صدى ضحكات الأطفال المهزومين
فيصل قرقطي
كان صبحا نديا، بللت قطراته غشاء عيني، ورسمت خطوط وتفاصيل غربتي فيك.
ها إحدى القطرات تنز من دم عيني، وها أخرى تتمايل، تمرح، تصفق، تركض فاتحة في مسارب عيني خطوط قصة انفجاري وانهياري فيك، ومهرجان تشكلي من جديد.
- عم تتحدث يا فتى؟
- عن حيفا التي فيك؟! أم عن تلك التي في منفاك وبين هذه.. وتلك التي وجدتها... وجدتها فقمت صارخا باعترافك "الحلاجي" وها أنت قاب قوسين أو أدنى، فلا تتعجل الخطى واللهاث.
زاوية قائمة اجتزتها وثلة من الزملاء بغمضة عين، ماشيا وبسرعة لا تهدأ ولا تلين.. ولست تدري لماذا.. هل يمكن للمرء أن يمر في شوارع القدس مخترقا "باب العمود" سريعا كالسهم هكذا.. وسريعا (فعقدت العزم على ان اتفاقا وشرفة روحك تتعهد فيه بتقديم صلوات هذه الروح لقدس الأقداس)
- ما هي القدس يا ترى؟!
- نور الله في ظل البنفسج، غائب في مساكب الروح، يشرق لا لوم على ماض تشرد في دمي، أو في مسالك الردى المر، دونما إطلالة لصدى ضحكات الأطفال المهزومين في نواحيها.
- اتئد يا فتى!
- معطى انت من روح ومن تعب وموت.. لا تجيئ.. ولا تغيب فكيف تفسرها؟! وهي عصية على التفسير كيف تدخل في نواحيها.. وأنت لا تملك لهاثك الذي لا يطاول جاجز "إيرز"
- من هو "إيرز"؟!
أريد أن أراه لألغيه وأدع خطواتي العابرة.. الراكضة تقطع أوصاله.
- من هو ذاك الحوذي الذي يسوقنا.. يسوقني مليون روح تنبض في أوردتي، ولا تستطيع اللهاث أكثر من امتداد الحروف في قلمي.
- فمن هو "أيرز" هذا؟!!
- أهو مكان في جغرافيا الانفجار؟!
- أم هو رماد في تفتت الروح؟!
- وأين القدس؟
- وأين القدس؟!
- أراها!
- أذوب في محياها.
- أتلوى في نزيف يديها، وأجار في دروبها الواسعة .. الضيقة.
- أين القدس؟!
- تقول لي أنها فيّ!! تلهث، تتنفس، تتعب، تنعس، تهوى، لتعيش وتنام... تنام فيّ.. كيف لي أن أنام فيها؟!
- القدس عذرائي بامتياز.
- عذرائي التي سأخلدها برقة أرجوان، ونباهة المعصية
- أأنا المعصية?
- أم التسّال غير المروي بدموع الله في مساكب الحكمة
- ماذا أنا؟!
- ماذا أنا؟!.
- أنا الدهاء المرّ في انتظار القدس التي لا تجيء ولا تذهب!!
- أنا القابل الغضّ الذي لا يؤيد أن يتشكل!!
- أنا المستحيل الذي قد مضى في أرجوان كنعان قبل بضعة أنفاس عشتها على سريري.. وثلاثة آلاف من الأعوام!!
- أنا الجثة الناطقة !!
- أنا الصوت الذي لا ينضب، والجرح الذي لا يشفى، أنا محار الأرض في وداعتها .. وانتظار القدس حينما ينتهي الانتظار.
- فلا تسألوني كم عمر الأرض!!
- إنها لهاث الطفل، رضيع لم يفطم في القدس، وكم عمر الطفل؟!
- إنه عمر القدس التي لا تكبر أبدا.
- ولا تشيخ
- أين هي القدس؟!
- أريد أن أراها من أخمص قدميها، حتى منتهاها.
- أريد أن أكحل بالسنا مقلتيها
- وأنا أفجر الضياء في بوح عيني، لتشرئب إلى حضرة لقائها.
- أين القدس؟!
- وفي دمي يلمع انفجار مليون صوت. وأيرز يقف خنزيرا كهلا يأكل أعشاب الأرض بنهب شيلوخ، مرابي البندقية و "بعل" يتلوى على أعطاف "عناة" تلك التي تنبئ بسبع مواسم غيث لا بمحاصيل.. ولكن بأهداب حياة.. وبعدها.. أرى جيشا من الأطفال الحفاة، الجياع، المهزومين، المتورطين في معرفة الله والحاقدين على الإثم...
- الإثم الذي لا يغتفر...
- أراهم ... أكاد ألمسهم... أحسهم في داخلي يتنفسون على أبواب القدس السبعة، فأضم أضلاعي السبعة. فيفلت واحد، أحضنهم.. ولا أستطيع احتضان القدس!! فهذا الواحد، باب الرحمة مقفل.. مقفل حتى حدود دمي الأرعن.. حتى إمدادات الصيف في عينيها.
- أنا الآن خديعة الصمت، ونزال الروح في ألقها.
- أعيدها... لأنني أعبدها، وأكره انشغالي بتفاصيلها عابدا ندى عينيها حينما يسكت الفجر وتنهب المحيطات من دمي نبوءة الواقع.. وامتداد الجغرافيا.. وحاجز "إيرز"
- فمن هو "أيرز"؟!
- أعلن الآن أنني أطلب محاكمته أمام كل أطفال العالم وأعريه ليحتضن الأرض كما ينبغي؟!
- وهو يخاف خطوتي على الأرض.