منحدر البحر الميت ....

 فيصل قرقطي

لم يكن للسفر طعم قبل هذا اليوم، وقبله كان الانتظار قطعة من جهنم، قطعة لا تني تمزق، أو تفتت، آخر ما تبقى من الاحتمال، فهل كان للامتثال على الاحتمال من معنى لولا هذه العربة التي تقودنا في شارع عريض وجميل زينته دريئة كتب عليها فوق سهم حاد "منحدر البحر الميت".

كانت العربة تلفظ أنفاسها بمنحدر قصي وعسير على الفهم، منحدر تحس به وكأنك نازل إلى درجات الحياة الأولى، حياة البدء، حينما اعتلى وجه الغمر ظلمة. ولكنك الآن في طريقك إلى أريحا. وتعرف في سرك وجهرك ماذا تعنيه هذه الأريحا بالنسبة إليك، هي ليست عودة بالمعنى التقليدي للكلمة، بعد غياب دام حزما من عشرات السنين، وهي كذلك ليست وصلا لذكريات تركتها هنا.. وهناك، أو ترابا أبعدت عنه منذ أعوام، أو لأهل أبعدت عنهم منذ أعوام ولكنها كانت عودة تمثل بالنسبة إليك، أيها الطائر أيدا مع هبوب الرياح عودة للجذر الأول لأبيك وأمك في سهرات الشتاء القاسي حول المدفأة، بل وإنما أورثاك إياها من خلال تلك الأوتار الستة المزدوجة التي كانت ترن في عود أبيك الذي يحمل عمره ويحفظ تقاسيم حياته، فتارة تهيم بها على نغم "النهاوند" وأخرى على نغم "الصبا" و "الحجاز كرد" و "البيات" لكنه فيما كان يصدح بصوته المتفجر قوة وحيوية وعذوبة كنت تسال روحك دائما من أين أتى بكل هذا الألق وهذه العذوبة التي تنطوي عليه الجملة الموسيقية التي تنطوي على قوة الدفق الشعوري ورقته في آن، وكنت تسال نفسك دائما كيف هي فلسطين سماء وجغرافيا، طقسا ومدى تلك التي تأثر بها إلى هذا الحد؟! وكنت دائما لا تصل أبدا إلى جواب واضح، رغم أنك كنت تحس به يدور في جوانحك.

 

***

 

عند نقطة الحدود الأولى، وحينما توقفت العربة، كنت تستحث أنفاسك التواصل، وتحارب الوقت والمسافات بسيوفك غير المرئية، أكنت "دونكيشوتيا" على هذا الحد؟! يأخذك الضحك فجأة، والدموع لها مسارب في عينيك، وتارة أخرى يلجمك خوف مروّع، من الصراخ بأعلى صوتك. وكنت لا تدري لماذا.

يا إلهي، أهذا هو الوعد المقدس؟!

أهذا هو السراط المؤجل؟!

أهذه نكهة الحياة؟!

فلا تعثر، دائما، على جواب يشفي الغليل، وقلبك هذا الوادع الصغير أراه حاملا سرك الذي لم تستطع طوال سنيك الأربعين الماضية إفشاءه، وماذا يجديك إفشاء هذا السر؟! والآن بالذات.

دائما كنت تسأل، ودائما كنت لا تلقى جواباً محددا وواضحا لكل ما يدور حولك أيها الراعي في بساتين التمرد، وواحات الألق، أيها المسافر في طيات الزمن الماضي محاولا استجلاء خطى أبيك.. وأمك في أحياء القدس العتيقة، وصباهما الذي كان ينبض هنا قبل خمس وأربعين سنة بأعمق قصة حب جسدتها "راحيل" بعذوبة صوتها ورقة عينيها الحالمتين و"محمد" الذي كان السحر يشق إلى صوته وفؤاده المجروح دونما استئذان.

كيف تستطيع أن تلم نظرات عينيهما من فراغ الطقس؟!

أهو الطقس ذاته الذي كان ينبض قبل خمس وأربعين سنة خلت؟!

كيف تستطيع أيهذا المغامر الأرعن أن تحضن صدى صوت أبيك الذي كان يعبي نبض الفراغ بمسحة الألق والحزن والحب حينذاك.

 

***

انتهت الإجراءات الحدودية الأولى، كنت واقفا على حدود الهاوية، وكنت مأخوذا بعذوبة الطقس، لست تدري لماذا!!!

رغم أن الوقت التشريني لا يروقك لا ببرودته البلهاء ولا بحرارته الملتوية.

تابعت الانحدار، عميقا وعميقا في القرار، وكانت العربة القوية تلتهم الأرض طاوية المسافات. لم تستطع متابعة لهاث نظراتك الضائعة كطير جريح، لهاثك المترامي من حولك حتى كان الجسر.

كان جسرا معلقا بين فراغين في الروح.

وكان لهاثك لا ينقطع أبدا في تواصله المديد.

وكان الجسر انقسام الذات على ذاتها.

وبوصلة لا راحة فيها للقادمين... أو الذاهبين.

 

***

 

ثانية حطت العربة بين دائرة من عيون جنود مدججين بصلادة المعدن، أولئك الذين امتهنوا متعة التحدي بنبال من حديد مصقول بكل مواقيت الدم... الدم الذي ما كان في يوم أبداً قطعة من بلور أو قبسا من ماء في ارث الذهب.

مشّطوك ومن معك بنظراتهم غبر العميقة، حاولوا إشعارك بدقة موازينها، فكنت أعمق من أسرار النظرات، ولم يجدوا فيك بلاد مهربة منذ طفولة أبيك وجدك، وصبا أمك التي يجهلون، إلى قلبك الحاني أبداً على الأرض التي امتدت فيك منذ انقطاع حبل السرة حتى آخر مدى في نظراتك.

وقفت حزينا، كان لانفجار الصخب بداخلك أصوات ضحايا وانهدامات أعمار، وبيوت، وأسوار ما عرفت حدودا أبدا.

وكان الانفجار الصخب بداخلك عوالم من حمى وجع الانكسار النبوءة في تراتيل عشقك. وقفت تلملم آخر المشهد لتعيده إلى صباه الأول، وإلى طفولته الأولى.. المنهوبة متقطعة الأوصال لا بحراب الجند وحسب وإنما أيضا بامتداد الأسلاك الشائكة.

كيف يعيش المرء معبأ بالأسلاك الشائكة.

الأسلاك الشائكة في الروح، تثقب الشرايين

وتغير نظام سير الدم في الأوردة

أسلاك شائكة كرطانة الكفر.

أسلاك شائكة كالوجع المحموم... كأسنان القتلة.

 

1

Hosted by www.Geocities.ws

1