجها.

صغيا

أضيع في المدينة

و كبيرا

تضيع المدينة فيّ.

صغيرا

أفتح عينيّ على الحياة

و كبيرا-

على الموت.

 

 

       41

 

 

تهرب من مراياي

الى الحليب-

سيرتك الأولى..

و تهرب من كستنائي

الى نرجسك العالي.

 

 

42

 

 

هذا المساء،

هذا المساء فقط

أستطيع السيطرة على العالم.

هذا المساء

أشعر بالريح

وهي تمرّ بين أصابعي

إلى الجبال

مشبعة بالحنين والشهوة-

برائحتك.

هذا المساء،

هذا المساء فقط

يسهل عليّ أن أقول:

أحبك!

 

 

43

 

 

قلبي يرتعش

أصابعك تنحس.

قلبك يرتعش

أصابعي تنحسر.

 

 

44

 

 

بالأمس كانوا هناك

على مشارف أورشليم

رأيتهم-

كانوا بين الحشد وظلال الزيتون

بين الابتهالات واستغاثات الخطى/ خطانا

من الصخرة إلى سماءٍ أخرى.

بالأمس كانوا هناك، وكانوا يهتفون

قال الأول:

إلى أورشليم!

قال الثاني:

إلى أورشليم!

قال الثالث:

إلى اورشليم!

في المساء

لم يكن هناك

غير الصمت

ورائحة الدم..

وأورشليم.

 

 

45

 

 

الظلال

و الضجر

وثلاث وردات ذابلة على الأسفلت.

هذا كلّ ما تركه

موكب الأمير

الذي مرّ صباح اليوم.

 

 

46

 

 

في الشارع والساحات

في الأزقة والحقول

يركض الناس

جنازات واعياد

مواعيد عند الجسر

وأخرى للريح

أسوار عالية

و قلق مزمن...

كأننا نعيش أبدا.

وجبل متجهم و صامت

 كأنّه

يموت غدا.

 

 

 

 

 

47

 

 

- بم تفكر؟

- بك،

بصمتك في مرايا حيرتي!

 

 

48

 

 

تدخلين المدينة

بدموعك البيضاء

وازهارك الضاحكة.

غضبهم ينكسر

ونيرانهم تنطفئ

حين تدخلين المدينة

بحكمتك العارية

وحنين لا يذوي

وتنتصرين.

 

 

49

 

 

حين تنتهي البيوت

تطلّ أسوار الدير

وحين ينتهي الكلام

تطلّ الرؤى.

 

 

 

 

50

 

 

أخرجي بهدوء

كي لا ينتبه الفراغ

الذي ينتظرني وراء الباب.

 

 

51

 

 

الساعة الأخيرة

من اليوم الأخير-

مساء بارد

وكلام كثير على ضفّة الصمت.

***

اقتربي مني

قليلاً..

سأعترف :

بدّدت النرجس كله

من أجلك.

***

الساعة الأخيرة

من اليوم الأخير-

مساء حامض

وصمت كثير.

 

 

52

 

كان يومي كأمسي

صار يومي

كغدي.

 

 

53

 

 

كم كان الجسر بعيداً،

كم كانت القرى واسعة

وكانت عائشة جميلة

وشجرة التّوت عالية.

 

 

54

 

 

على شاطئ اللاذقية

اشتقت لحيفا

وفي القدس..

افتقدت دمشق.

 

 

55

 

 

سبحانكَ

رأيتُكَ

وكنتُ في الرابعة

رأيتُكَ

ترنو إليَّ من بين الأغصان.

سبحانكَ

لم أعد أراك.

 

 

 

 

 

 

56

 

عند الجسر

هدأت العاصفة

وأخذ القلب يعوي.

 

 

57

 

 

كان صديقي يحب الحياة

وكان الموت يحب صديقي.

 

 

58

 

 

أنا وأنت

غريبان

في وطن كان لنا.

 

 

59

 

 

في الليلة الماطرة

كنت معي

باردةً وغامضة

كالنار في أعالي الجبال.

