فقاعات على التلة الأكاديمية
حسن البطل


ولعت، مرة أخرى، في جامعة بيرزيت. العمادة هنا، والطلبة هناك. ماذا أفعل، كمواطن، بين نار مطالب الطلاب ورمضاء أسباب العمادة؟ ماء؟ رغوة.. أو ترطيب خواطر؟
كجامعي قديم، تخرّج قبل أن يرى كل "التلاميذ الكبار" وبعض الأساتذة النور، سأسوق هذه الواقعة: بعد نصف قرن، اصطحب زوج أميركي زوجته إلى جامعة أوروبية، وراح، في مقصف الجامعة، يحكي لها عن "مباراة العمر" بين فريقي الجامعتين بكرة السلة.. وكيف تعكّر الاحتفال الصاخب بالفوز، بضياع شوكة فضية بعد حفلة العشاء.
الطرفة: اقترب الغرسون الإنكليزي (وكان يصغي لحديث الزوجين الكهلين) وسأل بلطف إنكليزي: سير.. هل تعرف من سرق الشوكة الفضية؟
لك أن تفهم بأن "العلامة السوداء" في علاقة جامعتي اكسفورد وكامبريدج هي هذه الشوكة الضائعة، أو لك أن تفهم عليّ، عندما أحاول علاقة بين راديكالية جامعة "بيركلي" الأميركية، وراديكالية جامعة بيرزيت.. سوى أن انتفاضة "بيركلي" ضد حرب الفيتنام (وبعض التقاليد الأكاديمية، والثقافات المحافظة) ما لبثت أن هدأت.. بينما قيادة طلبة جامعة بيرزيت للانتفاضة الأولى، ولفورة التعليم الأكاديمي، وكذا لدمقرطة الحياة الأكاديمية، لم تهدأ.. بل صارت تقاليد فوضى.. وتسييساً فوضوياً، ومطالب فوضوية، بعضها كأنه يدفع نحو "مجانية" التعليم الجامعي، في ظرف زمان ومكان وإمكانيات غير ملائم.
ها أنا أميل، قليلاً، إلى صف عمادة الجامعة، وأستثير حزب الإضراب المطلبي، كما سبق واستثرت حزب التطرف الوطني الراديكالي، بعدما أخذت على الطلبة توديع ليونيل جوسبان بالحجارة المتطايرة.
لا بد من ماء، أو رغوة.. وهكذا، انتقل من طرفة الجامعتين العريقتين والشوكة الضائعة، إلى واقعة ذات مغزى: لم يعرف جندي المارينز كيف يفتح باب صندوق سيارة عسكرية أميركية قديمة، نقلتنا إلى ميناء بيروت.. فالمنفى. فقفز واحد منا، وقام بالمهمة. سأله جندي "المارينز": أين تعلمت الإنكليزية؟ قال: في الجامعة الأميركية ـ بيروت؟ قال الجندي: إذاً، أنت رجل عصابات، ولدى والدك مال كاف ليرسلك إلى جامعة محترمة. هل تعرف أنني احترفت الجندية، لأن لا مال كافياً لدى والدي.
يمكنكم تصديق أرقام ومعطيات الطلبة المضربين من ناحية الأقساط، أو تصديق عمادة الجامعة (مثلي)، غير أن أسلوب: تعلم الآن وادفع فيما بعد، لا ينجح في جامعاتنا. لا يجد الخريجون عملاً مكافئاً، أو يسافرون.. وتصبح الأقساط "ديوناً هالكة". هذه أكبر من شوكة فضية ضائعة. أليس كذلك.
أبلغني أحد الأخصائيين أن 53% من طلبة تكنولوجيا المعلومات في جامعة ما، من الإناث، ولكن 3% فقط يجدن عملاً، ومعظم الأخريات ينصرفن إلى الزيجات والخلفة. يمكن الفخر بنسبة الطلبة والطالبات، ويمكن السؤال عن "الهدر" في الموارد أيضاً.. أو عن الأقساط غير المستردة.
نصف طلبة جامعة بيرزيت يتلقون منحاً، والبعض قروضاً ومساعدات.. ومع هجمة هائلة على الجامعات، وتضخم مذهل (اللهم زد وبارك) في عديد الطلبة، لا بد من أزمات مالية، ولا بد من حل يرضي الحق بمقعد جامعي، وكلفة مقعد جامعي لا تقصم ظهر الجامعة.. دون البكاء على صدر الحبيب؟ عفواً: التذرع بـ "الظروف الراهنة"، مع أن كلفة علبة دخان يومية في سنة جامعية تعادل كلفة قسط مستحق على الطالب.
إدارات الجامعات تستحق اللوم أيضاً، لأنها (حين يفترض بها التخطيط بعيد المدى) لجأت إلى حلول مؤقتة (لحس المبرد)، قبلت تلبية التوسع في قبول الطلاب (ومن ثم زيادة المنح والمساعدات) وعجزت عن أبسط سياسات "لحافك على قدرك". لا أحد يفكر بـ "بطالة الخريجين"، أو قدرة الاقتصاد على استيعاب وامتصاص جيش من حملة الشهادات.. وبالتالي، تغدو بلادنا "مصدرة للأكاديميين" الذين شحذنا المنح والهبات والمساعدات لتعليمهم. هذا نزيف فعلي.
في الأفلام الأميركية، ترون عائلة متوسطة القدرات، تناقش مسألة أي ولد يمكن إرساله إلى الجامعة، وأي ولد عليه أن يخرج، مبكراً، لسوق العمل، أو دورة مهنية قصيرة.. ثم يستكمل دراسته الجامعية لاحقاً، طالما فكرة وأسلوب ومنهج "التعليم المستمر" معمول بها. وعندنا؟ من الثانوية إلى الجامعة.. فإلى شهادة على الحيط، وأما التعليم المستمر وتنمية الثقافة فأمور غائبة.
جامعة بيرزيت هي الأقدم والأعرق، ويفترض أنها اكتسبت تقاليد أكاديمية تهديها إلى جامعات "انتفخت" سريعاً، غير تقاليد الفوضى الراديكالية، وتطاول الطلبة على العمادة، وتشكيل بؤرة شغب أخرى، في مجتمع لا يشكو من كثرة بؤر الشغب، ومن ثقافة الاتكال على المساعدات الخارجية.



 

Hosted by www.Geocities.ws

1