عروق الذهب في صخور الصحافة
حسن البطل
صار لسلوى بكر أن تغدو موضوعاً في الصحافة الأدبية، المصرية بخاصة، بعدما كانت زميلة محررة في الصفحات الأدبية لمحلية "فلسطين الثورة" ابان حقبتها القبرصية.
كمدير تحرير أخذت عليها، ناقدة ومحررة، داء الثرثرة والحشو الذي يميّز أقلام الزملاء المصريين، لكن كقارئ، بعد عشرين عاماً، لم أحظ، بعد بقراءة أيٍّ من نتاج مرحلتها الأدبية كمؤلفة. لذا، رحتُ أقرأ، بشغف واهتمام، مقابلتها، الناجحة والمطوّلة، مع القسم الأدبي لصحيفة "الرأي" الأردنية.
سلوى، مثل عديدين، جاؤوا مجلتنا حاملين جينة الأدب أو بذرته، ونبتوا في مستنبتنا، نضجوا وصاروا كتّاب روايات وكتباً نقدية.. وأما معظم زملائنا الشعراء، فظلّوا شعراء.. إلاّ في النادر.
سليم بركات، مثلاً ناصعاً، واحد من أبرز هؤلاء النادرين. شاعر مجدد ومجيد، منذ قصيدته الرائعة "قنصل الأطفال". كردي القومية، شريك خندق الدفاع الفلسطيني؛ زميل القلم، جاء الى الشعر العربي مدججاً ببلاغة عربية، فسيحة وعميقة وآسرة.. ثم، في المنفى القبرصي تصدر الرواية الكردية بالعربية، منذ باكورته الملحمية "فقهاء الظلام"، التي عكف الجنرال - احتياط ماتي بيلد على ترجمتها للعبرية، ففرغ منها قبل أن يجهز عليه السرطان.
الكردي سليم لم تستوطنه العروبة السياسية، بل قضية فلسطين، واستوطن لغة الضاد كما لم تستطع سوى قلّة القلّة من فصحائها.. وبعد أوسلو قال "وداعاً". عاشق الثلج في سفوح طوروس هاجر الى أقصى الشمال الأوروبي.
المحرر الأدبي لـ "فلسطين الثورة" في حقبتها البيروتية، الشاعر عز الدين المناصرة، حمل بارودته في الحرب الأهلية، وكتب شهادة: "عشاق الرمل والمتاريس" ثم حمل زوّادته الأدبية الى كرسي الأدب المقارن في الجامعات الجزائرية والأردنية. صار يؤلف كتباً نقدية في نظرية الأدب المقارن. وجد انشقاق 1983 معضلة شخصية، ثم وجد في أوسلو "شربة خروع". عدنا وأكلنا عنب الخليل، وهو الخليلي بقي على عهد "جفرا" لحبيبها.
زميل ثالث، جاءنا من أدب القصص فعلاً، طريداً من الأرض المحتلة، منتصف السبعينيات، حائراً في حكمة ترويض قلمه للصحافة الأدبية. إنه محمود شقير، أحد القاصين الأكثر دأباً على تطوير القصة القصيرة الفلسطينية.. كما في آخر مجموعاته، حيث طل فصل من قصص قصيرة جداً يترابط كأنه قصة قصيرة، وفصول القصص كأنها مشروع رواية.. أو كأن خبرة التحرير الأدبي صارت عوناً آخر لأسلوبه القصصي.
زميلنا التونسي، محمد علي اليوسفي، المتمكن من الفرنسية، انصرف، في القسم الأدبي الى سد مجال ينقصنا: النقد الأدبي الأجنبي، وتقديم أعمال حائزي جوائز نوبل في الأدب والشعر والمسرح، فور إعلان فوزهم. زاويته "متابعات ثقافية"، ثم "الأسبوع الثقافي"، رفعت مستوى المجلة ثقافياً.
في الشام تعرّف الى ماري عيلبوني، والى بلاده عاد مع زوجته، ليكون أديباً تونسياً بارزاً، يضاهي ابنه عمّه الناقد محمد لطفي اليوسفي.
ضربت صفحاً عن شعراء جاؤونا "صعاليك" وشبّوا في مكاتبنا شعراء معروفين، ربما لأنهم كُثْر، أو لأن معظمهم راود الرواية وفشل، أو حاول القصة فلم يوفّق. لا أدري مبعث عقدة الشاعر من الروائي، وإن كنتُ أفهم عقدة الصحافي (مثلي) من الروائي.. وهي موجودة حتى لدى بعض المحررين في "الأيام".
بين طرف اللسان وطرف القلم، نسيت كنية الزميل محمد، لنقل إنه محمد (أر. بي. جي). خرج من أخطر معاركه مصاباً بصمم في إحدى أذنيه، لكثرة ما أطلق قذائف من غرفة صغيرة. حوصر أياماً، تسلّل وعاد بضحكة لا تضارعها ضحكة.. ثم الى الفلسفة والفكر مع مؤلفه الجيد "المؤتلف-المختلف". ولعلّني أقدمه في عمود خاص.
شخصياً، أشعر بشيء من الحسرة (وبشيء من الحسد لرئيس التحرير وللزميل أكرم مسلم) لأن الثقب الأسود الصحافي امتصّني تماماً، على رغم بداياتي الواعدة (كما يقولون؟) في القصة القصيرة، قبل أن أغرق في صهير (لافا) الصحافة السياسية.
يعزيني، قليلاً، أن محمود درويش يرى في بعض أعمدتي نفَسَاً شعرياً، وآخرون يرون في بعضها الآخر قصصاً قصيرة.
تبقى الصحافة مثل المستنبت الذي يختبر جودة وقابلية الجينات الأدبية، أو البذور الأدبية، على النمو، ويبقى التحرير الصحافي خير معين للقلم الأدبي في تكثيف عياراته، وصقل قلمه.. باعتبار أن روائيين عظاماً بدأوا صقل مواهبهم في مكاتب التحرير الصحافي.
أخيراً، ليس صحيحاً أن المقالة السياسية تجفف خيال الشاعر، لأن زميلنا غسان زقطان مثلاً، يبدع في القصيد، وينجح غالباً، في المقالة السياسية، أو العمود الصحافي.
حسب شهادته، فهو يعاني في مقالته أكثر مما يعاني في صهر قصيدته؟!