ميليشيات في الشوارع والثقافة، أيضا

حسن خضر

 

 

 

في مقابلة أجراها الشاعر حسن نجمي، رئيس اتحاد كتّاب المغرب، ونشرتها جريدة القدس العربي اللندنية (التاسع من نيسان الماضي) قال محمود درويش: "أنا أتعرّض لحملة قاسية جدا من أغلبية الشعراء الفلسطينيين. لا أشعر أن لدى مشكلة مع الشعراء العرب، ولكنني أتعرّض دائما لتشهير، وتكفير، وتخوين من أغلب شعرائنا الفلسطينيين".

في هذه الكلمات ألم لا يخفى على أحد. ولو كان للأمنيات الشخصية من مكانة خاصة، في هذا المقام، لتمنيت عليه ألا يتكلّم في هذا الموضوع. ففي مجرد الكلام عن موضوع كهذا ما يدخل السرور إلى قلوب هؤلاء، طالما أن أصواتهم سُمعت. ولعل فيه، أيضا، ما يحرضهم على طلب المزيد.

ورغم أن في الكلام عن هؤلاء ما يغوي باستعادة جمل تراثية عن قذف الأشجار العالية بالحجارة، جريا على عادة العرب في تعريف البلاغة بما قل ودل، إلا أن بلاغة كهذه، حتى وإن دلّت، تظل تقليدية تماما، وعاجزة عن تفسير ظاهرة تحتاج إلى ما هو أبعد من اختزال الشأن العام في احتمال سوء الفهم، أو شبهة الخلاف الشخصي. ناهيك، طبعا، عن الأحقاد الصغيرة.

ربما نتمكن من تفسير ظاهرة كهذه بطريقة أفضل، إذا وضعنا في الاعتبار حقيقة الأزمة التي يعيشها الفلسطينيون، والعالم العربي منذ سنوات. وهي أزمة غير مسبوقة، تجلت في النسق الفلسطيني في اختطاف القضية والشعب على يد عصابات مسلحة، كما تجلت في العالم العربي في صورة حروب أهلية علنية وشبه علنية.

ومن بين ما يصاحب الأزمات، في كل زمان ومكان، من علامات فارقة، فإن القيم الثقافية والاجتماعية هي أوّل ما يصبح عرضة للنقد والتشكيك. وليس ثمة ما يدعو للعجب، إذ أن الأزمة، في أحد معانيها الكثيرة، ثقافية، أيضا. ورغم أن عالم الممارسة الثقافية غالبا ما يُمارس الترفع، باعتباره أعلى مقاما من السياسة، إلا أن الممارسات الواقعية لا تختلف كثيرا في الجانبين.

فكما يمارس مسلحون القتل والاختطاف باسم القضية، يمارس ممتهنو الكتابة القتل المعنوي، والاختطاف المجازي، باسم القضية، أيضا. وكما ينصب أولئك الحواجز في الشوارع، ويدققون في هويات المارّة، أو يضعون العبّوات المتفجرة في الأماكن العامة، ينصب هؤلاء حواجزهم على صفحات الجرائد، أو الإنترنت، ويدققون في هويات أشخاص يختارونهم بأنفسهم بحثا عمّا يثير الشبهة، أو ما يكفل تفجير فضيحة في الحقل الثقافي العام.

وكما لا يندر أن يطالب الخاطفون بفدية، أو بوظيفة، أو حتى بالاعتراف بمكانتهم في عالم الميليشيات والعائلات المسلحة، يفعل ممتهنو الكتابة الأمر نفسه، أي يطالبون بفدية معنوية، أو يتحول ما ألحقوه بضحية ما من ضرر إلى جزء من مؤهلاتهم العملية للفوز بوظيفة في مكان ما. ولا يندر أن يتصرف هؤلاء على طريقة العائلات المسلحة والميليشيات، أي أن يضم تحالف أكثر من شخص لتشكيل ميليشيا ثقافية.

المهم، إذا وضعنا مسألة الشكل، أي الممارسة الثقافية على طريقة الميليشيات، وحرب العصابات جانبا، سنحتاج إلى تفسير للدوافع. وبقدر ما يتعلّق الأمر بالحملة التي تكلّم عنها محمود درويش (وهو أحد أهم صنّاع الهويتين الوطنية والثقافية للفلسطينيين في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، وأهم الشعراء العرب في مطلع قرن وألفية جديدين) سنجد العديد من الدوافع.

