الشاعر "كابر" يبتدع مذهبا يجمع بين "الإسلام" والبراهمية
عن امتزاج الخرافة مع الدين في الشعر الهندي الوسيط
نعيم ناصر
مثلما كان الشعر ديوان العرب وسجل حياتهم ومعتقداتهم كان الشعر ديوان حياة الهنود، كتبوا به تاريخهم ومذاهبهم وأدبهم بما يكتنفه من خيال واسع وخرافات امتزجت بالوقائع.
فروح الهندي الشاعرة بطبعها ترى أنه لا بد لكل شيء جدير بالكتابة عنه أن يكون شعري المضمون، يستثير في الكاتب رغبة في أن يخلع عليه صورة شعرية. فما دام الهندي قد أحس بأن الأدب تنبغي قراءته بصوت مرتفع، وأدرك أن نتاجه الأدبي سينتشر بين الناس ويدوم بقاؤه، بالرواية الشفوية، لا بالكتابة، فقد آثر أن يصب إنشاءه في قالب موزون، بحيث تسهل تلاوته ويسهل حفظه في الذاكرة. ولهذا كان أدب الهند كله تقريبا أدبا منظوما. فالبحوث العلمية والطبية والقانونية والفنية أغلبها مكتوب بالوزن أو بالقافية، أو بكليهما. حتى قواعد النحو ومعاني القاموس قد صيغت في قالب شعري. والحكايات الخرافية والتاريخ، تراهما في الهند قد اتخذا قالبا شعريا منغما.
والأدب الهندي، عموما، خصيب بالحكايات الخرافية، التي عبرت الحدود الى أقطار العالم. وبين الحكايات الخرافية والتاريخ تقع مجموعة كبيرة في منتصف الطريق من حكايات شعرية جمعها ناظمون دؤوبون أرادوا بها أن تكون متاعا للروح الهندية المحبة للخيال.
ففي القرن الأول الميلادي نظم ناظم يدعى" جناذيا" مائة ألف زوج من الشعر أطلق عليها "برهاتكاذا" أي "مسرح الخيال العظيم" ثم أنشأ "سوماديفا" بعد ذلك بألف عام "كاذاساتزاجارا" أي "المحيط الجامع لأنهار القصص" وهي قصيدة يبلغ طولها 21.500 زوج من الشعر. وفي القرن الحادي عشر نفسه، ظهر قصاص بارع مجهول الأسم، ابتكر هيكلا بنى على عمدانه قصيدته "فتالا بانكا فنكاتيكا" ومعناها "القصص الخمس والعشرون عن الخفاش الجارح". ولم يقتصر الشعر القديم في الهند، على ما كتب في الملاحم أو القصص التاريخية، فحسب، بل ظهر عشرات الشعراء، الذين يقرضون الشعر بمعناه المعاصر.. ففي منتصف الألفية الثانية الميلادية اتجه الشعر الهندي إلى أن يكون أقل موضوعية منه في أيام الملاحم، وازداد إقبالا على المزاوجه في نسيجه بين الدين والحب. والوزن، الذي كان مطلقا في الملاحم، يختلف في طول البيت الواحد، ولا يتطلب اطرادا في المقاطع الأربعة أو الخمسة الأخيرة من البيت، قد أصبح أدق التزاما للقاعدة، أو أكثر تنوعا، ودخلت آلاف القواعد المعقدة في العروض، التي تختفي عند ترجمته، وكثرت أساليب الصناعة في صياغة العبارة وفي ألفاظها. وظهرت القافية، لا في نهاية البيت، فحسب، بل كثيرا ما التزموها في أواسط الأبيات كذلك، وسنت قواعد صارمة لفن الشعر وازدادت الصورة دقة، كلما هزل المعنى. وقد ظهر من هؤلاء الشعراء في بلاط الحكام المسلمين، المئات، لعل أبرزهم الشاعر "بهارتريهاري" وهو راهب ونحوي وعاشق.
