نـص
حـب بـلا أجنحـة
نعيم ناصر
وقفت خلف النافذة تراقب حبات المطر وهي تنقر الأرض محدثة فراغات صغيرة في التراب الأحمر، لا تلبث أن تمتلأ بالماء، والريح تعدو أمام ناظريها لتصفع واجهات البيوت، والبرق اللامع يتوهج أمام عينيها لينبئها أن ليلتها هذه ستشهد أمطاراً غزيرة، والرعد يعبر عن غضبه بقصف يصم الآذان.
الناس نيام من حولها، يتمتعون بدفء الفراش، إلا البؤساء الذين ظلمتهم الحياة فلم يجدوا ما يدفئ عظامهم في البيوت الطينية، أو القصديرية، التي بالكاد جمعوا الأموال لبنائها بالشكل الذي هي عليه من البؤس والرثاثة.
أما هي فلم يجد النوم اليها سبيلاً، لقد كانت قلقة، وحزينة، لأنها لم تره منذ أسبوع ولم تسمع صوته.. وذهبت بها الظنون بعيداً.. هل عدل عن حبه لها؟ هل انصرف الى حب جديد وهو المعروف عنه بعشقه للنساء؟ هل أشفق عليها من حبه لها؟ هل أراد أن يحافظ على بيتها من "الخراب" كما قال لها ذات يوم؟
أسئلة تدور في رأسها وتدور وتدور.. وما من جواب. أحست بالغثيان ورغبة في التقيؤ.. وأخذت تحس رأسها وكأن مطارق تنهال عليه دون رحمة.. آه من الألمين.. ألم الهوى.. وألم الجسد.. هكذا نطقت دون وعي..
لقد أحبته كثيراً، بل عشقته.. إنه يسكن قلبها وتفكيرها.. حاولت أن تنساه وتلتفت الى إبنتها الوحيدة وزوجها وتكرس كل وقتها لهما ولكن دون جدوى. إنها تتخيله معهم في البيت.. تناجيه.. تعاتبه.. تصب لعنتها عليه.. تبكي بحرقة أمامه.. تنام معه في السرير.. يلاعب ابنتها.. تستشيره في كل شيء.. حتى بعلاقتها مع زوجها الطيب.
قالت له يوماً انك حبي الأول، لم أحب من قبلك احد.. قضيت سنوات مراهقتي وأنا أحلم بفارس الأحلام الذي لم يأت.. وتزوجت بأول طارق على باب أبي.. كان شاباً يكبرني بثماني سنوات يعمل محاسباً في البنك ويتقاضى راتباً لا بأس به.. خلوق مهذب غير منغلق ويقدر الحياة الزوجية.. قبلت الزواج به لأتحرر من القيود الأسرية ومن المجاملات الكاذبة ومن الرياء الاجتماعي ومن ثرثرة النساء عقب الإنتهاء من أعبائهن المنزلية.. ومن القيل والقال.
ازداد هطول الأمطار وتشابكت حبات الماء مع بعضها مشكلة خيوطاً دقيقة تربط السماء بالأرض.. واخذت المناهل المحيطة ببيتها تغص بالمياه الى أن فاضت على أثلام أرض الحديقة مغرقة شتلات الورود التي زرعها زوجها..
الصداع ازدادت شدته.. ضغطت على رأسها بقوة كي توقفه ولكن دون جدوى.. تناولت حبتي "بندول" وشربتهما لعل مفعولهما يوقف صداعها. تذكرت أنه سألها يوماً لماذا لم تحبي زوجك خصوصاً وأنه يتمتع بالصفات، التي تحلم بها كل امرأة؟ وتذكرت قولها له أنها حاولت كثيراً.. وأوهمت نفسها أنها تحبه حتى صدقت ذلك.. وعاشت هذا الوهم ومثلته دون احساس أو عاطفة.. لم يخفق قلبها لرؤيته ولم تشتق اليه اشتياق المحبين.. لم تحس بقبلاته ولم ترتعش للمساته.. كانت تكذب على نفسها عندما كانت تقوم بهذه الحركات الباردة.. الى أن ظهر أمامها الرجل الذي قدر لها أن تحبه.. انه رجل في الثامنة والأربعين من عمره ممتلئ الجسم مربوع الوجه واسع العينين.. خط الشيب رأسه بخيوط فضية فأكسبت شعره جمالاً.. يبدو متجهم الوجه.. حاد النظرات لا يضحك "للرغيف السخن" كما يقال ولكنه يستمتع بنوادر شعيب والكندي، ويضحك من أعماق قلبه عندما يسمع "نكتة" أو يشاهد فيلماً كوميدياً.
