شوقي بزيع الآتي من فرح الشعر في "شهوات مبكرة" .....
احمد دحبور
تأخرت عن هذه الكتابة سبع سنوات. فقد كنت، شأني دائما، على عجلة من أمر الكتابة في شعر شوقي بزيع، لا وفاء لصداقة راسخة نوعية وحسب، بل لما تفتحه قصيدته من آفاق تحرض على القراءة والاكتشاف، زد على ذلك اننا ننتمي الى لحظة اصبحت تشبه دريئة في حقل رمي، حتى انه سمع من المذيع الذي كان يحاوره، في احدى الفضائيات، كلاما حماسيا من نوع: ليس هناك شاعر كبير بين من يكتبون القصيدة الموزونة. ولم يضحك شوقي وإن راودته رغبة في المزاح مشيرا الى انه قد تزوج بعد ان تجاوز الخمسين..!! فقد نكبر في العمر، اما في الشعر فالحسابات تختلف، وقد ولى زمن أنت أشعر الناس..!
كنا في مهرجان جرش يوم 2/8/1999، عندما أهداني شوقي بزيع >شهوات مبكرة<، وهي على ما أعلم، آخر مجموعاته الشعرية حتى الآن.. ولأمر ما، فقدت الكتاب طيلة هذه السنين، لأعثر عليه فجأة، وقلت: اذا كان في العنوان اشارة مبكرة واذا كنت قد تأخرت، ففي التأخير هنا والتبكير هنا ما ينصف الوقت، لا سيما وان الشعر لا وقت له، فهو يصلح للمواسم كلها ما دام وفياً لكونه دليلا الى اجتراح المجهول..
تعالوا نتذكر معا بطاقة التعريف: من زبقين، قضاء صور درة الجنوب اللبناني، دلف شوقي بزيع الي الحياة عام 1951، واستقبله الشعر مبكرا، فكان في طليعة الكوكبة التي عرفناها، باسم شعراء الجنوب: محمد علي شمس الدين، حسن عبد الله، الياس لحود، عباس بيضون، جودت فخر الدين وغيرهم ممن الا ينتقص من حضورهم ان الذاكرة الراهنة لا تسعفني بأسمائهم. وقال نال شهادة الماجستير في الأدب اثر تقديمه رسالة حول شعر المقاومة، وظل معنيا بدراسة هذا الشعر، وكل شعر، في الصحافة، فضلا عن مزاولته مهنة التدريس. اما اعماله الشعرية فهي - لا اذا فاتني بعضها المتأخر زمنيا - ثماني مجموعات بيانها كالآتي: >عناوين سريعة لوطن مقتول - الرحيل الى شمس يثرب - اغنيات حب على نهر الليطاني - وردة الندم - مرثية الغبار - كأني غريبك بين النساء - قمصان يوسف - شهوات مبكرة<. وقد يذكر من يعنيه الأمر ما نشرته في هذه الصفحة حول >قمصان يوسف<، وقبل ذلك، في مكان آخر، حول >مرثية الغبار<..
في شعر شوقي، كما في حياته، اقبال نهم على الحب يتقاطع مع كينونته الوطنية اللبنانية. ويترنم آلاف الشباب بقصيدته >احدثكم عن أيمن< التي لحنها ويؤديها مارسيل خليفة، ولكنه الى ذلك لم يغرق في نشوة سطوة الوطن على الفن، ولم يمتثل يوما للخطابية وابتزاز المشاعر الجاهزة. فظل هذا الداندي الأنيق مظهرا وسلوكا، شاعرا وطنيا عاشقا على طريقته. وحين تلقى اصابته بالأربعين لم يجزع وإن وقف متمزقا >بين روح تطيع وجسم يخون - فتلك هي الأربعون<. ولكن ما تراه يقول الآن وقد ولج الخمسين فاتحا نوافذ على شرفة العقد السادس؟.. ربما كان يستهويه قول حبيبة بشار >أنت وربي مغازل أشر<، وربما لازمه حلم لورد بايرون بفم واحد للنساء جميعا. على انه ليس مجرد عاشق جوال. بل هو ضالع في التأمل والتدبر واحصاء الخسائر والمسرات. واذا كانت النوافذ تناديه الى نوستالجيا ايروتيكية او جمالية بالمعنى المطلق، فليس هو بالشاعر الذي يقعد واضعا رأسه على مخدة الماضي، بل ان لديه - كما سنرى - وقتا ليتصافى مع لحظة الاشتباك بين الأمس والآن، غير متخلص من شغفه بالغنائية التي اصبحت بعد هذا العمر الشعري، من علاماته الفارقة.
