كتابا " قصيدة القناع في الشعر العربي المعاصر" لعبد الرحمن بسيسو:
عمل متميز يعبر عن وعي راقٍ وعميق
بالشعرية العربية الحديثة
نعيم ناصر
"قصيدة القناع في الشعر العربي المعاصر" عنوان دراسة طويلة متميزة وفريدة، نشرها الكاتب عبدالرحمن بسيسو في كتابين من القطع الطويلة بلغ عدد صفحات الواحد منهما 345 صفحة، ونال عليها درجة الدكتوراه بامتياز من جامعة القاهرة.
حاولت هذه الدراسة، على امتداد الكتابين، ان تستكشف جوانب قصيدة القناع، وتسعى إلى استقراء الخصائص المتنوعة، التي تتسم بها الأقنعة في القصائد، وإلى تحديد العلامات الفارقة، التي تميز القناع عن غيره من المصطلحات، التي شاع استخدامها في النقد الأدبي، أو التي جُعلت ردائف له، أو قرائن دالة على حضوره.
وفي ضوء ذلك توخت الدراسة ازاحة الخلط الحاصل في الدراسات الأدبية والنقدية بين القناع وقصائده، من جهة، وبين مصطلحات وقصائد اخرى، من جهة اخرى. كما توجهت إلى اقتراح مفهوم للقناع يتأسس على وعي عميق بدوافع ظهوره، وبمسببات تحوله الى ظاهرة لافتة بالغة الأهمية وعميقة الدلالة في الشعر العربي المعاصر، وعلى استقصاء متأن يحاول ادراك آليات تكونه، وتباينات تجلياته، من خلال تحليل شبكة علاقاته بمصادره، وبالأقطاب، التي تشكله على اختلاف درجات ووتائر تفاعلها.
قال بسيسو عن تميز هذا البحث في الأدب العربي، في مقدمة كتابه الأول: " لم يكن لهذه الدراسة، وهي تختار موضوعاً ندر تناوله في دراسات سابقة تكرس نفسها لمعالجته، ولتقصي أبعاده وامتداداته، ولقراءة دلالاته، ان تنطلق من فرضيات تم تأصيلها، أو ان تشيد نفسها على نتائج سبق التوصل اليها، وانما كان عليها أن تحول هذه النتائج الى فرضيات، وأن تضع فرضيات جديدة، وأن تذهب مسكونة بطموحها ومستضيئة بوهج شموع أشعلتها دراسات رائدة، وبخاصة تلك التي قدمها د. جابر عصفور في مطلع الثمانينات متناولا القناع بالـتأصيل النظري، وبالتحليل النصي، إلى تلمس طريقها في دياميس غابة معتمة".
وتوجب على بسيسو، كما اشار في احدى المقابلات الصحافية، التي اجريت معه، ان ينجز، خارج رسالة الدكتوراة التي نالها بجدارة، دراسات تمهيدية استكشفت ظاهرة التقنع، وتعقبت مغامرة القناع في الحياة والتاريخ والابداع، منذ ان اكتشفه الإنسان، وعلى امتداد مراحل حضوره، وتنوع وظائفه في الطقوس الأسطورية، وفي الأجناس والأنواع الفنية والأدبية، وحتى ظهوره في القصيدة المعاصرة. وقال: " شكلت هذه الدراسات، والنتائج، التي توصلت إليها، منطلقاً لدراسة قصيدة القناع في الشعر العربي المعاصر، وخلفية عامة استضأت بها وأنا استجلي جوانب هذه القصيدة، أو وأنا اتعقب امتداداتها ووصلها بجذورها، واستكشاف ترابطاتها، عبر مساءلة القصائد عن الخصائص، التي انتجها حضور الأقنعة فيها، والأقنعة عن وظائفها في القصائد، كي ابني من خلال هذا وذاك مفهوما للقناع، وكي اميز بين تجلياته المختلفة باختلاف آليات تكونه ووظائفه، وطبيعة علاقاته بأقطابه وطبيعته". هكذا تمثلت الخطوة الإجرائية الأولى في بناء المتن الشعري لقصيدة القناع في الشعر العربي. وهي خطوة استقرائية- كما قال الكاتب- توجهت نحو البحث عن جذور محتملة لهذه القصيدة في التراث الشعري التقليدي.. "غير أن الوقوع على حقيقة ان هذا التراث يفتقر الى حضور قصيدة القناع، بالمعنى الذي يكون فيه التقنع مبدأ تكوينيا، وعلى حقيقة ان قصيدة بدر شاكر السياب: " المسيح بعد الصلب" التي صدرت العام 1957، هي اول قصيدة قناع تكويني في الشعر العربي، جعلنا نعتمد تاريخ صدورها منطلقا لاستقراء تجليات قصيدة القناع، ولبناء متنها في الشعر العربي المعاصر، ابتداء من لحظة ظهورها في رحاب حركة الشعر الحر وحتى سنوات قريبة".
