حين يقلق العشب
أزهار أحمد
العشبُ حين يقلق، تتورم أفئدةُ الدود، تخرج من جسدها اللدن مسامير تنخر بطن الأرض، ينبتُ العشبُ كريهاً لونه أحمر قان، قد تؤرجحه ريح موسمية فيلتهب، أو تنزعه عاصفة غاضبة فيتحول أمواجاً من حمم، لكنه قَلِقٌ يزدحمُ بالنور، لأنه عشبٌ والشمس فوق طياته أياً كان.
كل هذا، لأنَّ العشب يَقْلَق ولا يجدي التساؤل هنا، ماذا لو غضب العشب حين لا يجد أرضاً؟ أين يرص جذوره كي يقلق ويفرغ هويته المهملة؟ أنا أقول إنه يقف تحت خط الاستواء مباشرة ويذهب للجحيم.
يغار العشبُ من عشبٍ مغمور بالوهج، يحرسه خرطومٌ أنيقٌ من المطاط المُقَوَّى وتندفع منه مياه سُدَّدَ ثمنُ الجالون منها مقدماً، وتتخضب قاعدته بسمادٍ مُخصبٍ ومغذي وتحرص على أطرافه سيدةٌ لامعةٌ أظافرها، منتقاةٌ بعناية من حديقة اللوز وبلون الرمان. ألا يحق للعشب بلا هوية أنْ يحنق من عشبٍ محروس يتمتع بقلقه ويغريه صرير أفئدة الدود الأملس.
حتى قَلق الأعشاب مسوغ، منقى، محدد، له مكان أو لا، لكنه يَهْدَر بقصر قامته ويمتعضُ من موته تحت أحذيةٍ عاتية، ترتطمُ بصفحة وجهه أو نهايته أحياناً. العشبُ الذي يحمل هوية الوجود حين يَقلق يمتعضُ من الأحذية ويتمنى لو صُنِعَت بأطرافٍ شوكية. والعشب العاري من الحياة لا يمتعض من شيء حين يقلق، عدا لسعة فراشة برية أو دودة في خصام مع أهلها.
مع هذا لا يجدر بالعشب أنْ يقلق، أقصد لماذا يقلق العشب أساساً وهو بلا عينين؟ لماذا كل هذا الجدل القائم على قلق العشب، عينان فقط حين تفقدان وجهاً تلبسه وقت العمى ووقت البصيرة هما من يجب عليهما القلق.
العشب حين يقلق أو القلق حين يفتك بالعشب، رفاهيةٌ كونية دفع فاتورتها عجوز أصلع لا يفرق بين الأوراق النقدية والسبائك الذهبية، ولا علاقة للثراء هنا ولا للفقر، لكن عينان وحيدتان تستعيدان رفاهيةَ القلق الجميل حين ينسل من الهواء إلى أطراف العشب.
الإدراك لم يكتمل هنا، أشعر بهذا، كهاتين العينين الجافتين، ولكن من حقي حين أرى هذا أو ألمس ذاك أن أقول إنَّ للعشب حين يقلق فرادةً نزيهة لا علاقة لها بالقلق من الأساس وإلا لماذا يذهب نور عينين وحيدتين حينما تقلقان ولا يموت العشب؟
كتبت هذا النص ونمت بعد أرق طويل.
حلمت بالعشب، لكن حلمي بدد تلك الفكرة من رأسي، العشب كان طويلاً جداً في الحلم، كان أنيقاً يتأرجح تحت وهج الشمس الخريفية ويبتسم طوال الوقت، كأنه يقول لي إدراكك الأخير صحيح لأن من ليس له عينين لا يعرف القلق وأنا كائن أعيش بلا عينين وتلك ميزة أحملها في قلب الدود الذي يراني فقط، أنا مبتهج أينما كنت ولوني أخضر لأن الأخضر يحمل نكهة العينين.
احترامي أيها الأخضر
ولك من عينيّ سلامٌ لتلك النكهة التي وزعتها من الجفن إلى الجفن.
أزهار أحمد
كاتبة ومترجمة