شهوات مبكرة
هي ثلاث عشرة قصيدة، بينها مرثيتان، وانحناءه على فراش الأب المريض، وكثير من الحب. لكن هذه القسمة غير أكيدة. فالدمعتان لا تتوقفان عند صديقيه الراحلين محمد عمران وعبد الأمير عبد الله، بل ينتشر الشاعر في المراثي حتى أنك لا تدري وهو يعود أباه، أينطق باسم الجسد المنهك ام يتولى دور الابن المفجوع الذي ذهب عمره حسرات. وهل الحب احتفال بمناسبة ايروتيكية ام انه الهواء الذي يتنفسه الشاعر حتى تراه في كل قصيدة مهما كان القزح الذي يستلهم القوس منه؟
هوذا يدعونا، منذ فاتحة المجموعة، الى >ملكوت العزلة< حيث >ما يولد في شرنقة الروح يموت<، وحيث يلتفت فلا يرى نفسه في الشيء ولا في عكسه، ويضن بالبوح فتفيض الخيبة في الحس لا في الحدث:
صاعدا سلم اعضائي،
أجر الندم الحامض خلفي
ثم أدعو كائناتي كي توافي جسدي،
لكن الى أين..؟
فهو البوصلة الحيرى تتأمل >جيشا من الغربان<. ومملكته الندم الذي لا يفصح عن ارض اغلقت ابوابها على من غاب، حتى ليسأل: >أأنا أرملة الماضي؟<. وعلى هذا فهو يرى نفسه >مفردا الا من الخوف<.. هكذا يجتمع الخذلان الى الوحشة في كهف عمر لم يحقق الطموح، وتندلع الأسئلة مطالبة باستحقاقات احلام مبددة، حيث لا يقين ولا مر فأخلاص:
وما من قشة تومىء لي من قلب هذا العالم المهجور،
الا ما اربيه من الشك ليمحوه اليقين
انها حيرة وجودية تنتمي الى خيبة جيل يعرف ما يرى ولا يرضيه ما يرى. ولكن أهو المسؤول عن جناية الفقدان أم ان وقت القصيدة لا يفضي الى هكذا سؤال؟ ولأن الشاعر يكتب، على امتداد العمر، نصا واحدا متصلا، فلندع قصيدة >الزيارة< تقارب السؤال فيما تراوغنا بين ان يكون هذا المسجى هو الأب او الابن، اما الزائرون، فهم نحن، شهود الحياة:
- ماذا تريدون مني؟
اعترافا بأني خذلت الحياة التي انبجست
من دمي كالنوافير،
ام عودة عن ضلال؟
وتستوي عناصر المفارقة : ان ينهر عناد العصافير، او تخونه قدماه، ان يوغل في العصيان، او يعود عن ضلال.. لقد وصل الى حيث ارملة الانتظار العجوز، مدركا انه لم يقف مرة عند وردة اليقين، وانه: >لم أكن حيثما ينبغي ان اكون تماما< لتنتهي الزفرة بين التشبث بالأب الموشك، والحروف المبعثرة التي هي:
لا.. أ.. مـ.. ل
ومن الشيق المثير ان هذا الذي يمنح مجموعته عنوانا مبكرا، هو نفسه الواقف على أطلال أسفاره واغترابه معلنا زمن الفوات.. فما كان كان. وسيان ان يكون هو المعزي او المعزى به ما دامت النقطة الفاصلة هي اللاأمل، فما الذي تفعل أرملة الماضي بالزمن المفقود؟ ولأنه على موعد مع الفقدان والفوات، فلم لا تحمله قصيدته الثالثة الى >صخرة الأندلس< التي لم تكن الا
خصلة من حنين
ترف على جنة سابقة؟
ويدوي صوت القرون التي تتطاحن في داخله كالوحوش، لتتماهى الخسارة التاريخية مع الهزيمة المعاصرة، ويأتلف الموضوع والذات في لحظة الحصاد المر. فالشاعر هو نفسه، وهو أبوه، وهو صديقه الراحل، وهو وطنه الذي خرج من التاريخ يوم دخل آخرون. فالى أين؟
