كانت سماءً من ذهب لو تنفس طير في عشه لرنت ....

 فيصل قرقطي

 

انسربت آخر خطوة من المنفى، وجدتني راكضا في دروب الروح! محاولا استرداد لهاثي الذي اختصر الأيام.. والسنوات، اختصر اللغة.. والتاريخ والحضارات، ولم يتكثف إلا رذاذا على شاطئ البحر الميت.

آه من ذلك البحر الميت رأيته قبل أن أراه.

كان الليل مدججا بكل أسلحة السواد، وأنا ألجم الذنوب العصية، والتسالّ غير المروي بدموع ذلّ الحالة، لأصل إلى مصارحة الوقت الكاهن في أعراق الذاكرة.

ومن خلل نافذة فندق "دوف" المرمي على أحد أكتاف عمان كان الليل موحشا باستدارته. وكنت وحيدا أصارع الوقت الهارب من خطوتي. وقفت! ألملم الأضواء الناعسة تحت المطر في عشية امتصتها الوحدة والفراغ والبرد. لملمت نفسي! واتكأت على خطى نصف متزنة. انحدرت قليلا بضع منحنيات.. وأمتارا! فوصلت البهو، كان شبه فارغ! اجتزت ممرا ضيقا وقصيرا، لأدخل صالة لا تختلف عن البهو، إلا بثرثرات الكراسي وطاولات الطعام الفارغة، فسالت عن البار ليجيئني الجواب بان هذا المكان هو المطعم والبار.

أخذت ركنا قصيا، كزمن فارغ في ثرثرات الضوء الناعس. وبدأت بالتهام الجعة بعضا من الوقت، ريثما يحين موعدي مع الصديق الشاعر الكبير سعدي يوسف الذي انقطعت أخباره عني سنتين وأكثر ليبزغ ثانية من هدوء الوقت، وابتسام الضوء، عريسا تكلله نجوم وأكاليل الفرح الهارب أبدا، وبعثرة الضوء في سماء الشعر، إنه الشعر بكل تفاصيله. وبينما أنا سادر في تداعياتي، اقتحم خلوتي رجل مديد القامة وسيم كالقمح، كان "حازم" ذاك العميق الساخر، الذي تنطوي ذاكرته على لغم من الحزن، نقله إلينا تنطوي ذاكرته على لغم من الحزن، نقله غلينا فيما بعد مرحا فاترا وسخرية حنونة، لكنها، أبدا، تلوم الروح ولا تشقى بها، مثلما تنم عن تعلق أشبه بحفر في حجارة الوطن.

جلس على بعض المضض، دعوته "للبيرة" التي كنت أرتشفها كالملسوع بضربة شمس في عز البرد، فرفض حاثا إياي على الانتهاء فورا لتبديل المكان.

أقلتنا سيارة لنصل إلى مكان آخر ابتلعنا حتى الرمق الأخير. وفي عروق المسافات التي جسدتها أضواؤها الخافتة، من بين جلبة الأقدام، وقرقعة الكؤوس، دنا رنين الساعة في غفلة من أمرنا، أو عمرنا، لكن ذلك الوقت الهارب، لم يستطع، أبدا، أن يتهجى الخطى بعيدا عن دروب ساعة الوطن.

دقَّت ساعة الوطن.

دقَّت ساعة الولادة.

-                               هل تريد أن ترى الوطن؟! سألني هكذا بكل بساطة، ولم ينتظر جواباً.

كنت ألجم لهاث أنفاسي الطائش، الذي كاد يفتك بي، وكان طيف من الياسمين يطوِّق عنقي، وعسر عليّ احتمال الوصول إليه، رغم تكهني الشيطاني قبل أكثر من سبع سنين عجاف، وعتيّ نبوءتي التي كانت دائما كإيقاع "سيمفونية" البحر تنتشلني من غبراء حياتي إلى لهاث الموجة على شاطئ حيفا.

انطلقت بنا السيارة إلى وجهة لم استطع تحديدها، أخذني الذهول دفعة واحدة، فوصل غشاء القلب ارتجاف بارد أكثر مما ينبغي، فعذرا للصديق الشاعر الكبير، عذرا لقلبه الحنون، وروحه الآسرة، لانتهاكي جدار الوقت، وعذوبة ضحكته.