الدافع الأوّل هو الغيرة. قالت العرب، قديما، إن الشعراء ثلاثة: شاعر يجري ولا يجرى معه، وشاعر يخوض وسط المعمعة، وشارع لا تستحي أن تصفعه. وإذا كان من السهل وضع محمود درويش في مكانة الشاعر، الذي يجري ولا يجرى معه، فمن السهل، أيضا، العثور بين النوعين الثاني والثالث على أشخاص تملكهم اليأس، أو وجدوا أنفسهم بين أناس لا يمارسون الصفع بدافع الحياء، فأطلقوا لمشاعر الغيرة العنان. وليس لهذا الدافع، أو لأصحابه من أهمية خاصة في جميع الأحوال. لذلك، لا يجب التوّقف كثيرا أمام هذا الباب.

أما الدافع الثاني فيتمثل في مزاعم الاختلاف السياسي، الحقيقي منه والمفتعل. وفي هذا السياق يمكن الكلام عن بعدين يبدوان للوهلة الأولى مختلفين لكنهما ينتميان إلى النسق الثقافي نفسه.

ارتبط محمود درويش، منذ قدمه غسّان كنفاني كصوت من أصوات المقاومة في فلسطين قبل العام 1967، بالحركة الوطنية الفلسطينية. وقد نال، بعد هزيمة حزيران، وصعود المقاومة مكانة فلسطينية وعربية لم تجد مبررها في نصوصه الأولى، بقدر ما وجدته في احتفاء العرب الصاخب بظاهرة المقاومة الفلسطينية.

 وهذا ما اكتشفه بنفسه، وما حرّضه في أواخر الستينات على إطلاق صرخة بعنوان "أنقذونا من هذا الحب القاسي". الصرخة التي كشفت في وقت مبكر عن تعامله مع قضية الشعر بما تستحق من جدية واحترام، وعن ترفع عن أمجاد إعلامية يعرف قابليتها السريعة للعطب والزوال.

والمهم، في هذا السياق، أن ما أضافه محمود درويش إلى ما سيُعرف لاحقا باسم شعر المقاومة، كان نجاحه في العثور على المعادلة الذهبية، التي تجعل من الصوت الفردي صدى لصوت الجماعة، بطريقة يتناوبان فيها الحضور.

 ولم يكن نجاحه في هذا الشأن ممكنا دون خروجه على مجازات الجنة الضائعة، ومخيمات اللاجئين، بمجاز جديد يؤنث الأرض إلى حد تصبح معه العلاقة فردية، وحسيّة تماما، وفي الوقت نفسه يضع المجاز على سكة التاريخ بطريقة تجعل من الفردي مجرد واسطة تمكن الجماعة من الحصول على صوتها الخاص.

والمفارقة أن هذه المعادلة التي وسمت نتاجه الشعري، وحياته الإبداعية حتى اليوم. هي ما يتعرّض غالبا للنقد، باعتبار أنه ابتعد بتجاربه الشعرية في السنوات الأخيرة عن لحظة البداية، وصورها ومجازاتها، التي ارتبطت في الذاكرة الجمعية بصعود الحركة الوطنية، والمقاومة المسلحة.

وهي مفارقة لأن نصوصه الأولى، ونصوصه الجديدة، تصدر في حقيقة الأمر عن المعادلة نفسها: في البدايات وما تلاها كان الشعر أداة لتوليد معنى فلسطين بكل ما لدى اللغة من مهارة القبض على صور وأخيلة محتملة، وفي زمن النضج أصبح بحثا عن حقيقتها الشعرية، أي في كل ما لدى اللغة من مهارة وأسباب القبض على صور وأخيلة محتملة.

وفي الحالتين يتناوب الفردي والجمعي الحضور، ويتبادلان الأدوار. وفي الحالتين يحاول الشاعر تسمية ما يرى. لم يسأل ما هو الشعر في البدايات. كان الجواب يجدد نفسه في كل قصيدة. لكنه يسأل ما هو النثر في زمن النضج، والسؤال يجدد نفسه في كل قصيدة لعله يعثر فيها على معنى فعل الكتابة.