الهند والضحك
كان الرثاء غرضا شعريا، حسب ابن رشيق في كتابه العمدة، بدخوله باب المدح من جهة سجايا الشخص الذي نرثيه. الا ان الحداثة وقد زحزحت الأبواب من امكنتها والأغراض عن مكانتها، أبقت على حيز حساس يعبر اليه الشاعر من حيث مساسه بالذات.. والشعر يكون ذاتيا اولا يكون، فاذا وصلنا الى قصيدة >كيف لي أن أبلغ الهند< التي يقارب شوقي بزيع بها رثاء الشاعر محمد عمران، وقعنا، كما هو متوقع، على المختلف، فلسنا امام تعداد مزايا المرثي، بمعنى اننا لسنا امام حي يمدح راحلا، بل ازاء شاعر يعيد انتاج شاعر. وهو ما يعزز فكرة حضور الشاعر في قصائده حتى عندما تتمحور حول تجربة سواه. ولنلاحظ منذ العنوان ان الشاعر يسأل: كيف لي أن أبلغ الهند. حيث تحضر الذات المتكلمة في ضمير الوصل >لي< وفي الضمير المستتر >أبلغ<، ويتساوى ان ينطق الشاعر باسم المرثي ام يتقمصه نطقا ونجوى ومعاناة:
ليس في الجبة الا الشعر
والنار التي اوقدتها
تقتات من اسئلتي جمرا وتغلي في دمائي
هكذا يستعير لغة الصوفية >ليس في الجبة..< ويتحالف مع الرمز >النار والجمر< ليقول بوحدة العالم في الشاعر. على انه اذ يتحد بالعالم لا يؤكد تعالي العارف، بل يستذكر ويحتضر عصا الحيرة بحثا عن ارض
لم يطأها أحد قبلي،
ولم تعرف من الاسماء الا ما تسمي كلماتي
وبانتصاره على الحجب في متوالية الشمس - الكون، والمرأة - استمرار الوجود، والشعر - ارادة المبدع، يدور دورته الطويلة ليعود الى ما جعله لحمة وسدى لهذه التجربة الشعرية الممسوسة بالفقدان والفوات:
لم تعد مملكتي من هذه الأرض،
وهذي المدن الشوهاء ليست مدني
وهكذا يفتضح سر انتصاره على الحجب. انه مجرد مكابرة شعرية لا أكثر، فبعد كل شيء تتنكر له مملكة الأرض، وسياسة المدن، ليهمس بما يشبه الصلاة: >أما من جملة انهي على ركبتها يأسي؟<. لقد ذهب ابو وعد، محمد عمران، بحثا عن الشفاء في الهند، فأخذ شوقي بزيع سحر الهند ذريعة فنية، مؤلمة في مكرها، من حيث ان الموت يقف وراء الباب، من الملاجة، قرية عمران، الى الهند، حيث العلاج الخائب. وما من عزاء للشعراء الا في التعالي على اليومي والحسي، واذا كانت مؤونة الشاعر هي الآلام، فان منتهاه علامة الحياة >تتدلى من اعالي قاسيون<. وليس بعيدا عن التعالي على الموت يأتي عبد الأمير عبد الله في قصيدة >كوكب الضحك< حيث ضبط فيه شوقي بزيع لحظة السخرية من كل شيء. فهو يرد على المرض العضال بالضحك، ويسرع الى حيث لا مهرب:
مصادفة قال نأتي
ونمضي مصادفة،
والحقيقة برق يضيء بلا هدف
وللمرة التي يصعب ترقيمها، تحار في الشاعر، هل يقصد نفسه ام سواه؟ لأنه اذا كان المقصود هو تماهيه مع من يرثيه، فان في ذلك استمرارا لمراجعة حصيلة هذه الرحلة العبثية التي اسمها الحياة. انها >حفرة تقترب<. ولكن عبد الأمير لا يلقي بأسلحته في المعركة، واذا لم يكن في جبة محمد عمران الا الشعر، فان جسم عبد الأمير عرض زائل: >وما الجسم الا رداء وسخ< لهذا وقف عنيدا:
بخمسين عاما
وخمس اصابع لا غير،
شن على يأسه الحرب
وردا على اليأس ظل يضحك حتى انتصر. وشهوات شوقي بزيع هي المعادل الموضوعي لضحك عبد الأمير. فليحتفل بفرح الحياة، الى ان يقول الموت كلمة..
العالم كالتالي:
تعالوا نتفق مع مسلمة تودورف: >ان مجرد انتقال فعل ما، من حالته الموضوعية الى ذاتية الشخصية يعني وجود رؤية معينة<، وفي قصيدة >شهوات مبكرة< التي منح شوقي عنوانها لمجموعته، نلمس منذ اللحظة الاولى هذا الانتقال من الموضوع الى الذات: >بدأ العالم كالتالي: ضباب برتقالي يوشي الروح، اخلاط غبار، وترانيم، قصاصات نجوم تتلاشى تحت سقف البيت..< فالعام بجملته، هو مجرد معطى موضوعي، لكن استقباله بما يمنح الضباب لونا برتقاليا وينثر النجوم كقصاصات الورق في بيت الشاعر، هو الشأن الذاتي الذي يجعل من الحدث التلقائي: مجرد رؤية العالم، لحظة رؤيا شعرية. وهو ما يحملنا على متابعة مقولة تودورف وقد انتقلت من المسلمة الى النظرية: >كل ما يمكن ان يبدو طريقة تقديم في مستوى الخطاب، يتحول الى عنصر غرضي في مستوى التخيل< بمعنى ان الشاعر لم يبحث عن جمالية لوصف الحالة، او لنقل انه فيما يبحث عن الجمالية، منحه التخيل فرصة المقاربة والتعالي وصولا الى مناطق لم تكن قد خطرت له قبل تشبيه النجوم بقصاصات الورق. وأين؟ تحت سقف البيت. فقد سحبت الرؤيا نجوم الأفق لتدسها تحت سقف البيت. انه التحول من الرؤية الفيزيائية الى الرؤيا التخيلية الشعرية. وتسوقه الرؤيا في اتجاه معكوس، من المطلق - العالم، الى الذاتي: البيت والموجودات المترامية وصولا الى الغرض الكامن في الشاعر منذ أن بدأ قصيدته: هذا الغرض هو الافتتان بالمرأة:
فيما امرأة مجهولة الغصة،
تلقي بي الى نهر الحداد المستعاد
وللمفارقة فإن امرأة الاكتشاف الاول، مع بداية الخروج من سحر الطفولة، لم تأت من موقع الرغبة الغامضة، بل امتزج في عينيها الكحل بالدمع لتأتي متواقتة مع فجيعة متوارثة، حيث:
نساء غارقات في السواد
يتمايلن على نعش فقيد ما
ولكن لحظة الحداد تلك، هي لا سواها التي تعهدت بارسال الرغبة كالومضة في جدلية اكبر من وعي الفتى، تربط الموت بالجنس، حيث يتشاطأ الجسد مع الطبيعة بما >يرفع النهر على ساقين من ماء، ومحمولا على ظهر نجوم، تتراءى كالحصيرة - في فناء الغيم<، وهكذا تعيد الرؤيا نجوم التخيل الى الأفق، الذي يتحول بدوره الى بيت له فناء من الغيم، اما رمز النهر الذي يهدر كالثور الجنسي فقد اكتسب صفة ايروتيكية مباشرة: >حينما كن يعابثن فحول الماء في النهر<. كان يومها في السادسة:
وأنا من يومها،
لست سوى ضليل ذاك اللمعان المر
وذلك اللمعان، وهج الرغبة، سيرافقه >حتى لحظة الموت الأخيرة< وهكذا لا ينسى وهو يقفل القصيدة أن يربط الجنس بالموت، فهو لم يقل لحظة العمر، بل الموت. وبالجنس يتجدد الجسد فلا يقهر الموت بل يرد عليه في متوالية عبثية لا تنتهي.
