الأعمى يقرأ الألوان ....
طارق الكرمي
![]()
الأعمى يُحسِنُ أنْ يُميِّز ما فِ اللّونِ من لوْنٍ .. ويعرفُ كيفَ تبدو لهُ الألوانُ حتى وانْ كانتْ تدورُ واحدةً .. وكيفَ يبدو مَلمسُها ..فقد كانَ تدرّبَ أنْ يدخلَ المرسمَ كلَّ يومٍ .. ليقفَ أمامَ اللوحاتِ أويقيمُ بيتهُ مرسماً يرتبُ الأشياءَ فيهِ كي تبدو لهُ اللّوحةَ أكثرَ حِدّةٍ .. ربما الزهريةُ التي يفوحُ منها القرنفلُ سيضعها بجانبِ النافذةِ وزجاجةُ النبيذِ سيبقيها تسيلُ عَ خشبِ الطاولةِ..ربطةُ عنقهِ الملوّنةُ و التي يشنقُ نفسهُ بها سعيداً كلَّ صباحٍ سيضعها قربَ رأسِ تمثالِ الحصانِ ..
هذا الأعمى يعرفُ كيفَ تأتي الألوانٌ ليَكْهنها.. وكيفَ تبرُدُ الألوانُ وكيفَ تبدو فِ الحقيقةِ منْ ملمسٍ ورائحةٍ ..تعلّمَ كيفَ لا يُخطىءُ فِ اللّونِ خطَّ اللّونِ .. وكيفَ ستُبدي الألوانُ ظلالاً حينَ يُدخلُ نبضهُ فيها ..مثلاً الأحمرُ يكونُ أكثرَ حرارةً .. الأسودُ يكونُ منَ الألوانِ أخشنها حينَ يسكنُ عتمته .. الرّمادِيُّ ناعماً ولهُ ثلجٌ .. الأزرق مابينَ الخشنِ والباردِ.... البنفسجيُّ لهُ نبأةُ الرّعدِ .. وماذا اذا اختلطتِ الألوانُ .. حينها حتى المُبصرُ سيغدو الأعمى .. لكنَّ المُبصِرَ لا يَملكُ ما يملُكهُ الأعمى أحياناً ..لا يُحسِنُ أنْ يتهجّى ما فِ الوجهِ منْ وجوهٍ كالأعمى..او مايلبسُ الناسُ من جلدٍ و أصباغٍ ..
هذا الأعمى يحسنُ أنْ يعرِفَ ما فِ اللّوحةِ من خطوطِ اللّونِ .. يُحسنُ أنْ يَبلُغَ لوحتهُ وأنْ يدخلَ جنائنَ اللّونِ .. أنْ يدورُ بالوردةِ 7 فِ جنة الألوانِ ولو سيظلُّ فِ جنّةِ الألوانِ رهينَ البياضْ .
طولكرم\السهل السّاحلي
ترويدة نساء المتوسط
النساءُ القادماتُ من الليلِ .. و النساءُ القادماتُ بالليلِ ثياباً .. والنساءُ المُتكحّلاتُ بالاثمِدِ و البارودِ و اللاّبساتِ جلداً فاحماً والنساءُ اللواتي يعطينَ للسّاحلِ اسماً من الفيروزِ سيخفقنَ أولَ الموجِ .. أنتَ فِ ليلِ هذا السّاحلِ ستسمعُ التراويدَ صفيّتها تأتي مع الرّذاذِ .. تأتي مَطْلعَ الرّذاذِ او تغدو التراويدُ خدَراً نقيعاً ..
اذ ينسابُ السّمكُ فِ سمائهِ كلّما تعالَيْنَ نساءُ السّاحلِ بالأغنياتِ وبقيثاراتِ اللؤلؤِ.. السّمكُ استطعمَ بماءِ الملحِ فِ العينينِ .. السّمكُ سينسابُ بمجرى العينِ .. هلْ تصغي الى الحورياتِ عندَ بابِ الملحِ.. عندَ الشاطىءِ كيفَ يُقمنَ أغنيةَ الفيروزِ.. كيفَ يكونُ البكاءُ يوداً وكيفَ تغدو العيونُ محاراً ..هلْ يبقى للأصابعِ طعمُ الموجةِ البكرِ .. سأصغي للصخرِ كيفَ يُتمَّ أغنيةَ الماءِ و للهذلولِ منائرَ الرملِ وللمرجانِ كيفَ يُقيمُ منْفسحَ السّماءِ ..
عَ هذا الشاطىءِ سأتركُ الهواءَ يدخلُ مابينَ النبضِ و النبضِ .. سأتركُ العشبَ رعداً فِ العينينِ .. وسأبصرُ كلَّ ما أبصِرُهُ بعينينِ زرقاوينِ .. لكنْ من أينَ أتتْ لعينيَّ الزُّرقةُ ..عينايَّ بُنيّتانِ تماماً حسبَ ما أذكرُ فِ مراياً من العشبِ.. كيفَ غدتُ هذي العروقُ الوشمَ .. الهواءُ الرّطبُ ظلَّ يَلحسُ شعري كيْ أنعسَ بينَ أصابعِ موجةٍ لا تنتهي .. سأصغي للنّبأةِ فِ الأصدافِ.. سأبقي بابَ البحرِ مفتوحاً عَ مصراعيٍّ عينيِّ امرأةِ السّاحلِ..