عند أول الصحراء

كنا معاً

وكنت بيضاء وشجية

كمدينة على شاطئ المتوسط..

وحين هبّت العاصفة

كنت صامتة ومثيرة

كالدروب التي

تعبر البساتين إلى الدير.

 

 

60

 

 

فتحتٌُ النافذة

لأرى الشمس

فرأيتُ جاري

يفتح النافذة

ليرى المطر.

 

 

61

 

 

بإمكانك الآن

أن تقول: لا

من حجرتك الصغيرة

وأمانيك الواسعة

بإمكانك الآن

أن ترنو من بين القضبان

إلى عالمنا الواسع

وأحلامنا المنطفئة..

بامكانك الآن

أن تسيّر مراكبنا ومراكبك

يا سيّد المدى،

وتهزأ بنياشيننا الكالحة.

بإمكانك الآن

أن تنتصر،

لأننا ناتيك

في قلوبنا الأسى

وفي أيدينا الزهر كله.

 

 

62

 

 

تعطش القرى

على ضفاف الفرات.

 

 

63

 

 

لم أجد في الألياذة

إلاّ عدو آخيل

ووجه هيلانة المشرق،

لم أجد في حلب

إلاّ الزقاق الطويل

بين الحديقة والمتحف..

ولم اجد في وطني

إلاّ حنيني المنطفئ.

 

 

64

 

 

لا سلوى في هذه الظهيرة المالحة

سوى نيّتي في الاحتفال

بمرور ست سنوات

وثلاثة أشهر

وخمسة أيام

على أولى قبلاتنا.

 

 

 

 

 

 

65

 

 

الصبّار روحي

والندى

في يديك.

 

 

66

 

 

ينهشك اليقين

فلتجأ إلى قلقي.

 

 

67

 

 

تأكل الأرض

خبزي

ويشرب الغيم

مائي.

 

 

68

 

 

كلما اقتربنا

من الماء

وجدناه سرابا

كلما عانقتني أكثر

ازددتُ اغترابا.

 

 

 

69

 

 

عند قبلتنا الأولى

أراك تذهبين

وأراني وحيدا..

 

 

70

 

 

الأنهار تمضي إلى البحر

ونهر حبّي.....

 إلى الرمال.

 

 

71

 

 

حنيني الأول إلى الوادي

حزني الأول على موت محمود

حبي االأول ليلى

وصلاتي الأولى للمطر.

دهشتي الأولى بحر اللاذقية

غربتي الأولى ليل دمشق

قبلتي الولى بطعم التفاح

وخوفي الأول من ظلال الدالية.

 

 

 

 

 

 

 

 

72

 

 

هذه الحالات

كتبتها على مدى عشرين عاماً.

في الصباح وفي المساء،

 ظهراً وعند منتصف الليل.

كتبتها عند المسرّات المتفتّحة

في احتفالاتنا السرّية على العشب

وبين جدران وحدتي،

 للبطولة التي تشفق على ابطالها

وللانتصار المهزوم في الخطوة التالية.

كتبتها في دمشق، في صوفيا ورام الله

لابتسامة المرأة من برج الجوزاء

وعن الرجال الذين يجهلون تواريخ ميلادهم

لقمر أريحا القريب

 وسماء الله التي تبتعد عن ابتهالاتي

لأحزان كاترين... وضفائر مريم.

للموت

وللحياة- صيغته المؤقتة

 

 

73

 

 

يقتلني هابيل

في " بيت إيل"،

وتدعوني مريم

إلى عرسها

في الجليل.

 

 

 

 

 

74

 

 

حين تعانقني

أشمّ في عبيرك

رائحة سفري

إلى مساء

ستلتهمه الحرائق.

 

 

75

 

 

كان قادماً من موته

وكان ذاهباً إلى موته

حين أتاني

مسربلا بالصمت.

 

 

76

 

 

الوليد يبكي

و الجماجم تضحك.

 

 

77

 

 

أريد،

أريد ان أكون،

 أريد أن اكونك..

في حياتنا التالية.

 

 

78

 

 

ظلالك نور.