باختصار انه عكس مظهره تماماً.. رقيق القلب.. مشبوب العاطفة.. حنون.. مثقف.. معتد بآرائه كثيراً، يحب الناس ويفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم.. يعتبر نفسه نصير الفقراء والمعدمين وعدواً لدوداً لذوي الكروش المنتفخة من عرق الكادحين.. تجربته في الحياة غنية.. أكتسبها من تجواله، ومن انتقاله من بلد الى بلد الى أن عاد أخيراً الى وطنه بعد أن أضنته الغربة وفعلت فعلتها به.. غادر بلاده شاباً ورجع كهلاً ينوء بهمومه ويداري أحزانه، ولكن تعابير وجهه وكلامه يفضحان مكنونات صدره.
أخذت خيوط الفجر المتلألئة وسط حلكة الليل، تتشابك مع حبات المطر، لتحيك للطبيعة لوحة فنية من لوحات فصل الشتاء التراجيدية. لقد أنساها هذا المشهد أن الفجر أخذ يشق طريقه ليطرد الليل من فضاء الكون ليحل محله النهار بكل صخبه ومشاكله، وأن عليها أن تعود الى الفراش لتستيقظ باكراً كي تعد طفلتها للذهاب الى المدرسة، ثم تهيء الفطور لزوجها قبل أن يلتحق بعمله.. كما أن عليها أن تستعد هي الأخرى كي تذهب الى عملها..
لقد نسيت كل هذا.. او بالأحرى لم تأبه له.. ولم يرحمها الصداع واشتد مع طلوع الفجر، وأحست كأنه بركان يمور في داخل الأرض قبل أن ينفجر.. نظرت في المرآة القريبة منها في غرفة الجلوس فرأت وجهاً شاحباً، لم تعتد رؤيته من قبل.. لقد اختفت نضرته تماماً.. وهالتها الظلال السوداء أسفل عينيها. أحست بالإعياء وعدم القدرة على الوقوف فجلست على الأريكة كي تريح جسمها المنهك.. ولكن الهواجس والظنون أبت أن ترحمها.. وأخذت تترقب انبلاج الصباح بفارغ الصبر.. بل أخذت تتعجله كي تسرع الى عملها لتهاتفه من هناك لعلها تجده هذه المرة لتصب جام غضبها عليه وتشتمه وتسبه.. وستهدده بالقطيعة كذلك.
لقد ارتاحت لهذه الفكرة، أو بالأحرى أوهمت نفسها بذلك.. ففردت أرجلها وأسندت رأسها على طرف الأريكة، ولكنها لم تنم ليلتها.
لاحظ زوجها شحوب وجهها.. وهاله منظره، وقبل أن يسألها عن سبب تواجدها في غرفة الجلوس.. قالت له إن الأرق انتابها ولم تستطع النوم فجاءت الى هذه الغرفة كي تراقب انهمار الأمطار فبقيت على الأريكة مستيقظة.
اقتنع الزوج بما قالت، لأنه يثق بها وبكلامها.. الأمر الذي يزيد بعذابها ويقضّ مضجعها.. إنه لا يدري بمصيبتها. وتساءلت ماذا سيفعل إن علم بها؟ هل سيتصرف كإنسان شرقي ويطلقها وهو أهون الشرور، أم سيغفر لها ويطلب منها هجر عشيقها والاهتمام ببيتها وزوجها؟.. نهضت متثاقلة تجر أرجلها جراً الى المطبخ لتعد الإفطار لزوجها وابنتها.. وبعد أن تناولوه، ارتدت ملابسها ومضت الى غرفة النوم كي تداري شحوب وجهها ببعض "المكياج" لتتجنب أسئلة زميلاتها وزملائها في العمل عن سبب انتكاس صحتها.. وعندما أقنعت نفسها بمنظر وجهها.. ارتدت معطفها وتناولت مظلتها وتوجهت الى عملها.
أحست بالبرد وهي تسير في الطريق المليء بالمياه الناجمة عن أمطار ليلة أمس الغزيرة. نظرت الى السماء فوجدتها متلبدة بالغيوم.. والرياح لم تكن بشدة ليلة أمس، إلا أنها مثقلة برذاذ أمطار خفيفة.. ويبدو أن السماء تعبت مثلها فأخذت غفوة قبل أن تستيقظ وتواصل عقاب الناس على ما اقترفت أيديهم.
وصلت الوزارة.. وصبّحت على الزملاء وتوجهت الى مكتبها مباشرة على غير عادتها، تصفحت الصحف.. وذهنها غائب.. أعادت قراءة جدول أعمالها لهذا اليوم فوجدته حافلاً بالمواعيد والمقابلات التي يتطلبها عملها كمديرة علاقات عامة.. وتساءلت كيف ستنجز ما هو مطلوب منها وهي على هذه الحالة.. وقبل أن تجيب رفعت سماعة الهاتف لتتصل به.. سألت عنه فقالت لها سكرتيرة الصحيفة التي يعمل بها أنه لم يأت الى عمله منذ أسبوع، وأضافت أنه لم يعط تبريراً لغيابه ولم يكلفه رئيس التحرير بأي عمل خارج الصحيفة، فشعرت وكأن قلبها قفز من صدرها وسقط في بئر سحيقة.
