غزة هاشم شيخة المدن بإطلاق.
فيصل قرقطي
غزة تمتحن أسرار الروح. وتسكب ورد الجسد في مزهرية الحياة.. والقطاع كله نفق.. معبر ضخم على شاطئ البحر يكتنز بالأرواح الصاخبة.. الأرواح التي تعقد عرس المحبة في مجرات الألق..
وغزة تصحو باكرا.. وتنام باكرا كأن في مضامين روحها الغيم والغيب.. كأنها تستعجل أمرها للوصول إلى الطواف.. أسواقها مرصوفة بالآدميين.. وحيواتهم تتحرك في دوائر متصلة تفضي إلى لون غير عسير على الفهم، ينظمها إيقاع واحد منذ الصباح... حتى الصباح.
الأسواق تجتر الخطى والأصوات والسيارات نصف المخربة والهداءة تلفظ أنفاسها الأخيرة وإن غذذت الخطى أكثر فإنك لا ترى شيئا ابعد من مكان خطوتك.. تلك الضائعة يمينا.. أو يسارا كأن بك مسا يستبد بك منذ مطلع الفجر بعد سهر ليل بطوله لا ينقضي.
وشاطئ بحرها مسكون بفراغات لا تنتهي أبدا، وهدوء لا يقطعه سوى اصطخاب الموج المتكسر على صخور الشاطئ، هذا الشاطئ المسكين.. المقفر حتى ليكتد من المقاهي والباعة...
***
أخذتني نمرتي الصغيرة إلى الشاطئ مساء وليلا.. وتحدت بي جنون الفراغ ورجولة البحر... أخذتني الأنثى إلى وميض الليل أول فكرة الوصول، ضمتني بيديها النحيلتين وتركت رأسها الصغير أرنبا يلوذ بصدري من شدة الريح.. قبلت راحتها ونزّت من القلب دمعتان واحدة لها والثانية لاستلاب مصير الغيم في داخلي الضائع عن معانيه.
وخوف أن تلاحظ تلك النمرة الصغيرة الذكية والتي تلمع أمامي كالفكرة المقدسة، غيرت مجرى الحديث لنجلس على حجرين باردين كأنهما من مرمر الروح الطريدة قداً.
إذ ذاك رأيت غلالة الحزن المنسكب من إذني: أنظر للموج انه يحكي.. ماذا يقول يا ترى؟!
- يا لجمال عينيك.. ضحكت ضحكنا بحزن ومرارة وأشاحت
بيدها الناعمة جملتي كما لو أنها تنش ذبابة. ولكن شيئا عذبا بداخلها صرخ بفرح طفولي: يا لروعة ما قلت: إنني سمعتك.. سمعتك حتى الثمالة سمعتك حتى انحسار البحر إلى آخره.
***
عدنا للمدينة نصف المظلمة. كان رأسها الصغير يدور بين يديها كمروحة إفريقية. ابتلعتنا الدروب نصف المظلمة والغبار. وكانت على سفر، وحينما ودعتها بوردة صغيرة كأحلامها لم أستطع أن أحملها ما أريد من الجلبة الهائلة في الساحة إلا أنني شعرت وكأنني اقترفت ذنبا، أو هكذا أشعرتني نظرات العابرين، حينما قدمت لها الوردة الصغيرة.
لفتني المدينة بصخبها العاري. كنت سادرا في شرودي المطبق فوجدتني بين جمع من الركاب متجهين على خان يونس.
وحيدا كنت.. وكذلك الوحدة في كانت وحيدة. ووحيدا نزلت في ساحة المدينة التي تنبئ بالكثير.. فهي على حلم مع وعد الهندسة لأنها تتمتع بتخطيط حقيقي لمدينة حقيقية فأحسست بالناس يسيرون بإيقاع حياتي دافئ يدفعهم أمل ما في خطواتهم ونظراتهم ويتقدمون بثقة وإحساس إلى خطاهم القابلة، تجاذبت الأحاديث القصيرة مع عدد من الأولاد العاملين في المطاعم والمقاهي فأحسست بشيء من الأصالة والاتزان في أحاديثهم البسيطة .. العادية، غير المركبة.
احتسيت قهوة.. أخرى.. ثم ثالثة وتناولت وجبة سريعة وتسكعت ببطء وأرخيت عيوني لكل شيء تصادفه فانبعثت بأعماقي بهجة ما.. إلا أن شيئا واحدا حزَّ روحي عندما رأيت قلعة (الظاهر بيبرس) بسورها الكبير الرائع الارتفاع، والتي يعود زمن تشييدها إلى أيام المماليك، وقد عبأت أفناءها البيوت وأنهار قسم كبير من سورها وبعض الأحجار الأثرية مرمية هنا.. وهناك.
خانيوس، دير البلح، رفح كلها أسماء مدن صغيرة وحميمة لكن تظل غزة هاشم شيخة المدن بإطلاق
ومن ثقب في جدار قديم.. قدم الزمان نفسه، تتسلم شارة البدء في الخطى عابرا أطراف حدود يديك مخترقا روحك من أول وريد حتى "باب العمود"
- هل قلت باب العمود؟!
- نعم .. ولا باب سواه أماما.. أو وراءً
- ياه.. كيف تحتفل بمهرجان من العيون والدموع المهاجرة، لأناس بسطاء.. طيبين يلتاعون في البعد والوجد، ويسميهم العالم "اللاجئين"
- هل قلت "باب العمود"؟!
- ويحك: أتستطيع أن ترى، ايها الشقي بعيون مئات الآلاف من أبناء شعبك في المخيمات المنتشرة في دول الطوق والأرجنتين حتى؟!
- بالله عليك كيف؟!.. كيف هذا؟!
كانت الدقائق تستعر في لظى الوقت الكاهن. الذي كان يخوض نزاعه المتواصل معي، لم نتصالح أبدا، منذ ولدت حاول أن يجردني من رغوة الحياة، حتى قيل لي فيما بعد، أنني كنت قد مت وأنا رضيع ثلاثة أيام، قضيتها دونما حراك، أو صوت فأعلن الأطباء تشييعي غير الرسمي، لكن شيخا عجوزا وقتذاك أمهل الأمر ووضع تميمة على جبيني وحجابا زرعته أمي المسكينة تحت وسادتي، فعادت الحياة تدبُّ في أوصالي. ومن يومها أجد صعوبة بالغة في النوم، حتى أنه يمر علي أيام، ربما أسبوع كامل لا أعرف طعما أو حتى مذاقا للنوم. وكم وصفني الأصدقاء بالرجل الذي لا ينام، يا لها من متعة أن تتجرع الحياة مستيقظا بجملتك حتى التوتر.