 

 

      79

 

 

تعطيني اكثر مما أريد

وحين تعطيني ما اردت

أجده قليلاً.

 

 

     80

 

 

أنهض،

أزيح الستائر عن وجه النهار،

استحمّ،

اتناول قهوتي

أرتب ما يلزمني لبرنامج اليوم،

اهندس أناقتي،

اطُرِق قليلا عند النافذة،

اخلع ملابسي

وانام.

 

      81              

 

بلا قلب

اتنقّل بين قلبين

وبقلب طافح بالغيرة

اتنقل بين حجرتين.

 

 

      

     82

 

 

حين تأتين

يأخذني الفرح إلى حديقته

حيث الأصفر والأزرق والأحمر

وحين تذهبين

تدفعني الحكمة

إلى دروبها الرمادية.

 

 

     83  

 

 

انا سيّد الصمت والكلام

في الصباح

ومغلوبكِ

في المساء.

 

 

    84

 

 

شربتُ النبيذ

ليقود خطوتي

إلى بابك.

 

 

 

 

 

 

 

 

85

 

 

على الرابية

التي جفّت اعشابها،

في ضوء القمر

الّلاهي بين سحابتين

أسمع أغانيك

وهي تنبعث من التراب.

 

 

86

 

 

جسدك

زهرة تفَتذتها الريح

جسدك غابة تتجدد

بفؤوس الحطابين.

 

 

87

 

 

سنوات كثيرة مرّت با غانيا

دون أن نلتقي

جفّت أنهار واندلعت حرائق

ومات لنا أصدقاء كثر

في الوقت الذي لم تلتق فيه.

كنتِ أجمل فتيات بانياس-

المدينة الصغيرة الهادئة

على شاطئ المتوسط.

شاخت الدنيا وترهلت الحياة

وتلوّثت مياه البحار

صارت بانياس كبيرة وصاخبة

وارتسمت على وجهي أخاديد

أصبح صمتي يثير أصدقائي

ونظراتي تخيف المرايا بحزنها وحكمتها

ولا زلتِ يا غانيا صغيرة وجميلة

ترسمين على رمل الشاطئ

أزهار عودتي.

 

 

88

 

 

تتلوى..

كالديدان

حين تنهش جسدي

في غرفة القبر

كتضاريسك

حين ترتعش على جسدي

في غرفة السهر.

 

 

 

 

 

 

         

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                  

                  

       88

 

      خالد درويش

  

 

 

 

 

  

 

 

          

 

 

 1        

  

كل شيء ينام معي

تحت شجرة الكستناء:

الرغبة في الرقص و الكلام

و الخوف من القطيعة

ترددي في البوح

و اندفاعي للعناق،

الريح و الحجارة

و صدى الانهيار.

 

                

 

حين تنام الشرفات

تتفتح وردتي:

اسوار المدرسة البعيدة،

رسائل عزلتي و رائحة البيادر.

حقول المارغريت…حقول بلا نهاية،

اياب الكرديات من النهر بالزهر و الاغاني

و رائحة الأرض المحروثة توا.

حين تنام الشرفات

تتفتح وردتي:

اصابعي الملوثة بالحبر

و هدايا وداد،

غناء ليزا في الممر

و بكاء سامي عند الفجر.

حين تنام الشرفات

اشّم رائحة البطولة

في بيانات اوّل الثورة

فأنشد السكينة في كلماتك الحانية.

 

 

               

 

 

            3

 

 

لأجلك،

لأجلك انت تتسكّع يقظتي

في حديقة المساء..

افق من عنب لآخر النهار،

كركرة الماء لقهوة اخرى

و رحيق الجسد الذي

سيبتعد بعد قليل.

 

 

       4

 

 

هاك الجبل،

هاك الجبل كلّه بين يديك

بدروبه الصامتة

و سفوحه المشتعلة بالأريج.

هاك الجبل

بحكمته العالية

و منحدراته التغري بالانفلات.

 

 

           5

              

 

الزهرة الذابلة على الرصي

تشبه قلبي الذي هلكته الغيرة،

العصفور الذي يرتعش على الغصن

يحاكي روحي التي تتفتت لغيابك،

و هذا الناي الذي يعوي في الليل

هو ندائي الأخير:

لا تتركيني!

