براءة العشب وانتصار الياسمين

فيصل قرقطي

وقفت، كان الماضي قطعة بلور وراء ظهرك.. كنت مفتوحا على آخر مدى في جانحيك... ومفتونا ببراءة العشب، وانتصار الياسمين، وكان خيط من نار يمتد من سرتك إلى بحر حيفا، وكان الجنود على المعبر يرتجفون بردا... وسلاما.

"فيا نار كوني بردا وسلاما  على سيدنا إبراهيم"

كي نلقم السنونو المنتشر على شواطئ البحار.. وشواطئ الحياة

وشواطئ القلب حبات القمح الذهبية.

إنما أين السنبلة؟!

تحت أقدام الجند؟! أم في جيوب العراف؟!

كان المعبر قوس قزح نبضت ألوانه بكل أسرارك الممنوعة، ولهثت الأرض في سويداء قلبك، فامتلأت من اللحظة الأولى... وصليت بقداسة عراف ضائع بين فراغ الصمت... وسرك الدفين في أعماقك.

كيف لك أن تستطيع حمل هذا السر... وإلى الأبد؟!

ياه... ما أطول الحزن في هذه الحياة... وما أقصر لحظات الفرح.

 

طويت المعبر.. وطواك على عجل، وكانت نظرات الهائمين حولك.. تلخص انشغالهم بتفاصيلك التي لا تنتهي. فحينما تسحب سيجارتك يزداد التحديق.. وحينما تشعلها، تأخذهم رغوة المفاجأة.. وكأنهم يسبرونك بنظراتهم ليحفروا فيك خنادق ومسارب تمتد فيها الأسلاك الشائكة قاطعة... وحاجزة بين نصفك الأيمن... والأيسر فتمتد شرايين قلبك مسافات... ومسافات قاطعة الأسوار.. والمدائن... والمحاسيم لتصل بين نصفيك... بين أريحا.. وحيفا.

وحينما وصلت أريحا كانت زغاريد الأمهات زوبعة تلتف حولك.. تحملك إلى أعلى.. فأعلى.. لتسقط الدموع من عينيك مدرارة غزيرة.. وكنت الألق الفريد أوحدا دونما صدر يضمك سوى صدر الأرض وعود ياسمين يتمايل مع الريح حسب شهيقك.. وزفيرك. كنت كمن تفجرت في ذكرياته.. وذاكرته أسرار الآلاف من الشهداء الأحياء.. والمفقودين.. والعشاق الجرحى والأسرى النبلاء.. كنت إرث الوجع بنصفيك المنكسرين على جانبي الأسلاك الشائكة.

 

كان قصر هشام بانتظارك، لا كما يقدم الفاتحون. وكانت أريحا بدوية محلوله الشعر تركض لاهثة.. هائمة.. وضائعة بين جبلين.. وساحل كدعص رمل يتمدد على الكتف الأيمن للبحر الميت.

وأريحا لا تودع انسجامها.

وتستقبل كل العادين

أريحا.. اتساق المشهد منذ انحداره الأول

لليقين الضائع في منعطفات النار وبين ركام التاريخ

التاريخ الذي ينبض كسيد من نار

تحت جلد الروح.. في الأوردة.. وتحت جلد الأرض.

كان قصر هشام محطة عذراء، كنت تتمنى لو أنك شجرة في قارعة الطريق، أو تصير حجراً شذبه البناؤون في إطار ساحتها، لحظتها شربت.. وشربت، فشفت الصورة أكثر. راقك الحديث الساخن كطفل عثر على ضالة الأبجدية، فهرعت راكضا في بهو القصر كطفل يبحث عن أمه، رفعت سماعة الهاتف، أدرت القرص على رقم هكذا دونما قصد أو دراية، فسمعت صوت الأمواج المتكسرة على الشاطئ، واستمعت مليا إلى شهيق البحر.. والسمكة الضائعة.. كارتطام أنفاسك بصخرة صدرك.. وانشغال الأفق البعيد.. البعيد بنجمة لا يعرف ضوءها الحدود.. والفواصل فتغطي الأرض سحابة من الحب والأمل.. والسلام.

استمعت إلى لهاث البحر كان قصيا وواضحا كوجودك العصي على النسيان.. العصي على التساؤل.. وأنت.. أنت منذ بدء الخليقة مشاكسا يلم أطراف الغيوم زارعا في عذريتها كلمات الحريق الأزلي، وانتشاء المحنة في غبار الله ذاك الذي يؤرخ معنى اليقين في بحيرات العذاب المهجورة.

كنت صاعدا لنزوات البحر فيك، وانشغاله الطيب بحركاتك عاتبك كثيرا... وعدك بنكهة الوجود، وكنت سيد الغربة بامتياز، باحثا عن "الأمان" ذلك الطائر الأعمى، الذي يضرب طويل المسافات بجناحيه، تاركا، للفراغ، وشوشة الريح ولثغة الهبوب البعيد.

حدقت مليا في ذلك المنحنى الذي يفضي إلى قصر هشام، ذلك المنحنى، أبدا، كزمن هرم، يحاول أن يصطاد سمكة العمر الفضية من حنجرة الماء.. الماء الذي يتغرغر في مساحات لا حصر لها. كنت باحثا عن "الأمان" ذلك الكهل الذي يرمي عباءته علينا ويمضي، راكضا بين الوقت وارتجاف المكان.. المكان الذي يمشط شعر أحلامنا، ويشذب أظافر لغتنا في خطابنا مع الآخرين، وكان سطوة أسطورية له تعيد الهدوء إلى نصابه، والدّمعات إلى مكان ولادتها الأول.

"الأمان" ذلك الطفل الذي يحمل حقيبة المدرسة على ظهره الطري، ويقف، صباحا، تحت رشقات المطر... منتظرا باص المدرسة الذي يؤرخ مواعيد المعرفة... ولا يسطر حرفا جديدا في ذاكرة المشهد الصباحي. ذلك الطفل العائد من المدرسة يجر خيول التعب وبراءة الحكمة، والجوع في عينيه، ليصل الباب.. ثم طرقات خفيفة... خفيفة لينفتح المدى على عرائس البهجة بتمامها وكمالها، بكل زينتها وحليها التي ترن كإيقاعات راقصة –هندية، فترقّص الزمان على إيقاع الظهيرة.

"الأمان" ذلك الفجر العصي على البزوغ، مترنحا بين ثبج الديجور، وخطوط أنوار منسية، ذلك الفجر الذي يقف على قدميه، عمودا من ضوء، فاتحا راحة يده مدى للشمس التي تخجل أن تبزغ.. أو تغيب. 

1

Hosted by www.Geocities.ws

1