ومرت دقائق كانت قطيعا من الحمى والشوق، وإذ بنا نصل إلى مرتفع على خصر قرية أردنية اسمها "ماعين" تنام بهداءة على كتف الأردن، فبدأت أتساءل في سري عن الاسم! لكنني سرعان ما طويت الماء.. وبقيت العين في الذاكرة.

ومن هناك، من مرتفع تخيلته أعلى قمة في الأرض. كان البرد يشذب الأرض، أرخيت بصري المتعب في كل الاتجاهات، فاستقر أمامي منحدر غامض كوقود نيران الآلهة، منحدر واسع.. واسع يقطعه نهر من سواد موشى بالأخضر، كموج من الفحم، آنذاك هبت نسمة من الياسمين، فأخذني المشهد بعجالة عرَّاف مقهور.

هذا هو البحر الميت، بوابتك إلى النجاة أيها الشاعر الرجيم. رأيته.. نعم رايته على عجل، وعلى خاصرته اليمنى، تتدلى من على جبل أريحا بأنوارها الخافتة المتلألئة صفا واحدا، لامعا كأسنان بنت أفريقية. رفعت عيني إلى السماء، فانبهر قلبي الملعون بكل تعاويذ العشق. كانت السماء حانية! قريبة.. قريبة، إلى درجة لم تصدق، رفعت يدي لألمسها، فكانت أعلى قليلا، وكانت يداي قصيرتين.. قصيرتين، آه من هذا القليل.. القليل. رأيت نجومها كبيرة، على غير عادة نجوم السماوات، تتلألأ بسطوع أخاذ. كل نجمة بحجم قمر، مدورة كوجه الحبيبة. وكانت السماء داكنة الصفاء!

فأحسست بهالة قدسية لفتني وقتا غبت فيه بين ارتعاشة السماء، وضوءها الساطع فوق رأسي لتكاد يداي تلمسانها، أكاد أحلف أن يديّ تكادان تلمسانها، أكاد أحلف أن يديّ تكادان تلمسانها، وكان الطقس زمهريرا، وكانت تلفني حرارة النجوم في سطوعها واقترابها، كانت سماء من ذهب، ونجوما من نحاس الضوء، لو تنفس طير في عشه لرنَّت.

أيقظني صوت "حازم" وهو يقول: هذه "أريحاك" وتلك الأضواء أتراها؟ إنها أضواء الخليل، وهذه الأضواء أتراها؟ إنها أضواء الخليل، وهذه الأضواء الأخرى التي هناك القريبة من ظلال الماء السوداء هي أضواء المستوطنة تتمطى في آخر الليل، باتساق الهندسة على الضفة الأخرى من البحر الميت.

ليت العالم يعرف ما تخبئ من أسرار أيها البحر الميت!!!

 

***

 

على ساحل البحر يكتب أسماءه،

ويعد المراكب تلك التي لا تجيء إلى الشط، أو تختفي

لاعبا في الرمال التي لا تؤجل ذكرى، ولا تحتفل بميلادها

جالسا يرقب ظل المياه البعيدة

ويعيد الصدى للرياح التي لا تعاكس مجرى المياه.

على ساحل البحر، لا يعرف الميتون سوى أنهم ميتون

ولا يعرف القادمون سوى أنهم قادمون

على ساحل البحر لمّ فراشات صبح يقامر بالضوء.

ويعلل هذا الفراغ المديد بحنكته الصارخة.

 

***

 

عاد صوت "حازم" حازما يرن في أذني، أيها المجنون في عشق الوطن كلها ساعات.. وأيام وتكون هناك. سلم على هذا الوطن.. وبعدها أخبرني إن كان وردا، أم حناء.. واستطرد سائلا:

-                               أتريد أن ترى القدس؟!

سؤال لم أستطع ربط جواب له، لكنني تذكرت بعضا من كلام أبي وأمي الحنونين عن حي المغاربة، وباب العمود الذي يسكنان قربه، وبراميل المتفجرات التي دحلت عليه في العام 1948 وبسبب ذلك رحلوا خائفين مع الكثيرين، وكانت أمي الحبيبة تلهج بشارع "محانيه يهودا" ومستشفى "هداسا" التي أنجبت فيها بنتها البكر "فاطمة" وبعدها أخي يوسف الذي لم يفطم في القدس أبدا.

 

 

 

 

 

1

Hosted by www.Geocities.ws

1