لا تتوقف الميليشيات الثقافية أمام علاقة فريدة ومستمرة بين الصوتين الفردي والجمعي، ولا تعنيها أسئلة اللغة، أو حتى قضية الشعر، بل تشكو ما يُقلّص من مساحة الحب القاسي، وما يجعل منه عملة غير قابلة للتداول.

2-

في معرض تعليقه على أمسية محمود درويش الجديدة في بيروت، ذكر اسكندر حبش في جريدة السفير اللبنانية يوم السبت 14 نيسان، كيف ضاقت القاعة بالحاضرين، مما اضطر المنظمين إلى نصب شاشة عرض كبيرة في قاعة خارجية ضاقت بدورها.

هذا الوصف في الواقع لا يصدق على بيروت دون غيرها، بل ينطبق على بقية العواصم العربية، التي تضيق قاعاتها على الحاضرين، ولا يصدق على أيام الناس هذه، بل يعود إلى ما يقارب ثلاثة عقود من الزمن تكرر خلالها مشهد قاعات تضيق على حاضرين، وشاشات كبيرة في قاعات خارجية يسترضي بها المنظمون جمهورا غاضبا لم يحالفه الحظ بالاستماع إلى محمود درويش عن كثب.

وفي سياق التعقيب نفسه يسأل الكاتب: هل جاء الجمهور للاستماع إلى قصائد الشاعر "النضالية"، ربما، لكنه فاجأ الجميع بقراءة نص نثري من كتابه الجديد. والمفاجأة، هنا، لا تصدق على الأمسية الجديدة في بيروت، بل تنسحب على أمسيات كثيرة، تغطي عقودا ثلاثة، وعلى مراحل شعرية مختلفة كانت مفاجئة في حينها، لكنها لم تصدم الحاضرين، أو قرّاء الشعر، بل نجحت في تمكينهم من اكتشاف والحكم على تجارب جديدة، غامر الشاعر من خلالها برصيده الشعري والمعنوي، ونجح في الرهان.

ولا شك أن في نـزوع كهذا إلى المغامرة، وفي تعدد رهانات نجحت، وفي استمرارية علاقة فريدة بين شاعر وجمهوره، ما يحرّض على التفكير، وما يستدعي التفسير، وهي أشياء تسهم في تحليل الأدب العربي في النصف الثاني من القرن العشرين بطريقة أفضل، بقدر ما تغني كل نقاش محتمل حول الشعر، ووظيفته، وأزمته إن وجدت.

لكن الذين هاجموا محمود درويش، ولا أعني هنا المشاة، والسعاة، والانتحاريين (فهؤلاء لا يستحقون مجرد الكلام) بل مجالس شورى المثقفين، واتحادات المحاكم الثقافية، لم يهتموا بما يحرّض على التفكير، أو يستدعي التفسير، بل فخخوا حملاتهم بوشايات تبدو أقرب إلى صديد جروح نرجسية منها إلى التحليل والتعليل.

فحوى الوشاية الأولى أن لمحمود درويش جيشا من النقّاد المحترفين في العواصم العربية، وأن وظيفة هؤلاء في الحياة الدنيا هي الترويج لأعماله. ورغم أن وشاية كهذه تبرر النظر إلى الذكاء الإنساني بكثير من التحفظ، إلا أن الرد عليها لا يحتاج إلى ما هو أكثر من قوّة البداهة: يمكن للنقاد، إن وجدوا، التأثير على عدد محدود من بني البشر، لكن أحدا منهم، ومهما امتلك من كفاءة التبرير والتنظير، لا يستطيع حشد آلاف الأشخاص لحضور أمسية شعرية، وحتى إن نجح هؤلاء مرّة أو مرتين، فمن المستحيل أن ينجحوا بهذه الطريقة على مدار ثلاثة عقود من الزمن. ولو ثبت أن هذه الوشاية صحيحة، لأصبح نقّاد الأدب أفضل مرشحين لوزارات الداخلية والإعلام والدفاع في العالم العربي.