 

 

       6

 

 

انظر اليك

فأرتعد-

لقد تغيرت كثيرا.

 

 

      7

 

 

في حديقة الريح

تلتقي أصابعنا

فيما نمشي صوب المدى

الذي سينكسر عمّا قريب

عن ضحكة كبيرة.

في حديقة الريح

تتفتّح الجداول

مثل قهقهات في مساء العزاء

في حديقة الريح

تتألّق أقمار سذاجتك

فيتردّد نحل قلبي وجلا

أمام عسلك الطّاغي.

في حديقة الريح

تتباعد اصابعنا كوميض موجع

قيما نمشي صوب المدى

الذي سينكسر عمّا قريب

عن غصّة كبيرة.

 

 

 

 

 

           8

 

 

وصل الّذين نحبّهم الى الميناء

ينتظرون عودتنا

وصل الّذين نحبّهم / حفاة كالريح

و قلوبهم طافحة بالمودّة.

وصلت الأرض كلّها الى الميناء:

المدينة و الريف و المخيّم،

الدروب و رائحة التين،

صبايا النشيد و هسهسة الغدران

الرعاة و صمت الشبابيك عند الفجر

اغفاءة الشهداء ورائحة الطابون

الرايات و بحّة الناي،

و كلّ شيء و كلّ شيء..

ووصل حنيننا الى الميناء

قبل ان نصل

وصل حنيننا

و لم نصل.

 

 

       9

 

 

أتسلّق البحر

كيّ لا تبلّلني

كلماتك الجارحة.

 

 

 

 

 

 

 

 

     10

 

 

ليلا

أحلم بامرأة اسمها ايفا،

ليلا

يحلم صديقي بامرأة اسمها ايفا

فأغار.

صباحا

أتسلّق صليبي كيّ أعانق الّله،

صباحا

تتسلّق ايفا صليبها كيّ تعانق الّله

فأغار.

 

 

      11

 

 

على طرف المساء

لم يكن لي صمتك

حدّثتك عن الليل

فتوهّجت في المدى

غابة بألوان قزح.

وحين التقت شفاهنا

سمعت أنين قلبي/

صدى طفولتي البائسة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

       12

 

 

عند الفجر

على الشرفة الثالثة للمنزل الأخير

تحت الدالية

التي يسيل عبر أغصانها شاي القمر

الى الزوايا الصامتة،

بين "لا" غرورك

و "نعم" رغبتي

كنت تتألقين

كبحيرة في الطريق الى الصحراء

و كنت أذوي

كصهيل مذبوح.

 

 

      13

 

 

غصّتي تذوب

حين يمضي الساهرون

و تبقين معي.

 

 

       14

 

 

أرى فيك حتفي

و أحثّ خطاي اليك...

 

 

       15

 

آن للأبيض المتوسط

أن يتخطّى حدود الرمال.

 

       16

 

 

سئمت الحديث في الموت و الحريّة

سأصف ضفائرك

المبللة بمطر اكتوبر الدافئ.

سئمت المرايا

و عزلتي المتعالية

سأغرق في مديح أصابعك

و هي تلهو بيباس قلبي.

 

 

        17

 

تجيئين

كلّما أمضي.

 

        18

 

ليت لي قلبك

لأرى القمر،

ليت لي حكمتك

لأقفز من الشرفة العالية.

 

     

       19    

 

في ساحة الحريّة

في الرابعة و النصف

من بعد ظهر الخميس

لا أحد في انتظاري.

 

 

 

       20

 

التقيك في أول الدرب

التي تعبر البساتين الى النهر

أحدّثك عن المغنّي

الذي فجّر نايه ماء الحنين،

عن صديقي

الذي اغتاله الجند

في أزقة الظهيرة،

عن امي

في رقصة الشوق الى البرتقال

وعن أولاد المخيم

وهم يغسلون ضجر النهار

بماء المطر.

ألتقيك في أول الدرب...