لكنَّ ليلَ السّاحلِ غيرُ ما تكهنُ .. يعني أنْ يكونَ هناكَ الهواءُ الذي يُبقيكَ تسيلُ بينَ أناملهِ .. أنْ يكونَ هناكَ الحانةُ التي ستسهرُ بها عندَ أنفاسِ البحرِكي يتناهى زبدُ الموجِ رغوةَ البيرَةِ .. أنْ يكونَ هناكَ صنّارةُ الفتى الذي يَعلقُ بها النجمُ المائيُّ .. لا .. فأنتَ ليسَ فِ أيِّ ساحلٍ سوى هذا السّاحلِ حيثُ خنازيرُ الحديدِ والهُدهُدُ الفولاذُ والقرشُ العائمُ تظلُّ تدخلُ ليلَ السّاحلِ حتى تفتحَ ليلها فِ السّاحلِ .. و لا يبدو الأمرُ كما قلتَ لكَ قبلَ أسطرٍ .. يعني أنَّ الأمرَ هنا مختلفٌ تماماً اذ انكَ لستَ فِ جنوبِ "فرنسا" او عندَ فجرِ اليونانِ او فِ سواحلِ الكاريبي .. انكَ هنا .. الهواءُ يُقفلُ عليكَ ..لا .. الهواءُ تَقفلهُ عليكَ خنازيرٌ حديدٌ وهداهِدٌ فولاذٌ .. أرتالٌ من الجرادِ المُخوَّذِ .. هذي الليلةَ ككلِّ ليلةٍ .. سبعُ قتلى وجرحى بالعشراتِ .. الرّصاصُ كانَ أكثرَ منْ أنْ يحصيهِ النبضُ و أكثرَ من مساماتِ اللّحمِ .. لكنَّ نبضكَ بالرّغمِ من ذلكَ كانَ يحصي الرّصاصَ اذ انَّ لقلبكَ ذخيرتهُ ولنبضكَ صلياتٍ أخرى .. هكذا هوَ السّاحلُ لدينا .. وهكذا هو الليلُ فِ السّاحلِ هنا .. حيثُ تدخلُ خنازيرٌ حديدٌ .. وهداهِدٌ فولاذٌ والقرشُ العائمُ وموسيقى المدافعِ لكنَّ السّاحلَ سيظلُّ يفتحُ موسيقاهُ بالنساءِ اللّواتي يأتينَ بالمرجانِ يأتينَ من 7 موجاتٍ .. والنساء الّابسات الليلَ أعشابَ القاعِ سيدخلنكَ جنّةَ الماءِ.. والنساء المُتكحّلاتِ بالاثمِدِ والبارودِ سَيُطلِقنَ تراويداً من أوّلِ البحرِ..النساءُ اللائي يأتينَ بأغنيةِ الفيروزِحولَ رأسِ الفتى القتيلِ .. بدّاعاتُ التراويدِ فِ ليلِ السّاحلِ للفتى القتيلِ .. حتى انكَ تودُّ أنْ تكونَ القتيلَ الفتى كي يُروِّدنَ لكَ أغنيةَ الفيروزِ كيْ تكونَ القتيلَ الذي يَهدأَ بأغنيةِ الفيروزِ القتيلُ الذي يَتستيقظُ أثناءَ الأغنية .. القتيلُ الذي يَطيرُ حتى القرارةِ حيثُ الحورياتُ ينتظرنَ أولَ الماءْ ..
طولكرم\السهل السّاحلي
قيامه صغيره
الرّيحُ فِ الخارِجِ مختلّةٌ اذ تضربُ نفسها بواجهاتِ العماراتِ والأبراجِ و أسلاكِ الهاتفِ و صناديقِ البريدِ وتعلقُ كَخرقةٍ عَ أبراجِ الهوائيّاتِ .. .. كأنها استسقتْ كلَّ كحولِ حاناتِ الليلِ .. هذي المكنسةُ المجّانيةُ تظلُّ تدورُ بالأوراقِ وغبارِ الأرضِ وأكياسِ الزِّبالةِ و اوراقِ اللّعبِ..منْ أينَ أتَتْ هذي الريحُ .. وأينَ ستمضي .. كأنها شعبٌ منَ الذئابِ الجريحَةِ .. تظلُّ لا مُتعبةً طولَ الليلِ ..ومُشرّدةً بلا بلادٍ
أسألها أيّانَ تهدّأُ .. متى ستدخلُ منزلها السرّيِّ .... أسألها أنْ تهدَأَ شيئاً كي تعودَ للأصابعِ دورَةُ الشّمعِ .. للشمعِ دورَة الأصابعِ .. أسألُ أيّانَ تهمَدُ كي ينامَ الغصنُ أو يورقُ عذقُ البرقِ فِ العينينِ .. الزوايا فِ المنزلِ أفواهٌ تصفُرُ .. الريحُ تدخلُ القصبَ وكأنَّ الناياتِ عظامُ بحّارٍ .. الرّيحُ تحفرُ أفلاجها فِ الرّيحِ .. الرّيحُ تنطَحُ منزلي .. فمن أينَ لها سنوفُ ثيرانِ "بابلَ "
الليلُ هذي الليلةَ يدخلُ بزجاجهِ الصّقيعِ كأنَّ الصّقيعَ زجاجُ الليلِ .. مرايا سكاكين فِ لحمِ الهدأةِ ..