وهو ما سيعاد انتاجه في قصيدة >فجوة الشقاء< التي أهداها الشاعر الى توماس مان، صاحب رواية >الموت في البندقية< ولكن القصيدة اللبنانية لا تلازم الرواية الألمانية الا من حيث ضربة الصاعقة التي تخلب لب العابر المفاجأ بالنداء الايروتيكي:
محدقا بلا نهاية
في ذلك الجمال
واذا كان الموت قرينا في >شبهات مبكرة< فانه هنا يأخذ شكل فارق العمر، فهذه التي خطفت منه ارادته >تلك الفتاة في العشرين - كانت تضيء وحشة المكان< وتلك الفتاة >تصغرني على الاقل - بربع قرن< وهو فارق يؤسس كناية لاستحالة الديمومة: >انوثة لشدة احتجابها - تضيء في غيابنا - فلا ينالها احد< وقد يعزي نفسه بقصيدة تحبسها في الشعر على الورق، فالشعر، كما مر معنا من قبل، يحمل قابلية التعالي على الموت، لكنه عزاء بلا جدوى:
والشعر أيها العجوز ليس غير رعشة قصيرة
مطرودة من جنة الجسد
وهكذا ينتهي العالم الذاتي المغلق بعد ان بدأ بالمطلق، ليكون ما يبقى مجرد باطل وقبض.
هي كلهن
ذات يوم، قالت لوكريس بورجيا، احدى اشهر ماجنات العصور الاوروبية الوسطى: ان جنون حب النساء نوعان، اما ان تحب واحدة فقط، او ان تحبهن جميعا بلا استثناء.. فماذا اذا انفجر في وجوهنا شعر جامح، يشي بأسرار صاحبه كاشفا عن جنون في حب النساء جديد؟ هذا الشعر لا يختزل النساء في امرأة بمثل دعوى نزار قباني:
انت النساء جميعا، ما من امرأة أحببت قبلك الا خلتها كذبا
ولكنه يرى الحبيبة الواحدة بألف عين وفي الف وضع.. وتلكم هي محنة شوقي بزيع كما يقدمها شعره الحسي المندفع. ففي قصيدته >مثل قديسة نائمة< - وترتيبها هو الثامن في مجموعة شهوات مبكرة - تنهض المرأة بعينين قمحيتين وقلب وحيد، لا تختلف عن غيرها من النساء الا بأنها هي، وفي هذه اللحظة، حين
كانت تحاول راكعة ان تهيل
على ركبتيها المزيد
من العشب حتى تراءى لها جسمها من بعيد
فهي ليست مستحيلة الوجود بقدر ما هي متعددة الحضور. في مكان سحيق من الروح، والصباح يتقطر من شمسها الموجزة، والثلوج تتخاطف سمرتها، الى آخر هذه التجليات التي تصب في سياق وحيد: ان هذا الجمال غير منتسب الا الى مصدره.. اليها. فهي نهر عميق المرايا وراء الدخان. وبهذا البذخ الشعري في الصورة والفكرة والدهشة ينطبق المشهد على فرح لا نهائي، فرح غير محدد، قوامه الحب الذي لا شبيه له ولا زمن يؤطره. وهذا ما يتعزز في القصيدة التالية - بعنوان تهويم غنائي - حيث يتكفل عنوان القصيدة باطلاق اللغة من سياج المعنى المحدود ثم يندفع الشعر في غير اتجاه:
