حرية الكاتب إلى أي مدى ؟
د . فاروق مواسي
باقة الغربية – منطقة حيفا
قبل أن نسأل السؤال عن حرية الكاتب فمن الأولى أن نتساءل عن حرية الإنسان – عامة – وإلى أي مدى نفسح للفرد أن يصول ويجول فيه أو فيها .
يكتسب السؤال أهمية إزاء الدعوات الملحة تارة باسم الديموقراطية ، وأخرى باسم حرية الاجتهاد ، أو باسم حرية التعبير .....وبالطبع ثمة حدود في كل دعوة لا ينكرها مُنكر ، وخاصة فيما يتعلق بالمحظورات " التابوهات " – الدين والجنس والسياسة .
ولو لم تكن هذه الحدود والقيود لرأينا بعض من يسير في الشارع عاريًا ، أو نمرّ مرًا عابرًا على الإساءة للرسول أو القرآن أو الإنجيل ، ولسلّمت السلطة أو المعارضة بمن يهاجمها إلى درجة إلغائها والتحريض عليها .
لا مُشاحّة أن حرية الفرد تنتهي عند حرية الآخر . و مع ذلك فكثيرًا ما نرى أن المجتمع يقبل الرأي المغاير الذي يُطرح باتزان وبمسؤولية ، وذلك إذا عُرض بأسلوب أو منطق فيه أخذ وعطاء ، مد وجزر ، دون تقويض لأسسه أو هدم جذري لعقيدته .
ولما كانت الكتابة تعبيرًا عن ذات المبدع في حياته وفي صراعه اليومي وفي طموحه نحو الأفضل والأرقى ، وذلك بصورة فنية ، فإن الأديب مدعو لأن يعبر عن ذاته و بأسلوبه الخاص به وبشخصيته . والأدب - كما يُفترض - هو إيحاء ، ونصف إضاءة ، وتصوير غير مباشر ، وفيه رسالة نقرأها بين السطور أو ما وراءها .
فليقل المبدع ما شاء بدون مباشرة ، وأعني بذلك دون أن نستطيع تبين إساءة ما واضحة . وحتى لو كان النص رمزيًا فمن الضروري أن يكون موظّفًا بصورة لائقة ؛ فهل يُعقل - مثلاً - أن تكون
( الأليغوريا = القصة الرمزية ) التي كتبها سلمان رشدي في آياته الشيطانية مقبولة باسم حرية التعبير ما دمنا نجد شخصيات إسلامية معروفة - وقد جعلها شخصيات روائية غير مبررة فنيًا ، ولا يُشتمّ منها غير الإساءة لمشاعر مجموعة من الناس .
ومن جهة أخرى – وحتى لا يساء فهمي - لا يجوز لنا أن نحكم على نجيب محفوظ في أولاد حارتنا أو نصر حامد أبو زيد أو فرج فودة بما حُكموا به ، فهؤلاء وكثيرون غيرهم كتبوا وأثاروا نقاشات ليست بالضرورة تصب في مجرى الإساءة أو الكفر ، فمن يملك الحق أن يقرر الرأي الصائب أو الاجتهاد المبتوت فيه ؟
ربما نجد من له رأي آخر مناقض ومقوّض للسائد ، كالثائر المتمرد في السياسة ، أو الإباحي في الدعوة للجنس ، أو الملحد في عقيدته .... وبعض هؤلاء معروفون في التاريخ ، وقد نحترم هذا أو نعجب بجرأة ذاك ......
لكن الفن ضرب مميز ، وسبيله ليس سبيل القضايا الاجتماعية ، إذ أن له بعض الحدود ، فهو ليس منطلِقًًا إلى ما لا نهاية .
وعليه فإنني أرى أن الفنان / الأديب يجب أن يضع لنفسه رقابة داخلية تتمدد وتتقلص تبعًا لقدراته ومؤهلاته المتاحة .
صحيح أن الكتابة أو الإبداع لهـ/ا رسالة ، وهي تكتسب شهرتها بقدر ما لديها من رفض وثورة ، ولكن ذلك في تقديري يجب أن يكون مدروسًا :
لمن أكتب ؟ ومتى أكتب ؟ وكيف أكتب ؟ ولماذا أكتب وقبل ذلك : هل أكتب ؟
قد يذهب البعض إلى أن هذه الأسئلة كلها أو بعضها لا أهمية لها للمتعبد في محراب الإبداع ، ولكن مهما يكن فإن الرقابة الداخلية تظل بوصلة له ، شأنه شأن السفينة التي تمخر وتختار طريقها في بحر متلاطم الأمواج ، فلا بد لقائد الدفة من خطة ومن حدود ومن رؤية منضبطة - حتى ولو كان في رحلة ماتعة .
المبدع إذن ينال حريته ضمن مجال أو أفق يضعه لنفسه .و حتى لو كان هذا الأفق غير منظور فإن ثمة تخيلاً لحدوده أو أبعاده . وإلا فإنه يشتط ، ويشذ ..... وعندها سيكون هامشيًا أو خارجًا عن أولئك الذين نذر نفسه لخدمتهم ، ورأى أنه يقول ويكتب ويبدع لهم .
وأود أن أختم رأيي برفض كل عقاب أو تعذيب أو تآمر على أي مبدع ، بسبب أنه مس بقدسية - أية قدسية ، فحتى لو كانت كلمات هذا أو ذاك كفرًا صراحًا أو دعوة مضادة أو ذات نزعة فوضوية فإن في العزوف عنها من قبل الرافضين لها ما يكفي للطعن في جدواها ، فمن يصدق خطرها الفعلي في أجواء لعبة كرة القدم والمضاربات المالية والمجمعات التجارة والتنافسات المتباينة ، والصراعات السياسية والمخترات والمشيخات و.. ؟
يقول أندريه موروا : " الحرية والمسؤولية توءمان ، لو انفصل أحدهما عن الآخر مات كلاهما " .
من هنا فإني أرى أن حريتي تكون برقابة داخلية تتحلى بالمسؤولية ، وتنظر إلى التغيير في السائد ، مدًا وجزرًا . أقول ذلك بإيحاء وبنصف إضاءة ، لأنني لست سياسيًا أو داعية دينيًا لأرفع شعارات ، فأنا أكتب أدبًا أو أنشئ فنًا ، وفي كليهما ثمة حدود أعايشها وكأنها جزء من ذاتي ، حتى لأوهم نفسي أنني حر في كتابتي وبدون قيود .