وفي القرن الحادي عشر تسللت اللغة الهندية الحديثة، حتى احتلت مكانها بدل اللغة القديمة الميتة، لتكون أداة التعبير الأدبي. وأول شاعر استخدم اللغة الحية، في نظمه هو "شاندبازداي" الذي نظم قصيدة تاريخية طويلة تألفت من 60 جزءا. ونظم "سورداس" وهو شاعر ضرير 60 ألف بيت من الشعر في حياة القديس "كرشنا" ومعجزاته.
وأنبغ شعراء الأدب المكتوب باللهجة الهندية هو "تولسي داس" الذي كتب ملحمته الدينية "راماشارتا – ماناسا" ومعناها "بحيرة من أعمال راما" قص فيها قصة "راما" وقدمه للهند باعتباره الآله الأسمى الذي لا اله الا هو. يقول تولسي: "ثمة إله واحد وهو راما خالق السماء والأرض ومخلص الإنسانية.. ومن أجل عباده المخلصين، جسد الله نفسه في انسان. فبعد أن كان "راما" الها صار ملكا من البشر، ثم من اجل تطهيرنا عاش بيننا عيش رجل من عامة الناس".
"كابر" ومذهبه الجديد
لقد تعمدنا التوسع في الكلام عن كبار الشعراء الهنود في العصر الوسيط، وارجاء الحديث عن "كابر" بقصد وضع القارئ في فضاء الشعر الهندي ومضامينه وأدواته الفنية، ليتمكن من استيعاب بعض من أشعار هذا الشاعر ومذهبه الجديد.
و"كابر" (الذي نجهل اسمه الكامل على رغم بحثنا في أكثر من مرجع أدبي يتناول الشعر الهندي، قديمه وحديثه) يعتبر أعظم شاعر غنائي في الهند الوسيطة (1440-1518) وهو نساج من "بنارس" وهي إحدى المدن الهندية المهمة في العصور الوسطى، أبوه مسلم وأمه براهمية. سعى إلى توحيد الهندوسية والإسلام في مذهب واحد لا يعترف بالمعابد ولا بالمساجد ولا الأوثان، ولا يؤمن بالطبقات ولا الختان، ويؤمن باله واحد هو الله.
وطفق يقرض شعرا بلغة الحديث الهندية، بلغ الغاية في الجمال، ليشرح به مذهبه الجديد. قال كابر عن نفسه: " أنا ابن "رام" أو "الله" وأقبل ما يقوله الشيوخ جميعا.. يا الهي، سواء كنت "رام" أو "الله" فأنا أحيا بقوة اسمك. ان أوثان الآلهة كلها لا خير فيها، انها لا تنطق.. لست في ذلك على شك، لأني ناديتها بصوت عال.. ماذا يجدي عليك أن تمضمض فاك أو تسبح بمسبحتك، أو أن تستحم في مجاري الماء المقدسة، أو أن تركع في المعابد، إذا كنت تملأ قلبك بنية الخداع وأنت تتمتم بصلاتك، أو تسير في طريقك إلى أماكن الحج".
جاء هذا القول منه صدمة قوية للبراهمة.. ولكي يثنوه عن مذهبه أرسل إليه كهنة البراهمة غانية لتغويه، لكنه حولها إلى عقيدته، ولم يكن ذلك عسيرا عليه لأن عقيدته لم تكن مجموعة من قواعد جامدة، بل كانت شعورا دينيا عميقا:
"هنالك يا أخي عالم لا تحده الحدود وهنالك "كائن" لا اسم له، ولا يوصف بوصف. ولا يعلم عنه شيئا الا من استطاع ان يصل الى سمائه وانه لعلم يختلف عن كل ما يسمع وما يقال، هنالك لا ترى صورة، ولا جسدا، ولا طولا، ولا عرضا فكيف لي أن انبئك من هو؟ يستحيل أن نعبر عنه بألفاظ الشفاه، ويستحيل أن يكتب وصفه على الورق، إن الأمر هنا كالأخرس، الذي يذوق طعاما حلوا – كيف يصف لك حلاوته".
