أي حبل من مسد
بين "الأقصى" و "جبل الزيتون"
فيصل قرقطي
خانتني الذاكرة.. وخانتني الجغرافيا
فكيف لي أن أمسح عن عيني غشاوة المنحدر العميق في الروح.. ثم متكئا على زاوية القلب، كأنها تعطيه بعضا من تماسكه في زاوية الزاوية المنهوبة بين بابي المغاربة.. والزاوية. وفي لغة الاعراب دائما يسقط الباب وتبقى الزاوية منتصبة.. لكن كيف لي أن أتحسس التراب المنهوب من تحت أحجارها؟! كيف لي أن ألمس نبض الفراغ في مسالك الحفر.. وظلمة الرعشة في سواد سوادها؟!
يا لتلك الزاوية، كأنها منعطف الروح! أو كأنها هلال تحطم بين حرائق وادي النار أو تاج فرعون وتبقى يمينا تحدث نفسك بما تفتعله الجغرافيا، وما تكتنزه الروح، ساحبا روحك التي لا تنضب في دهاليز شارع ضيق كمصران أفعى، فتحس حريقا ينشب يمين الروح، ترتعد، تعد أطرافك فلا تعثر على شيء. ينفجر نجم ساطع أمامك.. إنه نجم "وادي النار" فلا تعرف أي حبل من مسد سيمتد بين "الأقصى" و "جبل الزيتون". وهل سيحضن خطواتك؟! أم سيضمك "وادي النار" ولا تعرف أيّ منحدر، ومنقلب ستبدو فيه؟!!
و "باب الرحمة".. الرحمة التي زينت نبض الحجر، وما عرفت كيف يشرق نبضه إلا لإشراقة المهدي المنتظر.. وصوتي الراعف في الطعن.. الطاعن في الحشرجة، وفي النقاء.
أيما مسيح ينبض بداخلي.. يكون أبي! وأيما نبض رسولي يوحد بشرايين روحي يكون مرجعي.. ومرجعيتي.. وأيما موسى يتطهر من ألقي.. يكون ألقي..
ها أنذا الآن أمضي على تعب يغبّ دمي، أمضي إلى بدايات الهواء في الرئة، الرئة التي انكفأت ذات يوم، وعادت للتوّ ثانية تلفظ أنفاسها.
والطقس وراء النافذة يتلوى كأفعى قيظ تخلع رداء لتلبس آخر، تماما كامرأة المزهريات، كيف أستطيع فهم تضارب هذه الألوان المتداخلة كقوس قزح يقف على نهدين بين أرض وسماء وتحديدا على جسد تلك الأفعى الممتدة من أول شهقة في الرئة حتى آخر أيام عمرنا. كيف تكون الخطوة الأخرى؟!
هل هي بحجم قنٍ في الروح؟!
أم هي بحجم غزة وأريحا معا؟!
ثم ماذا بهد؟! ماذا بعد يا هذا؟! وعم تتحدث يا فتى؟!
عن حيفا التي فيك؟! أم حيفا التي كان لا يملّ ذاك الشقي حسن البطل من التحدث عنها. ثم قل لي بالله عليك كيف يمر المرء هكذا سريعا.. وسريعا كسهم أعمى في القدس!!! لتتلقفك "عناتا" ربة السحر مع ألف الإطلاق، وعشيقة الرب، تلك أخت الإله وشفيفة روحه ومعينه الذي لا ينضب، فجمعت يا هذا ما تبقى من قوة فيك، باحثا عن "عناة" في "عناتا" كمن ضيع آماله منذ مئات .. وألوف السنين. فلم أجد غير صدى روحها يرفّ فوق رؤوس المارة في شوارعها. تلك القرية الوادعة، النائمة بين مرتفعين يبعدان عن سرة الأرض حوالي خمسة كيلومترات، يصل بينهما شهيق العائدين، وأبناء القرية بكل ما امتلكت ايمانهم من كرم وكرامة طوية فذة، وسرعان ما تلقفنا الحميم أحمد عبد الحق بذراعيه وذراعي بيته وأبيه وأقاربه، بل وأذرع القرية كلها، وكأنهم يقطعون وعدا كثيرا ما تحدث أحمد به في سنوات قبرص الطويلة أن بيتي مزار العودة. لا أعرف كيف أصف إحساس هؤلاء الناس لما فيه من صفاء وصدق رائعين. كنت أرى عيونهم يدب فيها الفرح دفعة واحدة للقيانا. يا الهي لم أحب هؤلاء الناس الصادقين حتى الجنون، النظيفين حتى الطهر.
ثانية تخف بالخطى والعجلات، سريعا.. وسريعا أخذا وصحبك وجهة رام الله.. فنابلس.. فطولكرم.. وباقة الغربية التي التقطت أنفاسك فيها باحثا وصحبك عن عنوان، فضمك أناس طيبون كالسعادة اكتووا مثلك وإخوانك بحرقة الأرض، أناس زينهم شفق الحلم بتراتيل أبجدية الوفاء التي لا تنضب.
كان يوسف يرمي حديثه سلالم من ضوء، وكانت الكلمات تداعب روح الكرز النامي بين الأفكار.. تلك التي لا تستقيم إلا في دائرة الوضوح.
كان يوسف الوضوح، والوضوح يوسف، وكذلك كانت هي ذات الوشاح البني الذي يسور الروح بجمال طلعة الزيزفون في مساكب القداسة "كفاح"
تلك التي تترقرق فيها الروح الفلسطينية بأسمى معاني الصفاء. أما أم يوسف فكانت أمنا كلنا، مثل الأرض تماما تعطي أكثر مما تأخذ، يا لوداعة الأمومة.. أأجيد مدح الأمومة يا ترى؟!! وللأب صورة معلقة على جدار، هي جدار القلب لا تنسى ولا تمحى أبدا. والحديث يتسلل كعقد من مرمر، تكرج حياته بين حيفا وغزة.. وأريحا