أحمد دحبور
شهادة على العصر
أذكر الآن، مثلما يذكر أبناء جيلي في العالم أجمع، اننا لم نكن قد غادرنا مقاعد الدراسة الثانوية، عندما ورثنا عن آباء آبائنا، قصة استقبال الرئيس الامريكي ابراهام لنكولن للكاتبة السوداء هنرييت بيتشر ستاو، قائلا: استقبلك بوصفي رئيس الولايات المتحدة الامريكية، وبوصفك مؤلفة رواية "كوخ العم توم".. وكان ذلك يعني، على المستوى السياسي، بدء تاريخ تحرير العبيد في الغرب.. ففي مقدور الفن الصادق المشحون بلهب الابداع، ان يفعل ما لا تفعله المدفعية واسلحة الدمار..
تعود هذه الواقعة الى الذاكرة بعد مئات السنين، لينزلق مشهد تلفزيوني يوم امس الاول عن ابصار الملايين.. وهو ما يستحق المقارنة والتأمل.. فقد انتج الرسام الكولومبي فرناندو بوتيرو اثنين واربعين لوحا من الاعمال التشكيلية، سجل عليها باللون والتعبير مأساة سجن أبي غريب في العراق، حيث انقض السجانون الامريكيون المتوحشون، على المدنيين العراقيين الابرياء وانهالوا عليهم فتكا وهتكا وترويعا بين أنياب الكلاب الضارية ومخالبها المتعطشة للغوص في الجسد البشري. وأن يستجيب مبدع من امريكا اللاتينية للألم الانساني في المنطقة العربية، يعني ان البشرية لا تزال قادرة - مع ان ادارة بوش موجودة فيها - على ان تتعاطف وتتواشج وتؤكد ان ما يربط الانسان بالانسان اقوى من ظاهرة أبي غريب وغونتانامو وبوش ورامسفيلد. واذا كان الرئيس الأسبق لنكولن قد اهتز لكتاب ستاو الذي صور مأساة السود في امريكا، فان الرئيس المفقوع المهووس جورج بوش قد اهتز من رسوم فرناندو بوتيرو ولكن في اتجاه آخر. فهو لم يتعلم من الابداع الذي يسجل شهادة على العصر كما تعلم لنكولن من كتاب كوخ العم توم، بل راح يتعقب الرسوم ويطاردها ويتدخل لدى الغاليرهات والمتاحف لمنع تقديم هذه الاعمال الفنية الانسانية للجمهور. ولكن هيهات.. فالريح - كما قال شاعرنا محمود درويش - لا تجرحها ضربة سيف. وصيحة الفن، بما هي شهادة على العصر، لا يستطيع ان يعرقل عرضها حتى البنتاغون.. ورسوم فرناندو بوتيرو تطرق الآن أبواب الضمير الانساني، لا لما تتميز به من قوة خط ولون وتعبير وحسب، بل لما يمتد وراءها من وقائع تاريخية يقشعر لها البدن الانساني..
فقد رسم بوتيرو كلابا تنهش بشرا. ولكن ما كان لتلك الرسوم ان تسبب الرجفة للرأفة الانسانية، لو لم تكن وسائل الاعلام قد سبقت ونشرت اهوال ما يفعله وحش الاحتلال في أبي غريب ويضاعفه في غونتانامو..
والآن يتخبط الجنيور بوش، يضرب رأسه بجدار المكابرة ويصر على مواصلة جرائمه في العراق. لكن الصمود الاستثنائي للشعب العراقي العظيم قد كشف المخبوء، وتحول السر الى فضيحة. وحين يبحث الجنيور عن مخرج من مغطس الوخم الذي يغمره، يواصل الشعب العراقي تأييده للحياة ومطالبته بالحرية، فيما يواصل امثال فرناندو بوتيرو شهادتهم على العصر الذي نشهد له بمبدعين يقدسون الحياة، واولئك هم المنتصرون..