أنجزت ما هو ضروري لتسليك عملها، والأفكار السوداء والوساوس تأخذها من مكان الى مكان ومن ركن لتلقيها في ركن آخر، واستأذنت مسؤولها للخروج مدة ساعة.. وأسرعت خارجة من مكتبها وسط استغراب زملائها.. واستقلت سيارة أجرة الى بيته لتطمئن عليه.. وفي الطريق أخذت تحدث نفسها هل هو مريض لم يستطع الذهاب الى عمله.. ولم يخبر الصحيفة عن سبب غيابه لأنه لا يملك هاتفاً؟ أو ربما.. لا .. لا سمح الله توفي فجأة ولم يجد أحداً يسأل عنه.. شتمت نفسها على هذه الظنون السوداوية التي انتابتها.. وراقتها فكرة المرض وأخذت تقنع نفسها بها الى أن وصلت الى بيته. ضغطت على جرس الباب وما من مجيب.. طرقت الباب بقوة بيدها فلم تسمع سوى صدى طرقات الباب.. كررت المحاولة عدة مرات وما من أحد.
فُتِح باب جيرانه.. وأطلت منه امرأة سألتها عن بغيتها وهي غاضبة فتأسفت لها وسألتها عن "نصري" فقالت لها أن أولادها شاهدوه قبل أسبوع يخرج من بيته وهو يحمل حقيبة كبيرة في يده ويستقل سيارة ويذهب..
خرجت من باب العمارة التي يسكن فيها حبيبها متثاقلة تنوء بهموم تهد الجبال والدموع تسيل من عينيها بلا حساب.. لم يخطر ببالها أن سيسافر.. لقد قال لها أنه ملّ السفر والترحال وأنه سيستقر نهائياً في وطنه الذي نذر له حياته.. "آه لقد كذب عليّ.. لقد سافر دون كلمة وداع.. أية قسوة عاملني بها.. ماذا فعلت له ليهجرني بهذه القسوة.. لقد أهديته قلبي وجسدي عن طيب خاطر، ولكنه خدعني وذهب دون انذار.. أي جحود هذا وأية نذالة؟".
تتالت الأسئلة في ذهنها وتجمعت سؤال عقب سؤال وما من جواب.. وتحولت هذه الأسئلة الى مطارق تهوي على رأسها وصدرها وتعتصر فؤادها.. وهي تمشي وتمشي دون أن تحس إلا بهواجسها وألم نفسها الى أن وصلت الى الوزارة وتوجهت مباشرة الى مرؤسها وطلبت منه اجازة مرضية لمدة يومين فوافق بعد أن شاهد حالتها.
تجددت حبات المطر بالتساقط عندما خرجت من باب الوزارة، ثم ما لبث المطر أن انهمر بقوة.. لم تفتح المظلة لتتقي مياه الأمطار.. نسيت أنها أحضرتها معها أصلاً.. لقد اعتصرها الألم وأخذ منها الغضب كل مأخذ.. أحست أن جرحها ينزف .. وينزف.. وأنها تمشي في فراغ لا نهاية له.. ودوامة الحزن والقلق تتلقفها وتلفها ثم تقذفها الى الفراغ ثانية.. وهكذا الى أن قادتها خطواتها الى البيت دون وعي.. فتحت الباب وتوجهت الى السرير مباشرة ولكنها لم تستطع البكاء.. الغصة تلهب حلقها ولكنها لم تترجم الى دموع.. تعجبت من نفسها.. كيف لم تبك، وهي التي تنهمر دموعها لأتفه سبب؟ لقد تبلدت مشاعرها.. وتلاشى احساسها.. والوجوم أصبح صفة ملازمة لوجهها.. التعب الجسدي هددها ولكن ألم النفس كان أفظع.
صدم زوجها من منظر زوجته عندما عاد الى البيت هو وابنته.. كلمها فلم ترد عليه.. سألها عن سبب شحوب وجهها فلم تجبه.. هزها فلم تستجب له.. وضع يده على رأسها ليتأكد من مرضها فوجده لا هو بارد ولا هو ساخن.. أحضر ابنتها اليها.. نادت البنت أمها وما من مجيب.. حضنتها وهي ترتعش وتبكي فضمت ابنتها الى صدرها بقوة وطفرت عيناها بسيل من الدموع المحبوسة.. وأخذ نشيجها يعلو ويعلو.. وشهقاتها تزداد وتزداد وزوجها يطيب خاطرها ويربت على شعرها ويواسيها.
حاول الزوج أن يحضر الطبيب لها ولكنها منعته.. سألها مرة أخرى عن مرضها فاختلقت له الأعذار وأخبرته أنها حالة من الاكتئاب تنتابها بين حين وآخر في فصل الشتاء. طلبت منه أن يتركها كي ترتاح.. فخرج من غرفة النوم بعد أن اطمأن على وضعها في الفراش.. وهو يقول لها: غمة وستزول ان شاء الله.