منزلي دارةٌ فِ السّاحلِ ..قبالةَ المتوسٍّطِ .. المنائرُ مُغمَضتٌ السّاعةَ هذي ..السّمَكُ وَغلَ عميقاً فِ بيتِ الماءِ .. الأشرعةُ نصفَ مرفوعةٍ .. .. والبحّارةُ ينامونَ الآنَ فِ لوحةِالحانةِ السّاحليةِ .. ومنزلي يُقاوِمُ .. العشبُ يميلُ حذرَ المِقصّاتِ ..
هذي الرّيحُ ظلّتْ تلوكُ صخرَ الشاطىِ .. تفركُ أسنانها بالملحِ كي تظلَّ تلمعُ .. أعمدةُ الكهربةِ غدتْ أعجازاً من شجرٍ .. الشجرُ ظلّتْ تلبسهُ الريحُ وتطيرُ بهِ أجراساً وخلاخلَ عظمٍ..
سأبقي الآنَ فِ مكمني هنا .. أحاوِلُ موجةَ أصابعي..موجةالمذياعِ.. الفضاءُ مشوّشٌ اذا كيفَ للصّحنِ أنْ يلتقطَ الذبْذباتِ البعيدةَ .. أنْ يرتشفَ النبضُ موجتهُ التي ترتدُّ مابينَ المذياعِ والأصابعِ .. منْ فتحَ كتابَ "ليلى و الذئبِ " بينَ دَفّتيْ العتمةِ..
شمعتي فِ يدي .. والأبوابُ مؤصدةٌ و النوافذُ لنْ أجعلَ درفتها تطرفُ .. سأحوِّطُ شمعتي الأخيرَةَ .. سأقرأُ عليها كيْ تظلَّ الشَمعةَ .. كيْ تدفأَ العينانِ ..كي تتنفّسا رعدَ أنفاسِ الشمعةِ .. سأحَوِّطُ شمعتي بالهُدبِ .. آخرَ ماتبقى منَ الشَمعاتِ ومنْ ذبالةِ الهُدبِ ..
القيامةُ فِ الخارجِ ..شعبُ ذئابٍ جريحةٍ .. سنوفُ ثيرانٍ .. أجراسٌ عمياءُ ..
مالي اذاً ..سوفَ أبقى هنا فِ مكمني ..مُحَوِّطاً آخرَ الشمعاتِ ..
الرّيحُ يسيلُ لعابهاُ .. يسيلُ
شمعتي تتوَقدُ
أنفاسي تتوزّعُ الآنَ صلاةً ..
اني أتلو صلاتي بينَ الشّمعةِ و
الأجنحةِ السرِّيهْ
طولكرم\السهل السّاحلي
صباح
أعرفُ أنَّ الصباحَ قد حلَّ اذ أحسُّ بهِ يتمطّى عَ اسطحةِ المنازلِ يتمرّغُ فوقَ الأهدابِ .. ..هذي الساعةَ ساعتهُ بأنْ يحلَّ. قلتُ فلأفتح الصبحَ كما تعوّدتُ. لكنْ من يضمَنُ لي أنَّ الطيرَ سيغلُّ فِ الضلوعِ و أنَّ القلبَ عَ وشكِ الرّيشِ سيكونُ.. أنَّ القهوةَ ستستسرُّ فِ طعمها. لكني أعرفُ لو افتحُ نافذةَ الصبحِ أو أفتحُ الصّباحَ نافذةً لا شيءَ يتغيرُ فلا طيرَ يهبطُ وقدةً حتى آخرِ الرّاحاتِ أو يَغِلُّ وئيداً فِ الضلعِ ..ولنْ تستسرَّ القهوةُ فِ البُنِّ.. فهلْ لي من الرّشفةِ آخرها .. هل لي منْ مما أرشفُ صَفِيّتَهُ ..
آثارُ هُزُعٍ عَ حوافِ النوافذِ . بقايا ليلٍ عَ العشبِ العصبيِّ . لا خيرةَ فيما أختارُ الصبحَ . العالم نفسُهُ العالمُ والناسُ همُ الناسُ و الصبحُ مضبعةٌ . فهلْ أفتحَ مَلئمةً فِ الصبحِ. لا أريدُ هذي الموكرةِ
ضباعٌ فِ الشارعِ .. ضباع حدائقَ عامرة
كيفَ تكنزُ يومكَ هذا الصباحَ
هل سيدعوني العالمُ الى هدنةٍ مُدَّتها 7 رصاصاتٍ
لاشيءَ يضاهي أنْ أملكَ مسامعَ صخرٍ .. لا شيءَ يُضاهي
نعمة العمى
أيلول \السهل السّاحلي