لم تأت من جهة الكلام لكي تسميها القصيدة،
او من الصمت المراوغ كي تشاطئها الرمال
فالقصيدة ليست برسم الحبيبة، انها الحبيبة نفسها، بكنوزها واسرارها وتعاليها على المجسد، بزهرات عمرها العشرين، بسلالمها الى المجهول، منتمية الى سلالة نادرة في الشعر العربي كتلك التي ضاقت نواحيها على الشريف الرضي فما وسعت على الاناخة في ساحتها القبل، او تلك التي حار بوقعها سيد عقل فرآها كوقع الهنيهة في المطلق. وهو حضور متعال يمكن ان يخص كل امرأة بشرط ان تكون حبيبة الشاعر. فهنا لا حيثيات ولا دراما ولا زمن، انه الشعر المصفى وقد صيغ وانسكب في اهاب امرأة، فحق عليه قول الشاعر انه تهويم غنائي، وفي القصيدة التالية، يعمد الشاعر الى تحديد المكان، فيكون العنوان >جعيتا<، وجعيتا هي كف العشاق، لكن القصيدة اخرجتها من حيزها المكاني، لتلحقها بما قبل الحياة:
في البدء لم تكن الحياة،
سوى انعكاس غامض القطرات للماء المحملق،
وهو يرشح من شقوق الصخر
ومغارة جعيتا تستحق هذا الاستنفار الاحتفالي للطاقة الشعرية، لكن ما يريده شوقي بزيع اكثر من مكان يأمر >الطبيعة ان تدافع عن صلابتها< بل ان يجد الطريق الى مجراه الأخير. واذا وصل بالشعر الى المجرى الأخير فلن ننسى انه افتتح الكلام بلغة مقدسة: في البدء..، ومضى الى >ماء هلامي يمزق من ملايين السنين سباته الدهري<. لقد شحن الشاعر مغارته بالحضور الانساني، وكان للحضور مذاق الجسد، وما على القراء العشاق الا ان يمنحوا خلاصة الحب للمكان حتى يكون كل منهم شريكا في القصيدة.
في هذا الشعر، كما في الحب، تحضر اللحظة الايروتيكية بما هي وعاء مستحيل للدراما على ان يملأ الملتقي وعاءه بما لديه. وهكذا يكون جنون حب النساء قد تحقق في النقيضين. حب مكرس لواحدة فقط، هي بطلة القصيدة وحب النساء كلهن لأن القصيدة لم تستسلم لشروط خريطة تؤدي الى مكان واحد. انها الطبعة اللبنانية لمأساة دون جوان..
