الأنا والآخر في كتابة المرأة
زهور كرام
تشكل علاقة الأنا بالآخر أهم مظاهر الوعي بعملية الانتقال الحضاري في المجتمعات. ذلك لأن طبيعة هذه العلاقة تحدد شروط الوعي،وكذا شكل حضور مفهوم الآخر في تجربة الوعي بالذات. وتشتغل هذه العلاقة كلما تعلق الأمر بعملية بناء مشروع حضاري يساير واقع التطورات الحضارية.
شكلت علاقة الأنا بالآخر محور التفكير في مشروع النهضة العربية، بفعل اكتشاف خلل الذات العربية أمام تقدم الآخر ( الغرب الأوروبي ). وأنتج التفكير النهضوي في هذه الثنائية كتابات ودراسات وأطروحات، سعت إلى البحث في طبيعة هذه الثنائية والعمل على وصفها ، وهو فعل شخص -زمن سؤال النهضة- طبيعة الفكر العربي وشكل إنتاجه للمفاهيم.
ولا شك أن إعادة قراءة بعض هذه الكتابات التي طرحت ثنائية الأنا و الآخر، يعد شكلا من أشكال قراءة ملامح الوعي العربي ورصد مظاهره.
وهي قراءة لا تقترح علينا فقط طبيعة الوعي المنتج، بقدر ما تجعلنا نقارب أدوات التفكير ومنهجية التعامل مع المفاهيم، وطريقة بناء الخطاب.
ولعلها عودة أيضا، إلى صوت قلما تم استحضاره في عملية تفكيك منظومة الفكر العربي، وهو صوت المرأة العربية التي أنتجت خطابات زمن سؤال النهضة العربية، وعبرت عن قضايا عديدة أبدت من خلالها عن وجهة نظرها. ونحن بفعلنا هذا،إنما نخلخل رتابة الذاكرة الجماعية التي اعتادت المرأة موضوعا للمعرفة أكثر من منتجة لها.
المرأة والآخر
وثقت الأديبة السورية /المصرية زينب فواز العاملي في أنطلوجيتها " الدر المنثور في طبقات ربات الخدور"* الذي نشرته سنة1895، إلى جانب تاريخ نساء أبدعن في الكلمة والحكمة، في الشعر والنثر، في الفلسفة والمنطق، مجموعة من المقالات لكاتبات عصرها، إيمانا منها بضرورة صيانة تعبير المرأة العربية من الضياع التاريخي. ومن بين هذه الكتابات مقالة للكاتبة سارة نوفل تحت عنوان " الصحة أفضل من المودة" ** وذلك ضمن حديثها عن العلاقة مع الغرب وشكل التعامل مع الآخر.
تبدأ مقالتها بالتالي: " هرعت نساء الغرب إلى دائرة التفنن بأنواع البهارج وأساليب الزخارف وأخذن بمناظرة بعضهن في اختراع الأزياء والتلاعب في صورها وأشكالها تباهيا وافتخارا" ( ص 14 ). " ولما كانت هذه الأزياء بعيدة عنا غريبة منا كانت نساؤنا وبناتهن قانعات بما ورثنه من التقاليد والعوائد سواء كانت صحيحة المبنى أو سقيمة المبدأ راضيات بما يختاره رجالهن وآباؤهن من الأزياء وأشكالها والأثواب وألوانها وكن بحالتهن هذه ممتعات بتمام الرفاهية والهناء وكمال الصحة والصفاء" ( ص 14 ) .
تشخص الكاتبة وضعية المرأة في علاقتها باللباس والزي، قبل دخول الأجانب والاحتكاك بالغرب . بل الأكثر من هذا، فإن المرأة العربية كانت ترتدي اللباس حسب اختيار الزوج والأب، وكانت راضية. وفي هذا القول مؤشر على وضعية المرأة قبل دخول الغربيين خاصة الفرنسيين إلى العالم العربي ، وهي وضعية لا تملك فيها المرأة قرار الاختيار حتى فيما يتعلق بلباسها. والمرأة بهذا السلوك الاستهلاكي، تفقد حرية الاختيار غير أن هذا الوضع سيتغير مع دخول الغرب إلى الحياة العربية العامة " لم تلبث أن تقدمت نحونا تلك المناظرة بخيلها ورجلها ودخلت بلادنا ضيفا غير محتشم واستمالت قلوب النساء والبنات إلى الأخذ بناصرها فتغيرت الحالة الأولى بضدها واستحالت عوائدنا القديمة إلى عكسها وارتفع علم المودة ( أي الزي الجديد ) في ربوعنا حتى راجت بضاعته ونال من أفئدتنا بغيته وما كان رافعه إلا بعض اللواتي أغمضن الجفن عما يتخلل هذه من الأضرار بالصحة العمومية ." ( ص 14-15 ).
نسجل في هذا المقطع أن دخول المرأة الغربية إلى العالم العربي، أدى إلى إحداث متغيرات على مستوى سلوك المرأة العربية. وهذا ما تعرض إليه رفاعة رافع الطهطاوي في كتابه " الإبريز في تلخيص باريز" حين كتب عن ملاحظاته عن سلوكات المرأة الفرنسية، ومدى تأثيرها في المناخ العربي.في كتابة سارة نوفل لا نجد رفضا للغرب كقيمة حضارية ، أو إنتاج رد فعل سلبي اتجاه هذا الوضع، إنما نلتقي بإنتاج قراءة تحليلية لعلاقة الأنا بالآخر، فيما يخص شكل التعامل وطريقة التمثل.
