حلم الساحر.. وعرش الفرح
فيصل قرقطي
ها نحن على مشارف غزة هاشم، بكل ما ينطوي عليه هذه الاسم من فجاجة للظلم البشري الذي سوّر أعناق مواطنيها عشرات السنين، بل ومنذ بداية القرن.
وغزة هاشم هذه نفق له باب يُفتح، ويغلق بأحكام في/ ومن حاجز "إيرز" هذا الذي يسمونه محسوما، وهو في الحقيقة، كتل من الإسمنت المسلح.. الصلد، تتربع في منتصف الطريق صفا واجدا كأسنان الحرب، كتل ثقيلة تقسم الشارع طوليا إلى نصفين: نصف لدهاء الفراغ.. والآخر لسائقي عربات النقل. فلا يعرف الداخل، من خلاله أنه داخل، وكذلك الخارج، إلا حين اجتيازها.
كتل مجنزرة، وأسلاك شائكة، حول تحصينات، كأنها عروق من نار، وحديد بمواسيره الأسطوانية يحدد مسار خطواتك. عشرات من الممرات المفتوحة بين هذه المواسير، ممرات تنتهي بك إلى جنود ملونين، جنود لا يعرفون من العربية إلا نطقها غير السليم، جنود نزلوا على عجل.. وحطوا.. وأقاموا قلاعا وحصونا، بيوتا ومنتزهات. جنود ما عرفوا سر تلهف الوردة لمسكبها الأم، جنود يحفظون وصايا الله عن ظهر قلب ولا يعبرون اهتماما لوصايا الإنسان.
يا الهي كم أنت شقي أيها الإنسان في مثواك هنا.. هناك؟!
كم أنت سادر في وحدتك المطلقة.. وحدتك التي لا تطل على عرش الفرح أبداً، ولم تمسد شعرها رياح الغربة، وحدتك التي لا يضاهيها النسيان.
و "إيرز" هذا كأني به قفل بحجم عمارة، قفل دونما مفتاح، لباب مصلوب في الريح، ومحروس ببنادق، ورشاشات، محشوة بطلقات نارية تفجر حرائق الروح والجسد بله عينها النقيض الفعلي لمساءلات الفجر الطليق.
وحينما تقف على حاجز "إيرز" وسيان كانت وجهة وجهك، تحس شيئا أساسا وغاليا اجتزيّ منك، وقد من لحمك وروحك ودمك، يتمدد كالطبيعة الغناء بعد أمتار. شيء أشبه بحلم الساحر متجسدا في بساتين وبيارات وشوارع متناسقة حسب حلم الهندسة.
شيء يدفعك للذهول والضياع، شيء لم يخضع أبدا لإبداعات الرب، وليس هو فائض عن معجزاته ورضاه، أو سخطه.
شيء يدفعك للصراخ، للتمرد على إنسانيتك المفقودة.. الضائعة بين الأسلاك.. والمواسير الحديدية المنصوبة بموازين عرافين، وحسابات لا تجاري حلم الطبيعة البشرية في شيء.
شيء يدفعك لغثيان الروح ذاك الذي يكبلك بكل قيود الأرض:
؟أداخل؟!! أم خارج؟!!
للأرض باب واحدة، وللحلم كل الأبواب.
كيف ترى بحس العصفور حينما يبذل مكان إقامته من قفص.. إلى قفص؟!
- هل يتبدل هواء الرئة؟!
وها أنت بعد مجاراة أوراق وتدقيق، تدخل متلمسا خطى العابرين إلى قرار القطاع، رافعا عقيرة الحزن السيد من بين أنياب الفرح المتراقص في عينيك، لعلك تظل تدور بأرض هذا الوطن الحلم.. الواقع.. ولا تقف عند حد أو حاجز، كأنك الجوال الوحيد في بهاء القرى.. والمدن سباك خطى المشي وضياع النظرات بين الأرصفة.. والمحال لا تلوي على شيء، ماسكا جنون الكلمة من أهدابه معلقا على مشاجب صمتك أحلاما تستحق الوصول حتى لو سقطت منك الروح فجأة كوردة ذابلة بللها المطر.
ثم فجأة تختار البحث عن أسماء الشوارع والمخيمات.. والحارات التي تحفظها عن ظهر قلب كأنك تتماهى بها، أو كأنها قدَّت منك فمن بيت لاهيا إلى جباليا المخيم والبلد ثم غزة المدينة مجتازا شارع عمر المختار والثلاثيني، وحي الصبرة والزيتون والدرج لتحلم بعبسان الصغيرة والكبيرة.
تمر بكل هذا على عجل لتصل إلى بيت بتدبير صديق في"الثلاثيني" وبعد تنزيل وتصعيد لأمتعة تستر آخر ما تبقى لنا من عذوبة، تطل من الشرفة فيفتح البحر ذراعيه، كيف أتصالح مع الوقت الهارب من حياتي؟!
كيف أتصالح مع الشاطئ؟! وكيف أتصالح مع الأمواج التي تغسل قدميك القطنيتين؟! أيتها القريبة البعيدة.
كان بودك أن تركض، ليلا، في الدروب والحارات معلنا بأعلى صوتك أنك قبضت بيديك المتعبتين على فضة الوقت..وتنفس الحلم.. الوطن سمعت لهاثه، شهيقه، وزفيره، نائما وصاحيا، فجرا وظهرا وليلا.
كان بودك لو تقبل كل أطفال هذا العالم الرحب معلنا طفولتك المنهوبة، ثانية، تفتقد طفولتك، ثانية ومن جديد لتعيشها بكل ما امتلكت روحك من فراغ أدمى حيرة الثرثرة، وأمان ضيعته السنون. ولكن آه كم كان بودك! فهل تستطيع إلى ذلك سبيلا؟!
هربت من هذه الأسئلة للأمام، وبنظرة حيادية للخلف وجدت أعذب يدين تمتدان نحوي خلتهما أطواق النجاة، خلتهما أسوار الحياة، تسمرت مكاني، تعلقت بهما، ولم أدر حينها أنهما سيمتلكانني حتى الأبد وبينما أنا سادر في صحوتي وغيبوبتي، شيء مدبب قاس، وخز قدميّ، فأحسست قلبي يركض من شدة الألم إلى البعيد.. البعيد هناك إلى بسمة أطفالي المتعبة. ولم أدر حينها كيف اختصرت ابتسامة أطفالي بنداء من يديك المتعبتين؟!!