شهادة الأشياء
لا ينعم شوقي بزيع براحة بال الوجوديين المستقيلين من المستقبل، المنحازين الى حياتهم الراهنة ليعيشوها حتى الاستهلاك. فهو مشغول بما كان، حيث تحتفل الذاكرة باعادة انتاج النشوة، وهو يحدس بما سيكون فيستدعي الاشياء للشهادة على أثره عندما لا يكون هنا. واذا قال البير كامو ان الموت هو الدليل القاطع على ابسوردية الحياة - لا معقوليتها، واذا أخذ رون جوان مثالا على البطل الحسي الذي يرد على لا معقولية الحياة بتكرار تجاربه العاطفية، فان شاعرنا يقتفي أثر كامو بهذا المعنى على اختلافه معه في تمجيد الماضي والمستقبل بالذاكرة والحدس. ان الموت، حسب لسان حال شوقي بزيع، هو العدو، فلأكن مع الحياة بكل طاقتي المتاحة. واذا كانت تجاربه دليلا حيويا، شعريا كذلك، على حضوره، فلترث الاشياء تلك التجارب لتعيد انتاجها. وهي ذي قصيدة >الكرسي< تلتقط مزايا الكرسي من ارومته الخشبية المتصلة بالشجر، مرورا باستخداماته العملية، انتباها الى انه لا يفعل شيئا
لا يتكلم، مذ كفت جدته الشربينة،
عن غسل سراويل الشمس الصفراء،
وطرد ذباب الغفلة عن كفل القمر النائم
وهي حركات عضوية انسانية. فليس هذا كرسيا بقدر ما هو من طبيعتنا البشرية، التي سرعان ما تتصل بالقيم العليا من عدل وميزان وصولا الى المقدس بما توحيه الآية واسمها من اشباع روحي. ولكن هذا الكرسي ايضا عبد واداة للقسوة، اذ يمكن للجلاد ان يضع المحكومين عليه ويزيحه من تحت اقدامهم. فالكرسي، والأمر هكذا، هو شهادة على دورة الحياة من نشوة الطبيعة في الشجر حتى الموت في ساحة اعدام. وتمتثل قصيدة >خروبة كروم العنب< لهذا المسار على يد الشاعر الذي يؤنسن الشجرة، فيبدأ بها خروبه تراقب صبا الفتيات الناهدات، اي ترصد شهوات الشاعر المعلقة على الهواء، وتتابع انتقاله الحزين الى طور الكهولة بانتمائه الى اولئك الذين يمرون بالخروبة لكنهم
.. لا يرونها،
ولا يرون ظلها على جدار عمرنا،
الذي اصابه الشحوب
لتنتقل القصيدة بقفزة دراماتيكية الى الأمهات >اللواتي لم يزلن ينتصبن كالأشجار في خرائب الجنوب< وبهذه القفزة يحقق الشاعر صبوة الى التحام الذاتي بالموضوعي. فهو شوقي، وهو الكرسي، وهو شجرة الخروب، ويبقى الجنوب رمزا جامعا لتجليات الحياة شاهدا ومشهودا عليها، فتصب في روح الذئب - والذئب عنوان آخر قصائد المجموعة - بما هو كوكب في الأعالي، من حيث التسامي الرمزي، الا انه منتشر حتى في لحظة التسفيل:
ايها الإثم، كن لي سمادا،
لأبذر بين الرجال بذور الشقاق
فهو حامل وزر كل الذنوب لتكون >مشهرة مثل سيف على الموت<، فهو ملك الحس، حاشيته الرغبة والنشوة والطبيعة ملتحقة بصفاته البشرية: البراري احد ودبت ريحها، والجرود قبلته حفيدا لها، ويداه من قراصنة البحر، وما هذا التداخل بين الجسد والطبيعة الا توسلات دونجوانية للحياة بلغة حسية - جنسية ان شئت - لاقتطاف ثمرة الخلود مشوبة بالإثم، فالأشياء شاهدة على الذئب الذي يتشكل من تاريخه الشخصي
فيسير وئيدا
لكي يرث الأرض بعدي
وبالعودة الى كامو نتذكر ان صاحب اسطورة سيزيف كان يفضل التاريخ، بمعنى الحضور العياني العملي، على الخلود. اما خلود شوقي بزيع المزعوم فهو انتشار تجربته في الهواء حتى تكون علامة على ان شهواته كانت هنا.. ولكن هيهات!