المهم في تحليل وشاية كهذه ليس ما تقوله، بل ما تصمت عنه. وهذا بدوره يعيدنا إلى حقيقة أن الأزمات السياسية والاجتماعية في جوهرها أزمات ثقافية. فما صمتت عنه الوشاية يتمثل في حقيقة أن الأدب يقبل التفسير استنادا إلى نظرية المؤامرة، أيضا. وهي نظرية إن دلت على شيء فإنما تدل على استقالة العقل، التي تعني ضمن أمور أخرى فقدان المنطق لوظيفته، وسطوة اللاعقلاني، والغرائزي على ما سواه.

وإلا كيف نفسر أوجه الشبه الكثيرة بين الشيخ الزنداني، اليمني الذي ظهر على شاشة إحدى الفضائيات، بلحية مخضبة بالحنّاء، للكلام عن نجاحه في علاج مرضى الإيدز، وبين شخص يكرّس كتابا كاملا للتنقيب عن آثار توراتية في شعر محمود درويش.

وإذا أسقطنا من الحسبان حقيقة أن النقد الأدبي والتحقيق الجنائي ينتميان إلى حقلين مختلفين من حقول المعرفة، ويمنحان المشتغلين فيهما صفتين مختلفتين حيث الأوّل كاتب والثاني شرطي، وإذا تجاوزنا ما يبرر التحفظ مجددا تجاه تجليات الذكاء الإنساني، فإن الرد على أركيولوجيا التوراة لا ولن يتجاوز حدود البداهة:

 فالتوّراة نص يقع في جذر الثقافة الإنسانية، وقد استمد منه العرب والعجم على مدار قرون طويلة أخيلة، وأمثلة، وممارسات نصيّة بطريقة يصعب حصرها. وكما يمكن القول بطريقة مجازية، وعملية في كثيرة من الأحيان، إن علوم العربية وآدابها وفلسفتها نشأت بالمعنى التاريخي استنادا إلى نص مؤسس هو القرآن، فإن علوم الغرب وآدابه وفلسفاته نشأت بدورها، وبالمعنى التاريخي، استنادا إلى الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد. وهذه أشياء أعلى وأبعد من اليهود، ومن دولة إسرائيل، ومن الصراع العربي والفلسطيني ـ الإسرائيلي.

يمثل الكلام عن التطبيع، إلى جانب جيش النقّاد، والتحقيق الجنائي في أركيولوجيا التوراة، الضلع الثالث في نظرية المؤامرة. ورغم أن محمود درويش، وفي وقت مبكر، صاغ معادلة الفرق بين معرفة الآخر وبين تبني روايته، إلا أن أصحاب هذا الكلام غير معنيين بالتحليل أو التدليل، بل بالعثور على ما يبرهن سعيه للحصول على جائزة نوبل للآداب. وفي هذا ما يحرّض مرّة ثالثة على عدم التعامل مع الذكاء الإنساني بطريقة مضمونة أو مؤكدة، فما يتجلى في وشاية كهذه (تُضاف إلى وشاية التحقيق الجنائي) يدل على أزمة الفكر القومي العربي من ناحية، وعلى فشل في فهم آليات وشروط وخصوصية حصول الكتّاب في مناطق مختلفة من العالم على جائزة نوبل للآداب.

أخيرا، وقبل الختام، ثمة مفارقات كثيرة. فمن بين مفخخي الكلام في مجالس شورى المثقفين يمكن العثور على أشخاص رحبوا بالغزو الأميركي للعراق، وبينهم من يسعى مستميتا إلى لفت أنظار الإسرائيليين، وإلى إقامة علاقات "ثقافية" معهم، وبينهم من يحتل مفهوم الخيانة مكانة مرموقة بين أدواته النقدية، وبينهم من يضنيه الحنين إلى زمن مضى، وبينهم من يكتب شعرا لا يمت إلى الوطنية أو الشأن العام بصلة، ناهيك طبعا عن المشاة والسعاة والانتحاريين.

ما الذي يحشر هؤلاء بين أضلاع ثلاثة لنظرية المؤامرة، وهل من اسم لتنظيم كهذا أفضل من الميليشيا الثقافية؟

 

              

Hosted by www.Geocities.ws

1