واعتنق كابر نظرية التناسخ، التي ملأت الجو من حوله، ولذلك أخذ يدعو الله – كما يفعل الهندوسي – ليخلصه من أغلال العودة إلى الولادة والعودة إلى الموت، وكانت مبادئه الخلقية أبسط ما يمكن أن تصادف في هذه الدنيا من مبادئ:
"عش عيشة العدل، وابحث عن السعادة عن مرفقك... اني ليضحكني أن اسمع السمك في الماء ظمآن.. إنكم لا ترون "الحق" في دياركم، فتضربون من غابة إلى غابة هائمين على وجوهكم!
هاكم الحقيقة! اذهبوا أين شئتم، إلى "بنارس" أو إلى "مأثورة" (مدينة معروفة في الهند). فإذا لم تجدوا أرواحكم، فالعالم زائف في أعينكم.. إلى أي الشطآن أنت سابح يا قلبي؟ ليس قبلك مسافر، كلا بل ليس أمامك طريق..
ليس هنالك جسم ولا عقل، فأين المكان الذي سيطفئ غلة روحك؟
أنك لن تجد شيئا في الخلاء.... تذرع بالقوة وادخل الى باطن جسدك أنت، فقدمك هناك تكون على موطئ ثابت.
فكر مليا يا قلبي! لا تغادر هذا الجسد إلى مكان آخر.. ان "كابر" يقول: اطرد كل صنوف الخيال من نفسك، وثبت قدميك فيما هو أنت".
ويقول مدونو ترجمة الشاعر "كابر" أنه بعد موته اعترك الهندوس والمسلمون على جسده وتنازعوا الرأي، أيدفن ذلك الجسد أم يحرق؟ أما الخرافة فتقول أنه بينما هم في تنازعهم ذاك، رفع أحد الحاضرين الغطاء عن الجثة فإذا بهم لا يرون تحته إلا كومة من الزهر، فأحرق الهندوس بعض ذلك الزهر في "بنارس" ودفن المسلمون بقيته، وأخذت أناشيده تتناقلها الأفواه بين عامة الناس بعد موته.
ورفع آخرون"كابر" إلى مصاف الآلهة.. وهناك طائفتان صغيرتان في الهند تتبعان مذهب هذا الشاعر الذي حاول أن يوحد المسلمين.
ولم يقتصر ابتداع الأديان على الشعراء، فحسب، بل شملت القادة والولاة الذين حكموا الهند، بمن فيهم المسلمون. وقد ذكرت كتب التاريخ الهندية الحديثة أن محمد بن هيمون المعروف باسم "أكبر"، (تعني الحاكم البالغ في عظمته حدا بعيدا) وهو من المغول (1560-1605) ابتدع عقيدة جديدة ضمت أهم تعاليم العقائد الهندية المختلفة في صورة مبسطة، مضافا اليها طقوس من عبادة الشمس والنار، وفيها عنصر شبيه بالمذهب"الجانتي" الهندي في إيثاره للامتناع عن أكل اللحوم، وعد ذبح الأبقار كبيرة من الكبائر. وإيمانا منه بهذا المذهب أصدر "اكبر" مرسوما جعل الاقتصار على اكل النبات الزاما على الناس جميعا مائة يوم كل عام. ثم حرم تشييد المساجد وصيام رمضان والحج الى مكة، واقام معبدا للديانة المتحدة الجديدة، ليكون رمزا للأمل الذي كان يضطرم في صدره، وهو أن يكون أهل البلاد جميعا بفصل العقيدة الجديدة لا تختلف كثيرا عن المذهب، الذي ابتدعه"كابر" إلا أنها لم تعمر طويلا وتلاشت بموت هذا الحاكم "المسلم" ولم يبق منها إلا بعض ما نظم من شعر هندي في بعض طقوسها.