حديث - قديم
واذا كانت القضية المركزية التي تشغل >شهوات مبكرة< هي صدمة العمر، بما تعنيه من خيبة الجيل وفوات الوقت والرد على الموت بالحب، فان هذه القضية سرعان ما تنتصب سؤالا يواجه طبيعة الشعر وآلية التعبير. فمن نافل القول اننا امام شاعر حديث فتح عينيه على القصيدة العربية متحررة من تركة الماضي. فهو بهذا المعنى لم يخض معركة القديم والحديث، لأن الجيل الذي سبق جيله كان قد انجز الانتصار. ولكن علينا الانتباه الى انه ما من كلمة اخيرة في الشعر. فلا طمأنينة في الشعر ولاثبات. واذا استتب الأمر لما اصطلح عليه بقصيدة التفعيلة - وهي تسمية ساذجة تصرف الاهتمام عن المشروع الى نوع من الآلية - فان هذه القصيدة محكومة بأسئلة جديدة. ولا يمكن القول مثلا ان ما نكتبه هو استمرار تلقائي لقصيدة السياب. وقد التقط الجيل الحالي مبدأ التدوير في الشعر القديم، فأمعن في التدوير حتى لم يبق من السطر الشعري - الذي كان بيتا - غير قافية قد تكون وقد لا تكون في خاتمة كل مقطع متصل.
اما على مستوى الاوزان، فان الشاعر لم يتورط في البحور المركبة كالخفيف والطويل والسريع والمنسرح وما الى ذلك، بل اكتفى بالبحور الصافية، فكتب ثلاث قصائد من الرمل، وثلاثا من المتدارك، واثنتين من الرجز، واثنتين من المتقارب، وواحدة من الخبب، اي انه لم يستنفد حتى البحور الشعرية ذات التفعيلة الواحدة، فهو لم يكتب شعرا من بحر الهزج. والاكتفاء بهذا النوع من الاوزان يكاد يكون سمة عامة لما يسمى بشعر التفعيلة. وبطبيعة الحال استغنى شوقي بزيع كليا عن قصيدة النثر فلم يكتب غير الموزون.
ولئن لم يشتبك جيل شوقي مع التقليدين في معركة، الا ان فرسان قصيدة النثر هم الذين تولوا شن الحرب عليه وعلى كل شعر موزون، وهو ما يعيدنا الى ما بدأت به من انه ما من شاعر كبير يكتب شعرا موزونا حسب من يكتبون قصيدة النثر. الا ان الأمر يتجاوز في جوهره تقنية الكتابة. فطريقة الكتابة هي لحظة اختيار. ومن حق شوقي بزيع ان يخلص لشخصية الداندي، الأنيق الذي يصفه المتحذلقون بالغندور، وهو ما يعني الامعان في الدقة والتوازن والحرص على المظهر الخاص. واذا كانت قصيدة البيت لا تلبي هذه النزعة الداندية الا بحدود مرسومة مسبقا، فان قصيدة النثر بانفلاتها العنيف من اطار الوزن قد اختارت ان تكون شعر المهمشين الذين يرفضون البيت والمأوى المعترف به. اما الشعر الجديد - المسمى بشعر التفعيلة - فيحمل في اهابه لهب الفوضى وارستقراطية الاتقان. وبالعودة الى شعر شوقي - كما هو في هذه المجموعة مثلا - تلفتنا الجسارة في الفكرة والتركيب معا. فالصورة عنده ليست تشبيهية بالمعنى الاستاتيكي، والنص ليس جزافيا ممتثلا للكتابة التلقائية، كما انه ليس عبدا للنسق الموروث. انه مقتحم ومفاجىء، لكنه ممسوك بالمنطلق الذي يجعلنا نميز الرقص من النظام المنضم من المسير العادي. فلا مناص من القانون وهو ما ترفضه قصيدة النثر التي لا يدري اصحابها، او معظمهم، انهم ممتثلون لقانون جديد، مختلف لكنه قانون.
والشاعر، اي شاعر، لا يستطيع مقاومة ان يوصف بالراديكالية، فنيا على الأقل، على ان راديكالية شعر شوقي بزيع تأتي من موقع الدهشة، فهو لا يضع هدفا نصب عينيه ويسجله امام القارئ، بل يصل اليه من حيث لا يحتسب. ذلك ان الشعر، بما هو حدس، ينبع من المجهول.. من لحظة آتية، وليس مجرد ذكريات تتداعى. وحين يتذكر شوقي بزيع فهو يمالىء ذاكرة برسم المستقبل.
ذلك هو الشعر.