انكماش الأفق وانفتاح العاصفة ....

فيصل قرقطي

   

كانت هناك في البحر موجة حزينة تقتحم غشاء عيني لتصل قطرات مائها إلى شرفة الروح، تقتحم ثلاث موجات لترسم على يدي الخطوط المعقدة لقابل لا يني يرسم خارطته على أفق الروح.

طوقت بك موجة.. إثر موجة، فارتسمت حولنا دوائر، لم تكن نعلم أنها السلسلة المعقدة التي سوف تلتف حول عنقينا طويلا، فخفت من أول الماء الذي كان حينها أكثر وداعة وأمانا من أي وقت وقت، كان ارتعاشك الأصيلي يسافر في دروب دمي حتى شظايا اللهفة المنكسرة.

ها أنت الآن في غزة. تعد الخطى والأنفاس.

يا إلهي ماذا دهاها هذه المدينة الأسطورة

هذه المدينة العصية على الانكسار

ماذا دهاها لتبدو هكذا ذكرا متيقظا.. ومستفزا

ذكرا متجهما، كراع لحقول أرز الإله، خرج من تحت مئات الأعوام

وفي تصانيف البحار، أكاد أجزم أن بحر عزة ذكرٌ، وهذا ما يفسره هيجانه الدائم.

غزة الحلم... تمتد من ضوء الروح لتحتل العيون والقلب والذاكرة لا تقاسمها الظنون في شيء، تركض لاهثة.. تتستر على حلمها أكان الحلم حلما؟! مهرا، أو دماء؟!

وفي ساعة التشظي .. للصورة أن تستوحي، والصوت أن يقال للحلم أن يتكثف حتى انحداره دمعة من العين، للتناقض الفذ مأساته التي لا تنتهي.

أيحسم الأمر على نحو أرفع؟! في صورة مراوغة الذات مثلا؟! أو مراوغة الوقيعة؟!

جدار مقابل .. عالق في الريح، يتنفس الضباب والمطر.. والدعة في ظلال الهداءة معلنا صلادته بشموخ لا ينثني، معلنا انهيار المراوغة، وثبات الوقيعة.

مرت الريح عليه، أعلنت صغيرها لغة، عبرت دهاليز الأرض، وتعرجات ترابها المحروث تفتر عن طين.. لين.. طبع هو الأصل بكل نضارته وبدائيته.

كل شيء قابل للاحتمال، كل شيء على اكتماله يبدأ من ذاته، من صلب ذاته، متنقلا في صيرورة المكان.. والزمان ليستمر وجوده. ها هو صفير الريح يقترب اكثر من بحر غزة، يعلو ليقترب أكثر.. نشيجا، يحنو قامته اللدنة على حصاة مهملة في دعص الشاطئ هنا.. أمامي وتسأل نفسها

-                               هل كانت حصاة، حقا، قبل عشرات .. مئات السنين؟!

-                               لكنها الآن حصاة، وهذا ما لم تسلم به أو تؤمن.

-                                تقول ليس هذا دفاعا ابهاميا، ولكنها حتمية الحقيقة الوليدة من الشيء.. من صلب الشيء، من ذاته.. وفي ذاته.

-                               مالي أكيد الأرض مسار حوارات لا تنتهي أبدا.

-                               صوت صفير الريح يعلو لغة غير مرئية، تعلن انكماش الأفق والانفتاح العاصفة

-                               "فقل أن تصير هذه الحجارة خبزا".

-                                قل ولا تأبه لفخاخ الشيطان

-                                فلسنا الآن في وارد امتحان سلطانك

-                                ولكنك أنت تمتحن جبروت الشيطان، وتتقن لعبة الإرادة فلا تصرخ أولا.

-                               والحصاة، تلك المرمية على شاطئ بحر غزة تسال، معلنة حوارها غير المرئي مع الموج. واليابسة في آن.

-                               - كم من الزمان؟!

-                               كم من السنين لأولد ثانية في جدار؟!

-                               والظلال تهرب.. تهرب نفسها رويدا.. رويدا من عنق العين فيصير للزمان اغترابه.. مثلما للمكان اغتراب.

-                               فأي اغتراب يوقظ الآخر؟!

-                               أينا ينسج خيوط المسافات أسوارا لبوتقة الروح؟!

-                                أينا بسبك جمر الفراغ؟!

-                               أينا يصمد أولا.. وأينا ينهار.. تلك هي المعادلة

ها أنت الآن في غزة، مأخوذ بالاندهاش ساعات وأياما أراك جالسا في وحدتك التي تختزل عناقيد الكلام المدمى.. الكلام الذي يشتهي الفم.. الكلام الذي لا يجيء ولا يروح.

ترقب ظلال البحر ساعة متقلبا على برجك السرطاني، ومأخوذ بمشهد البحر ذاك الذي يحفر عميقا.. عميقا في اللحم.. تحت الجلد. وللبحر أجراس.. ورنين يهدد الغيمة البعيدة.. والروح عالقة بأطراف الضوء الهارب مساء إلى المغيب.

ترى: أينها تلك التي كانت تأخذني مني إلى البحر.. ها قد وصلنا، فليفتح البحر ذراعيه. لكنني وجدتني دونما تفكير أفتح القلب وشرايينه لوداعة لم أعرف مثلها من قبل. كان لهاث الصيف يفضح نظراتي المتلصصة من حين.. إلى حين.. وكنت الحظ سحابة باردة تسير في قلبي، دونما أفكر في منتهاها. تماما، حينها هيأت مراكب السباحة، ولويت الأفق بنظرة حالمة، أربكت الشاطئ والبحر.. وحرارة الصيف المتفجر، لتستقر في نوازع الضجر الذي يبني مدائنه في قلبي اليابس. قلت في سري ماذا لو نركب البحر؟! فقالت نسمة في ظهيرة الحر.. نركب البحر، ونخشاه، نحبه، ونخافه، فأدخلت روحي عبوة في تفاصيل المكان الجاف، وحاولت اكتشاف عذوبة الماء وملوحته، إلا أنني وجدتني مشدودا للوراء حيث أنت تنتظرين وحيرني الانتظار.. وماذا بعد؟!!

رأيت قدميك تتقدمان.. لتغزوا البحر ويبسق فيهما كل قطف الأرض. هجمت على الشاطئ الثرثار، ونصبت كل أسلحتي الحمراء حيث لا يليق به استقبالك من دوني.

اكتشف أمري أيتها اللعينة فسكبت كل غنجك حتى ذهب البحر بكل أسراره إلى منحدر بعيد شفيف، ووجدتني وجها لوجه أمام دلالك القاتل.

وذرعنا المسافة القصيرة وصولا إلى الشاطئ الذهبي. (ترى هل وصلنا الشاطئ).

 

 

 

1

Hosted by www.Geocities.ws

1