و في أول الدرب

تعودين الى مراياك.

 

 

      21

 

 

تعال يا حبيبي

لنسكب الماء في آنية القلب

أو

حرّرني من شذاك

لأعطيك أزهاري.

 

 

 

 

 

 

 

 

        22

 

  

في الصباح

على الرمل المبلل

عند عتبات تمّوز

المشتعل بالشهوة و الحكايا

كنت ترتعين

مثل عصفورة في الربيع.

في المساء

تكسّرت الأغاني على شفتيك

و ذوت اصابعك في كفي

و لم يبق على المل المبلل

سوى الريح

و ظلّينا الغارقين في العناق.

 

 

        23

 

 

المرايا محطّمة

فكيف تسرّحين

 شعرك الأسود الطويل؟

الناس على الشرفات

فكيف اردّ على ابتسامتك؟

الريح في كلّ الاتجاهات

فكيف اسيّر مراكبي؟

 

 

 

 

 

 

 

  

        24

 

 

ها قد دنا الصيف

و حان الوقت للخروج

الى البساتين

انت على النافذة

و انا على النافذة؛

هيّا نتعاهد:

انت على رقّتك

و انا على خنجري.

 

 

        25

 

 

احب من الألوان

الأزرق و البني...

انه البحر و التراب،

الماء و النخيل

انها حياتنا

حياتنا التي بدأت بالأغاني و القبل،

بالأمل و المواعيد

انها حياتنا

التي تمضي الى الجحيم.

 

 

        26

 

 

أرى في رسائل الأصدقاء،

حين أعود اليها

مراثي

لوقت ضاع.

 

        27

 

 

ليس في احتفالات الصباح ما يدهش

الحدائق يهجرها باعة الكستناء و الأطفال

يحتلّها المقامرون و الحرّاس.

و أنت يا سماء

في ايّ جهة احرقت مراكب السحاب؟

حديقة المسجد اندثرت،

البيوت القرميدية الضيقة

صارت شواهق من الحديد و الزجاج

و مجالس النميمة عند مداخل الأزقّة

امست ملاذات للعزلة و الفراغ.

و انت يا سماء

لم احرقت كلّ مراكب السحاب؟

 

 

        28

 

 

لا فضاء في هذا الفضاء

لا أصدقاء

فماذا نفعل يوم الأحد!

 

 

      29

 

 

هناك،

عند نهاية العالم

حيث تتعرّى الأزهار من خوفها

و يلقي الأطفال زوارقهم الورقية

في مياه الغدير

هناك،

حيث يتخطّى النهر ضفافه،

و يرى الذئب قبّرة في مرايا الجداول...

الامس اصابعك

فبلادا تصير الحجارة،

الفصول مواعيد

و الأصدقاء مرايا.

 

 

      30

 

 

صورتي في زجاج القطار

نهر يمدّيديه

للولد الذي كنت.

 

      31

 

من شرفتي

أرى القدس ليلا:

طرقات تنتهي في الطريق اليّ،

ابتهالات

في ذكرى الدم العالي،

اماني تتكسّر

و أجراس صامتة.

هنا الجنود

و هناك رائحة الياسمين؛

هنا قلقي

و هناك طيور اليقين.

من شرفتي

أرى القدس ليلا

و أرى ابي

الذي تعرّى

من تويجات لهفته

ورقة ورقة

في دروب انتظاره..

و مات.

 

             32

 

ها أنت تغني وحيدا

في السهل الأخضر الفسيح

و في الممرات الباردة،على ضفاف النار

و عند الجثة التي جفّ دمها.

ها أنت تغني وحيدا

و تنتظر الملائكة.

 

 

       33

 

 

كانت الشمس تشرق

حين ربطوه الى جذع سنديانة.

أطفأوا أغانيه،

قصّوا جدائله

و قتلوه....

لأنه،ببساطة

لم يكن يشبههم.

 

 

     34

 

 

الهي

ها أنت تخيّرني:

عبوديّة الصخر

أو فوضى الريح!