وفي ضوء ما تقدم كرس بسيسو الكتاب الأول لـ " تحليل الظاهرة" ( المقصود بها ظاهرة القناع في الشعر العربي المعاصر) تحليلا نظريا يتأسس على معطيات المتن الشعري وعلى مكونات الشبكة الكلية للشعراء، والأقنعة، والأصول المصدرية، وعلى تنظيرات الشعراء والنقاد ذات الصلة بالمحاولات، التي بذلت في النقد الأدبي على طريق تأهيل مفهومي القناع وقصيدة القناع. كما اقتضى المنهج تكريس الكتاب الثاني لتقديم "دراسة نصية" تتناول قصائد القناع على تعدد انماطها وتباين تجلياتها بتحليل يتوخى اكتشاف خصائصها الفنية، وادراك الآليات والقوانين، التي تحكم بناءها وتكوين الأقنعة التي تخوض التجارب المروية فيها وتنطقها.
الكتاب الأول
يضم الكتاب الأول ثلاثة فصول، يتركز أولها: " تأهيل المفهوم" على تعقب القناع من لحظة اكتشافه، ومروا بانتقاله الى المسرح الشعري القديم "نصاً وتمثيلاً" وحتى لحظة ظهوره من جديد في الشعر المعاصر.
وانطلاقا من الفرضية، التي حاولت الدراسة تأصيلها، والتي مؤداها أن المنولوج الدرامي ليس نوعا شعريا، وانما هو شكل شعري كبير، يذهب هذا الفصل الى استجلاء خصائص القناع وقصيدته، وخصائص الشخصية الشعرية وقصيدتها، والى توضيح صلتهما بالمونولوج الدرامي، وبالأصوات التي تنطقه.
وقد افضت العروض والمناقشات والتحليلات، التي تضمنها الفصل الأول: " تأهيل المفهوم" الى استجلاء المفاهيم المتعددة لمصطلح القناع، والى التعرف الى خصائص قصيدته، والى تمييز القناع البلاغي، وهي الأمور التي أفضت إلى تأصيل فرضية" أن القناع ليس مجرد صوت ينطق القصيدة، أو مجرد غطاء لوجه الشاعر، أو نسخة مطابقة للشخصية او الكينونة، التي يحمل اسمها، وانما هو نتاج علاقة تفاعلية بين قطبين: أنا الشاعر، واناه المغاير ( الواحد او المتعدد) تتم في اطار تجربة رؤيا داخلية يحكمها ديالكتيك تماهٍ يتمظهر في ديالكتيك تناص يتجاوب معه ويوازيه".
وبما ان القناع، كما يراه الكاتب، ليس مجرد ظاهرة جمالية معزولة عن الحياة والفكر، فقد كرس لها الفصل الثاني: " دوافع التقنع" وهو الفصل الذي يمثل محاولة لاكتشاف الدوافع النابعة عن علاقة الشاعر بواقعه، وبذاته، وبالشعر، ولاستجلاء الوظائف، التي يمكن للقناع أن يؤديها في القصيدة ويوفرها الشاعر.
أما الفصل الثالث والأخير: " تشكيل المصادر" فإنه يتركز على الاجابة عن الاسئلة المتولدة عن حضور الأنات المغايرة كأقطاب في تكوين الأقنعة، وصوغ هوياتها، وعن تداخل النصوص المصدرية، التي تجلّي حضورها، وتقول تجاربها في نسيج القصائد، التي تسمها الأقنعة، وتخوض تجاربها وتنطقها.
حاول الكاتب على امتداد هذا الفصل ان يقرأ دلالات المعطيات، التي عرض لها وان يقيم صلتها بالمعطيات التي تنطوي عليها الجوانب الأخرى لظاهرة قصيدة القناع في الشعر العربي المعاصر، وبالمفاهيم التي يجمعها القناع، وبالدوافع، التي تقف في خلفية انبثاقة في الشعر، وتجسده في القصائد. ثم قام بتحويل جميع المعطيات الأساسية، التي عرض لها في هذا الفصل الى شبكات وجداول إحصائية، تسهل الاطلال على هذه المعطيات، وتمكن من التعرف على هذه الظاهرة في كليتها وشمولها، انطلاقا من ادراك جزئياتها ومعطياتها.
