اكون هنا.. ولا اكون
محمود ابو الهيجاء
أدرب نفسي على الزهد منذ فترة، لكن بصراحة ليس من اجل ان اصبح ذلك الناسك العازف عن أمور الدنيا وما فيها ولا حتى ذلك المتصوف الذي يشطح نحو مخاطبات فوق طبيعية واستيهامات تقطف >دراهم القدرة< من فضاء قريب.
لا.. لا أدرب نفسي من اجل ذلك ولا اريد ن اصبح كذلك وأنما أفعل لأبتعد اولا عن ممارسة أي شكل من اشكال السلطة والمسؤولية ولأبتعد ثانية وقليلا عن الناس، لأني اقتنعت أخيرا بما قالته- شمس الحكمة- ذات يوم بعيد: >في البعد عن الناس، أنس<.
وفي هذه الطريق التي ستكون وعرة دون شك، ينبغي ان ابتعد عني لأني ما زلت أصدق احيانا رواية العفوية وعدم القصدية وحق الآخرين في الخطأ وحتى رواية البراءة وغير ذلك من تمريرات ساذجة لخطايا >هؤلاء الآخرين< ونميمتهم ما يجعلني ابرر لهم اخطاءهم فأضج دائما نحو التسامح والنسيان.
وبهذا التوضيح فان الابتعاد عن الناس الذي قصدته هو أبتعاد عن هؤلاء الذين ضاق الصدر عندهم وضاق صدري بأنتهاكاتهم بعد ان بحثت لهم عن اكثر من سبعين عذرا فما وجدت لهم عذرا واحدا وأجزم وليسمح لي بذلك >أبا حيان التوحيدي< ان العيب بهذا الشأن تحديدا ليس بي، لكن ولأني لأ استطيع اثبات ذلك لأنه ما من أحد يقول عن >زيته بأنه عكر< فأني أفضل خيار العزلة التي اعرف انها ستكون كبيت القصدير الذي لا يستطيع ان يمنع رياح التكلم والتقول من التلاعب بالواحه.
وبهذا المعنى فانه سأكون هنا ولن اكون، وأعرف ان الفضل الوحيد للأزمات العامة هو في قدرتها على كشف وتعرية بعض اوهامنا التي نعيشها او نعيش بواستطها لنعرف اننا لهذا لا نصل عادة الى اي نتيجة تذكر، ومع هذا الكشف قد تسقط حينها هذه الاوهام فلربما نصل بعد ذلك الى شيء ما، شيء من الطمأنينة والامل بأن يصبح الغد أجمل.