 

 

 

 

 

     35

 

 

ليلا

يأتيني الولد الذي كنت

على كفّه المخيم/

زهرة توشك على الانفجار.

ليلا

تأتيني عصافير الجنّة

كيّ تلتهم روحي.

 

 

      36

 

 

و التي أحبها

ليست الأرض

انها جسد يبحث عن سماوات.

 اسمها ايفا

و تشبه أمي.

ماذا أقول لك أيضا،

يا صديقي...

هل ترغب في المزيد من القهوة؟

 

       37

 

خذلته المواعيد،

ضاقت به الأقاليم-

لا قم في السماء،

لا أطفال في الحديقة

و لا امرأة في دروب الاياب...

و حين هوى من الشرفة العالية

الى عتمة الصخر

لم يكن ثمّة موت

و كانت الحياة تذوي.

 

       38

 

 

وحيدا أمضي

و وحيدا أنام.

وحيدا ألعق ظلّي

على شجرة الليمون

أتكئ على جدار ليس لي،

أمدح عزلة الصبّار

و أشتهي الماء و الناس و الأرصفة.

وحيدا أقرأ رسائل صديق مات

و وحيدا أموت.

 

 

        39

 

 

قلبي في الظهيرة

لبكاء الطفل

الذي سقط دفتره على الوحل،

قلبي في المساء للأغاني؛

أغاني الريفيّات يهبطن السفح

بجرار الزبيب و أزهار النرجس،

قلبي في الليل

لأنين المحارب القديم

في البيت المجاور،

قلبي في الصباح

لظهورك في أعالي الطريق

بابتسامتك البيضاء

و قميصك الأخضر...

و قلبي دائما

مجرّد 300 غرام من اللحم و الدم.

 

 

        40

 

 

صغيرا

أرفع يدي لأقطف الوردة

و كبيرا

أنحني لأيجها.

صغيا

أضيع في المدينة

و كبيرا

تضيع المدينة فيّ.

صغيرا

أفتح عينيّ على الحياة

و كبيرا-

على الموت.

 

 

       41

 

 

تهرب من مراياي

الى الحليب-

سيرتك الأولى..

و تهرب من كستنائي

الى نرجسك العالي.

 

 

42

 

 

هذا المساء،

هذا المساء فقط

أستطيع السيطرة على العالم.

هذا المساء

أشعر بالريح

وهي تمرّ بين أصابعي

إلى الجبال

مشبعة بالحنين والشهوة-

برائحتك.

هذا المساء،

هذا المساء فقط

يسهل عليّ أن أقول:

أحبك!

 

 

43

 

 

قلبي يرتعش

أصابعك تنحس.

قلبك يرتعش

أصابعي تنحسر.

 

 

44

 

 

بالأمس كانوا هناك

على مشارف أورشليم

رأيتهم-

كانوا بين الحشد وظلال الزيتون

بين الابتهالات واستغاثات الخطى/ خطانا

من الصخرة إلى سماءٍ أخرى.

بالأمس كانوا هناك، وكانوا يهتفون

قال الأول:

إلى أورشليم!

قال الثاني:

إلى أورشليم!

قال الثالث:

إلى اورشليم!

في المساء

لم يكن هناك

غير الصمت

ورائحة الدم..

وأورشليم.

 

 

45

 

 

الظلال

و الضجر

وثلاث وردات ذابلة على الأسفلت.

هذا كلّ ما تركه

موكب الأمير

الذي مرّ صباح اليوم.

 

 

46

 

 

في الشارع والساحات

في الأزقة والحقول

يركض الناس

جنازات واعياد

مواعيد عند الجسر

وأخرى للريح

أسوار عالية

و قلق مزمن...

كأننا نعيش أبدا.

وجبل متجهم و صامت

 كأنّه

يموت غدا.

 

 

 

 

 

47

 

 

- بم تفكر؟

- بك،

بصمتك في مرايا حيرتي!

 

 

48

 

 

تدخلين المدينة

بدموعك البيضاء

وازهارك الضاحكة.

غضبهم ينكسر

ونيرانهم تنطفئ

حين تدخلين المدينة

بحكمتك العارية

وحنين لا يذوي

وتنتصرين.