إنها لا ترفض الغرب كغرب وإنما ترفض مبدأ الأخذ بطريقة استهلاكية، دون تمثل المنتوج الغربي في أبعاده العلمية والسياقية . إن الرفض عند الكاتبة يشمل ما يمكن أن تخلفه عملية التأثير الاستهلاكي للغرب من خلل في سلامة الصحة. ولهذا فهي تركز على الأبعاد المرضية التي يمكن أن تنتج عن الموضة الغربية.
" ومن البديهي المقرر في الأذهان أن الأثواب الضيقة جدا هي وحدها عثرة للدورة الدموية في جسم لابسها ومتى اختل نظام هذه الدورة الطبيعي كان الجسم معرضا لكثرة من الأمراض فكيف لو شدت النساء خصورهن بمشد موسوم بلغة الإفرنج (بكورسيه ) أو ( بوسطوري ) حبال متينة وأضلاع حديدية لا يقوى على احتمال قوتها الضاغطة جسم أو ضممن أرجلهن وأصابعهن بأحذية لا نقدر أن نفيها حق التشبيه إلا بقولنا بالأحذية الصينية صغرا وقالبا حتى لا يستطعن بعد ذلك أن يأكلن بلذة أو يمشن مستقيمات بحرية بل نرى الواحدة منا مع هذه المضايقة وذاك الأسر ممسكة بأذيال هذه العادة الوخيمة صاغرة لأحكامها الصارمة قائمة بأمرها إلى ماشاء الله " ( ص 15 ) .
نلمس تدرجا في الأفكار، وفي الحديث عن الموضة وعلاقتها بالجسم وما تحدثه من انعكاسات سلبية على صحة المرأة. وهو تدرج علمي إقناعي تريد الكاتبة من ورائه إيصال فكرة أن هذا الوضع الذي تصبح عليه المرأة حين ترتدي هذا اللباس، وفق مبدأ الموضة وبدون تمثل أو فهم علمي، فإنها تصبح أسيرة وتفقد حريتها. " المشد الحديدي الذي يستلزمه المودة لضم أضلاع الصدر وترفيع دائرة الخصر إلى حد لا تطيقه المعدة والمعدة بيت الداء كما لا يخفى " ( ص 16 ) .
ما يثير الانتباه في كتابة سارة نوفل هو طريقة بناء القول عندها ، وهي طريقة تعتمد لغة التحليل العلمي للوصول إلى نتائج تصبح مبررة معرفيا وفق سياق تدرج الأفكار وترتيبها .
بالإضافة إلى الانعكاسات السلبية على صحة المرأة ، فإن المرأة باستهلاكها للموضة تسقط في التقليد والانصياع للآخر. تقول الكاتبة:
" أثواب الأزياء الجديدة الحاكمة علينا بالخضوع لإحكام التقليد واستبداده فضلا عما يلهيها من الإسراف والتبذير " ( ص 15 ) .
كما يحمل هذا الفعل التقليدي لسلوكيات الغرب الخراب للبلاد . تقول :
" .. المودة العائدة بخراب بلادنا والمنفعة لغيرها من البلاد التي تختلق لنا لزوم ما لا يلزم فنتهافت إلى ابتياعه ولا تهافت الجياع إلى القطاع حالة.." ( ص 16 ).
غير أن مطلبها في التخلي عن الموضة لكونها تسبب خللا في الصحة ، لا يجعلها ترفض الغرب كله، وإنما فقط الأشياء التي تؤدي إلى الخراب بدليل قولها : " فعلينا أن نترك التقاليد الإفرنجية ونتمسك بأحاسن العوائد التي يمكننا أن نقتطفها من مجموع عوائد الغربيين والشرقيين " ( ص 16).
ولهذا، فهي تتمنى لو يتم تقليد الفكر والعقل الغربيين : " وحبذا لو اقتدينا بعقائل نساء الإفرنج اللواتي لايملن إلا إلى الجد والصالح " ( ص 16 ). وتدعو النساء الشرقيات إلى الإقتداء بالغرب في النواحي الإيجابية: " وبناء على ذلك يجدر بنا نحن الشرقيات أن نقتبس من أديبات الأجانب وتقتدي بفاضلاتهن ولا نتجرع كأس الضرر ونحن على علم بأن السم في الدسم ويجب علينا أن نتحد من الآن فصاعدا على نبذ كل عادة مضرة بأجسامنا ومصالحنا ونعرف ما لنا من الحقوق وما علينا من الواجبات فهلم يا بنات سوريا الأديبات يا من سطعت بكن شموع ذوات الخدور فغنيتن بالضياء عن البدور إلى نشر هذه المبادئ في جرائد الوطن ولسان الحال لكي تصير علنا ونفوز بالأمنية ونستأصل من بين ظهرانينا آفة الإقتداء بغيرنا ممن لا يهمهم همنا ولا يسرهم وفاقنا والسلام " ( ص 16).
يعكس خطاب الكاتبة سارة نوفل مظهرا من مظاهر محاورة علاقة الأنا بالأخر، عبر مادة استهلاكية أكثر انتشارا بين صفوف النساء. وهو خطاب يشخص أيضا مرونة التعامل مع هذه الثنائية من خلال اعتماد طريقة منهجية وعلمية في تناول هذه القضية بعيدا عن البعد الإيديولوجي .
ولهذا، فإن إعادة تفكيك مثل هذه الخطابات، فيه اعتبار إلى الفكر النهضوي العربي من خلال كل أصواته المنتجة باعتباره فكرا راهن على مبادئ التمثل ومراعاة سياق الإنتاج ثم الاستقبال.
الهامش
*العاملي ( زينب بنت فواز ): الدر المنثور في طبقات ربات الخدور
الناشر دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان
** المودة : تعني الموضة
د زهور كرام
الروائية والناقدة المغربية