الكتاب الثاني
ضم الكتاب الثاني: "دراسة نصية" ثلاثة فصول: "أقنعة الأصل الطبيعي" و"أقنعة الأصل الإبداعي" و"أقنعة الأصل التاريخي" واتخذت هذه الفصول تسلسلا يتجاوب مع التعاقب الزمني للأنات المغايرة العائدة الى الأصول الثلاثة الكبرى. في الفصل الأول: "أقنعة الأصل الطبيعي" دراسة نصية للقصائد الثلاث التي يتضمنها، وهي "نبت متسلق" للشاعر العراقي سعدي يوسف، و " دفاع الأسد عنترة" للشاعر الفلسطيني معين بسيسو، و" مذكرات البحر الميت" للشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة.وفي الفصل الثاني" اقنعة الاصل الابداعي" دراسة نصية لقصائد الاقنعة الاسطورية: " ادونيس" و"جلجامش" للشاعر السوري ادونيس و "اوزوريس الجديد" و " انتيجونا" للشاعر الفلسطيني سميح القاسم، و"أوديب" للشاعر محمود درويش، وهي قصائد تسمى باسماء الأقنعة. وفي هذا الفصل، ايضا، دراسات نصية لقصيدتين هما: " اقوال اليمامة" للشاعر المصري أمل دنقل، و"سيف بن ذي يزن وحوار مع ابي الهول" للشاعر اليمني عبد العزيز المقالح. وفي الفصل، أيضا، دراسات لقصيدة الشاعر المصري صلاح عبد الصبور "مذكرات الملك عجيب بن الخصيب"، ولقصيدة الشاعر المصري محمد عفيفي مطر "مكابدات كيخوتية". ثم أخيرا دراسة نصية للقصيدة – الديوان: " اغاني مهيار الدمشقي" للشاعر ادونيس.
أما الفصل الثالث:"أقنعة الأصل التاريخي" فيتركز على تقديم دراسات نصية تنطقها اقنعة تحمل أسماء شخصيات تاريخية، فيقدم دراسة للقناع الديني على نحو ما يتجلى في قصيدة: "المسيح بعد الصلب للشاعر بدر شاكر السياب، وفي قناع الشخصية-الموضوع الذي يتجلى في قصيدة: "لعازر عام 1962" للشاعر اللبناني خليل حاوي. ثم يقدم دراسة لقناع الصوفي الذي تجسده قصيدة الشاعر عبدالوهاب البياتي: "عين الشمس أو تحولات محي الدين بن عربي في ترجمان الأشواق" ولقناع المتمرد في قصيدة الشاعر أمل دنقل: "كلمات سبارتكوس الأخيرة"، ولقناع العالم في قصيدة الشاعر محمد عفيفي مطر:"عن الحسن بن الهيثم". وأخيرا قناع الشاعر الذي تجسده قصيدة الشاعر البحراني قاسم حداد: "إشراقات طرفة بن الوردة". وقد انحكم اختيار القصائد، التي تم تقديم دراسات نصية لها باعتبارات ومعايير أوضحها مدخل الفصل الثاني من الكتاب الثاني، وهي تنصب على اتاحة أوسع الفرص لاختبار الفرضيات النظرية، والتعرف على التنويعات والخصائص المختلفة للأقنعة والقصائد العائدة الى النمطين الرئيسيين: البلاغي والتكويني، ولاكتشاف الآليات والقوانين الحاكمة تكوين الأقنعة وبناء القصائد.
وعقب صدور هذين الكتابين، اللذين يحملان العنوان نفسه:"قصيدة القناع في الشعر العربي المعاصر" عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت في العامين 1999-2000، كتب عنهما الشيئ الكثير. فقد قال الدكتور جابر عصفور: "في هذه الدراسة يؤسس عبد الرحمن بسيسو منهجا خاصا، وتصورا نظريا متميزا يحاول على اساس منه ان يقيم اطروحته، التي تحقق معنى الاطروحة في صيغها المنهجية الراقية". أما الدكتور صلاح فضل فقال:"اسجل موضوعيا، اعجابي بالدراسة وخشيتي من النتائج المترتبة عليها، خصوصا انني ارى ان كثيرا من الشعراء لا بد أن تغويهم كلمات القناع، أو تفتنهم الأحاديث حوله، فينصرفون وهم يضمرون كتابة قصائد قناع، ليصبحوا موضوعا للدرس". ورأى الدكتور عبدالمنعم تليمة ان الدارسة بحث جديد وفريد استطاع صاحبه ان يحدد موضوعه بدقة، وان يصف مادته ويحيط بها، وان يضبط المنهج وصولا الى ما اسفر عنه من نتائج.
وفي الختام نقول ان الكاتب عبدالرحمن بسيسو ولج، بهذه الدراسة (الكتابان)، طريقا صعبة مليئة بالمجازفات والمنعطفات الخطرة، وخرج منها بذخيرة ادبية قيمة لم يجاريه فيها احد من قبل اغنت المكتبة العربية.