 

 

49

 

 

حين تنتهي البيوت

تطلّ أسوار الدير

وحين ينتهي الكلام

تطلّ الرؤى.

 

 

 

 

50

 

 

أخرجي بهدوء

كي لا ينتبه الفراغ

الذي ينتظرني وراء الباب.

 

 

51

 

 

الساعة الأخيرة

من اليوم الأخير-

مساء بارد

وكلام كثير على ضفّة الصمت.

***

اقتربي مني

قليلاً..

سأعترف :

بدّدت النرجس كله

من أجلك.

***

الساعة الأخيرة

من اليوم الأخير-

مساء حامض

وصمت كثير.

 

 

52

 

كان يومي كأمسي

صار يومي

كغدي.

 

 

53

 

 

كم كان الجسر بعيداً،

كم كانت القرى واسعة

وكانت عائشة جميلة

وشجرة التّوت عالية.

 

 

54

 

 

على شاطئ اللاذقية

اشتقت لحيفا

وفي القدس..

افتقدت دمشق.

 

 

55

 

 

سبحانكَ

رأيتُكَ

وكنتُ في الرابعة

رأيتُكَ

ترنو إليَّ من بين الأغصان.

سبحانكَ

لم أعد أراك.

 

 

 

 

 

 

56

 

عند الجسر

هدأت العاصفة

وأخذ القلب يعوي.

 

 

57

 

 

كان صديقي يحب الحياة

وكان الموت يحب صديقي.

 

 

58

 

 

أنا وأنت

غريبان

في وطن كان لنا.

 

 

59

 

 

في الليلة الماطرة

كنت معي

باردةً وغامضة

كالنار في أعالي الجبال.

عند أول الصحراء

كنا معاً

وكنت بيضاء وشجية

كمدينة على شاطئ المتوسط..

وحين هبّت العاصفة

كنت صامتة ومثيرة

كالدروب التي

تعبر البساتين إلى الدير.

 

 

60

 

 

فتحتٌُ النافذة

لأرى الشمس

فرأيتُ جاري

يفتح النافذة

ليرى المطر.

 

 

61

 

 

بإمكانك الآن

أن تقول: لا

من حجرتك الصغيرة

وأمانيك الواسعة

بإمكانك الآن

أن ترنو من بين القضبان

إلى عالمنا الواسع

وأحلامنا المنطفئة..

بامكانك الآن

أن تسيّر مراكبنا ومراكبك

يا سيّد المدى،

وتهزأ بنياشيننا الكالحة.

بإمكانك الآن

أن تنتصر،

لأننا ناتيك

في قلوبنا الأسى

وفي أيدينا الزهر كله.

 

 

62

 

 

تعطش القرى

على ضفاف الفرات.

 

 

63

 

 

لم أجد في الألياذة

إلاّ عدو آخيل

ووجه هيلانة المشرق،

لم أجد في حلب

إلاّ الزقاق الطويل

بين الحديقة والمتحف..

ولم اجد في وطني

إلاّ حنيني المنطفئ.

 

 

64

 

 

لا سلوى في هذه الظهيرة المالحة

سوى نيّتي في الاحتفال

بمرور ست سنوات

وثلاثة أشهر

وخمسة أيام

على أولى قبلاتنا.

 

 

 

 

 

 

65

 

 

الصبّار روحي

والندى

في يديك.

 

 

66

 

 

ينهشك اليقين

فلتجأ إلى قلقي.

 

 

67

 

 

تأكل الأرض

خبزي

ويشرب الغيم

مائي.

 

 

68

 

 

كلما اقتربنا

من الماء

وجدناه سرابا

كلما عانقتني أكثر

ازددتُ اغترابا.

 

 

 

69

 

 

عند قبلتنا الأولى

أراك تذهبين

وأراني وحيدا..

 

 

70

 

 

الأنهار تمضي إلى البحر

ونهر حبّي.....

 إلى الرمال.

 

 

71

 

 

حنيني الأول إلى الوادي

حزني الأول على موت محمود

حبي االأول ليلى

وصلاتي الأولى للمطر.

