... ومن أريحا غرباً.. ثم غرباً
فيصل قرقطي
كانت ليلة أقصر من الشهيق.. والزفير، ضمنا، فيها سواد ليل أريحا الدافئ، فأسعدنا خضرة عيوننا بعد أرق من سهر وسفر. وانزاحت زرقة التعب من الوجه. كان قصر هشام خلالها يتمطى بفرادة الوحدة. إنه سيد الفنادق طراً لأنه الأنظف والأجمل والأكثر كياسة في خدمته (وهو عكس ذلك تماما) بل لأنه الوحيد، الوحيد الذي يفتح ذراعيه للأجساد القادمة، بأرواحها المتعبة، وكأنه طالع من ركام العصور الوسطى مبنى ثقيل، صلد، تحس بأنفاس التاريخ على زجاج نوافذه، وذكريات العابرين فيه تزين حوافيه وتحوم في فراغ بهوه، كأنه مسكون بألف الأرواح التي تعقد الأعراس وحفلات السمر المتواصلة.
لكن قصر هشام! رغم هذا.. وذلك شبه مهجور وفارغ كمصران أفعى، كقلعة دمرها جنود غزاة.
***
مع أول الضوء، وأول الفجر، حملنا حقائبنا بعربة نقل أقلتنا وانطلقت بنا إلى غزة.
كانت الأرض تمتد بمدنها.. وقراها أمام عينيّ اللتين غطاهما غشاء كثيف مع الدمع ثقيل.. ثقيل. لم يكن الدمع ثقيلا إلى هذا الحد في يوم من الأيام. وكانت العربة تنهب الأرض نهبا تبلع الشارع.. والمسافات ونحن نكمش أعصابنا بأيدينا جامدي الوجوه متجهمين، وعيوننا تحدق خارج النوافذ، وخارج المنعطفات، محاولة التقاط المشهد على آخره مشهد من حمى ووجع، مشهد هو مشهدنا المنهوب، أو المؤجل وقد تعلقت أحاسيسنا بحبال الاضطراب، سيطرت علينا غشاوة كأنها من عالم الضياع، فكنا تارة نلوم أنفسنا التي لا تحتمل اللوم! وتارة أخرى نبكي مصائرنا المنهوبة على عجلٍ ، على نحو كهنوتي، وبأيدي عرافين، ما عرفوا يوما سخونة الدمع، أو أنين الوجع
عرافين بل ضمائر
مسكونين بإرث نحيبنا
ونبات أشجارنا الطاعن في الثمر
مسكونين بظلنا الذي لا يمحى أبدا، أو يذوب.
والمسافات تمتد أمام النظر الذي يلهث أكثر.. وراءها. وعيناي لا تستطيعان اللحاق بالمشهد الهارب من النوافذ. إنه عمرنا الهارب من نوافذ الحياة.
كيف لي أن أتقمص المشهد
وأعيد الدماء إليه؟
الدماء التي تنبض بسحر أمي
وصفاء صوت أبى الذي تنفسته الوهاد
ومن أريحا غربا.. ثم غربا، دائما ينهبك الغرب، وأنت على اتساع خطاك باحثا عن ملاذك الأخير، تتخاصر والريح التي ليس لها مستقر أبدا. وبصعود شفاف تلم، خلاله، الأريج الطالع من رضوان الأرض، يمتد أمامك" الخان الأحمر" الذي تزنره "معاليه أدوميم" التي تجثم على صدر الأرض خانقة اللهاث، فتحس بضيق في التنفس، وترفع يدك متحسسا رقبتك، فقميصك المفتوح على صدرك للريح الغربية، فتبرد، تغلق عينيك عن النافذة، لتفتحها بعد لحظات أو دقائق، على مدخل "عناتا" التي يتمدد نصفاها بين القدس والضفة الغربية. فحينما تغلق القدس مثلا يغلق معها نصف عناتا. وتنقطع أسباب وصاله مع نصفه الآخر!!! وتصعد بك العربة لتخترق مخيم "شعفاط" ذاك المزدحم بأطفال ذويك، وذوي ذويك كأنهم في انتظار الجنة.. ازدحام يشق رئة النهار ويقبض على أنفاس النوم والعربة سائرة في صعودها تحت حرارة الشمس التشرينية، آه منك أيتها الشمس التشرينية. فتمر بأطراف القدس كأنك تطوِّف حول كعبة الروح، وقبلك ينبض بالسرعة القصوى رادما ما انهار من فراغ بينك وبين الزمان ليوقظ غيبوبتك سائق "العربة" قائلا أن هذه بقايا قرية "دير ياسين" فيقشعر بدنك وتمد رأسك من نافذة العربة، فتراها.. بعض بيوت متناثرة تنم عن هوية الحياة وبعض بقايا تصر على تشبثها بالحياة كأن بها أرواح أصحابها تدور.. تدور حتى الأبد.. وتدور حتى الأبد.. وتدور "العربة" بعد صعود ثم تنزل شاخرة لنرى بقايا "القسطل" بمعركتها.. وأسلحتها وأرواح أجساد محاربيها أكاد أعرفهم وألمس أطراف ثيابهم أسمع صراخ أوجاعهم في أجساد قابضة على بقايا كتل حديد العربات، وسيارات الجند المعطوبة.
ومن "دير اللطرون" غربا.. ثم غربا باتجاه الجنوب وعبر السهل الداخلي، كأنك تجتاز حديقة في أبهى حلة رسمها الخالق.
امتداد في امتداد يطويك؛ وتطويه.. بحضنك؛ وتحضنه كأنك عراف المصير المسلوب، أو سراط ترجل الحكمة. وما أن تحس بحرارة الدفء حتى تدخل في "القسطينة" التي تلتوي على أضلاعك، على قلبك عند مشارفها فتشرق الشمس أكثر. كيف يمكن للشمس أن تشرق مساء أكثر؟! وتدخل "المسمية" على عجل فينساب شريط من الذكريات لأصدقاء قلبك الحاني. كم سمعت بها، كانت حلما يرفرف فوق سواد الليل والدمع، وكم ضممتها وضمتها الأحاديث فرفع زميلك الخمسيني يده بارتجاف وحزن مشيراً إلى مدرسته التي على يسار الشارع، فانهالت حقبة من شقاوة الطفولة والشباب أمام ناظريك.. كأنه يركض هنا... ويقف هناك.. إلا عينيه ترقرقتا بدمع لامع ساخن كأنه طالع من مجمر التاريخ البعيد... القريب قبل أربعين عاماً.. وأكثر. أحسست بالدم ينتفض في عروق يده، وأصابعه، عاكسا لونه الأرجواني على اضطراب أنفاسه ووجنتيه اللتين صارعتا ليالي السهر الطويلة في سنين الغربة التي لا اقسى منها غربة "عوليس"... إذا عاد من سفر أهليه "عوليس" وكل منا له "بنلوب" ما زالت تحيك الثوب والدمع لم يغط أرض الحجرة بعد.
وبنلوب ما زالت تحيك الثوب في الليل وتكر ما حاكت ليلا، في النهار.