دهشتي الأولى بحر اللاذقية

غربتي الأولى ليل دمشق

قبلتي الولى بطعم التفاح

وخوفي الأول من ظلال الدالية.

 

 

 

 

 

 

 

 

72

 

 

هذه الحالات

كتبتها على مدى عشرين عاماً.

في الصباح وفي المساء،

 ظهراً وعند منتصف الليل.

كتبتها عند المسرّات المتفتّحة

في احتفالاتنا السرّية على العشب

وبين جدران وحدتي،

 للبطولة التي تشفق على ابطالها

وللانتصار المهزوم في الخطوة التالية.

كتبتها في دمشق، في صوفيا ورام الله

لابتسامة المرأة من برج الجوزاء

وعن الرجال الذين يجهلون تواريخ ميلادهم

لقمر أريحا القريب

 وسماء الله التي تبتعد عن ابتهالاتي

لأحزان كاترين... وضفائر مريم.

للموت

وللحياة- صيغته المؤقتة

 

 

73

 

 

يقتلني هابيل

في " بيت إيل"،

وتدعوني مريم

إلى عرسها

في الجليل.

 

 

 

 

 

74

 

 

حين تعانقني

أشمّ في عبيرك

رائحة سفري

إلى مساء

ستلتهمه الحرائق.

 

 

75

 

 

كان قادماً من موته

وكان ذاهباً إلى موته

حين أتاني

مسربلا بالصمت.

 

 

76

 

 

الوليد يبكي

و الجماجم تضحك.

 

 

77

 

 

أريد،

أريد ان أكون،

 أريد أن اكونك..

في حياتنا التالية.

 

 

78

 

 

ظلالك نور.

 

 

      79

 

 

تعطيني اكثر مما أريد

وحين تعطيني ما اردت

أجده قليلاً.

 

 

     80

 

 

أنهض،

أزيح الستائر عن وجه النهار،

استحمّ،

اتناول قهوتي

أرتب ما يلزمني لبرنامج اليوم،

اهندس أناقتي،

اطُرِق قليلا عند النافذة،

اخلع ملابسي

وانام.

 

      81              

 

بلا قلب

اتنقّل بين قلبين

وبقلب طافح بالغيرة

اتنقل بين حجرتين.

 

 

      

     82

 

 

حين تأتين

يأخذني الفرح إلى حديقته

حيث الأصفر والأزرق والأحمر

وحين تذهبين

تدفعني الحكمة

إلى دروبها الرمادية.

 

 

     83  

 

 

انا سيّد الصمت والكلام

في الصباح

ومغلوبكِ

في المساء.

 

 

    84

 

 

شربتُ النبيذ

ليقود خطوتي

إلى بابك.

 

 

 

 

 

 

 

 

85

 

 

على الرابية

التي جفّت اعشابها،

في ضوء القمر

الّلاهي بين سحابتين

أسمع أغانيك

وهي تنبعث من التراب.

 

 

86

 

 

جسدك

زهرة تفَتذتها الريح

جسدك غابة تتجدد

بفؤوس الحطابين.

 

 

87

 

 

سنوات كثيرة مرّت با غانيا

دون أن نلتقي

جفّت أنهار واندلعت حرائق

ومات لنا أصدقاء كثر

في الوقت الذي لم تلتق فيه.

كنتِ أجمل فتيات بانياس-

المدينة الصغيرة الهادئة

على شاطئ المتوسط.

شاخت الدنيا وترهلت الحياة

وتلوّثت مياه البحار

صارت بانياس كبيرة وصاخبة

وارتسمت على وجهي أخاديد

أصبح صمتي يثير أصدقائي

ونظراتي تخيف المرايا بحزنها وحكمتها

ولا زلتِ يا غانيا صغيرة وجميلة

ترسمين على رمل الشاطئ

أزهار عودتي.

 

 

88

 

 

تتلوى..

كالديدان

حين تنهش جسدي

في غرفة القبر

كتضاريسك

حين ترتعش على جسدي

في غرفة السهر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1