لماذا لا يزهر اللبلاب؟
حسن البطل
لا يزهر نبات "اللبلاب" وتنفجر نبتة "المجنونة" بالزهور. سنقول: للنبات حكمة النبات، أو سنسأل نفوسنا الحسيرة، في أيام الميلاد الحامضة في بلاد الميلاد، عن حكمة الثورة المديدة التي تتسلق، مثل اللبلاب، حائط الجار وحائط الغريب.. وتكبو على حائط بلاد الميلاد.. أو تنفجر خيبة مجنونة. متى نجن فرحاً.. ولا ننفجر نضالاً مجنوناً، كما فعلنا في مستهل الألفية الثانية؟
لا يزهر "اللبلاب" لأنه يراوغ وردة المسرّة في السماء، ولأن السماء أعلى من أي جدار يزحف عليه نبات اللبلاب.
كلا.. بل يزهر اللبلاب على غير جدار.. وعلى ثوب الفلاّحة الفلسطينية، متسلقاً بأزاهيره الزاهية من "لوزة" القدم الى عظام الكتف.. ثم يتدلى الى عظام الرسغ.
كلا.. بل يزهر اللبلاب أسبوعاً في العام، من الميلاد إلى اليوم الأول من العام الجديد.. ولكنها زهور مشحونة بالكهرباء التي تغمز للفرح أن ينزل معها الى حلبة الرقص.
كل مطلع عام يذهب العالم الى بهجة الفرح والسرور؛ ونذهب الى فورة غضب أخرى. نتذكر الذين ماتوا من أجل فرح غامض مراوغ، ونزرع المقابر بالذين يموتون من أجل أن يزهر لبلاب الثورة أخيراً.. ولو وردة يتيمة وساطعة. الوردة تبقى في قبّة السماء، بينما تتوالد الجدران في أرض الديانات السماوية الثلاث.. وفي نفوس الناس فيها.
قبل ساعة الميلاد بيومين، يوجه البطريرك ميشال صباح "رسالة الميلاد". سأقتبس من رسالته هذا العام: "الاقتتال الفلسطيني لا يقود الى الحرية، بل يقيّد الناس في عبودية الكراهية والحزبية والتنافر".
قبل ساعة الميلاد بيومين، كانت الشابة الأميركية دانييلا دغلر تسوح في ساحة كنيسة المهد ومحيطها. سأقتبس منها في تصريحها الى أميرة حنانيا، من وكالة "معا": "بصراحة، جئت لمدينة بيت لحم لرؤية الجدار. أصدقائي في بوسطن يتحدثون عنه دائماً".
سؤال: "هل صار الجدار مزاراً للسواح، بدل كنيسة المهد واحتفالات مدينة الميلاد"؟
جواب: "أنا حزينة جداً، لأنني لا أرى في عيون الفلسطينيين فرحة العيد. أنا مستاءة جداً من الجدار، فهو عالٍ وفاصل حقاً".
على الجدار يرسمون قليلاً من الورد، قليلاً من حَمَامات السلام المقيد.. كثيراً من عبارات الغضب.. ومن الجدار شرقاً الى النهر يغيب الفرح، فرح عيد الميلاد، وعيد رأس السنة.. وعيد الوقفة على جبل عرفات في مكة المكرمة. لا طعم لـ"عيد الثورة" في "بلاد الانتفاضة".
إذا غاب الفرح حضر الحزن، وإذا حضر الحزن انفجر الغضب.. أو انفجرت سخرية الناس من الناس.. وشارك مسرح القصبة في أعياد الميلاد بعرض يقدمه المركز الثقافي الفرنسي - رام الله، عنوانه "اليتامى"، أو يدعو مسرح القصبة الى بهجة حك الجلد والروح بعرض "سيرك من خلف الجدار" كمقدمة لاستقبال سهرة العام الجديد، برعاية مؤسسة عبد المحسن القطان.
كم مرّة سخر مسرح القصبة من الحاجز، من الجدار، من الناس الجياع المدججين بالسلاح، الذين يقتتلون من الجدار الى الحاجز، ومن الحاجز الى المعبر.. وعلى جانبي المعبر، وفي المعبر!
كيف انفجر جنون الغضب الدامي بين عيدي حركة "حماس" وحركة "فتح"؟ وكيف صارت الهُدَن المهتزة مع الاحتلال هُدَناً مهتزة بين الفصائل المتقاتلة في الشوارع؟ شوارع تمتلئ بين موت وموت بجنازات القتلى المهرولة.. لماذا يهرولون الى القتل والقتال؟ لماذا يهرولون بجثث ضحايا القتل والقتال؟
هرولتُ، أمس مساءً، الى قاعة فندق كازابلانكا - رام الله، لحضور حفل زفاف لارا إلى بشار، لمجرد أن بشار ابن صديقي اللاجئ من حروب المنافي على الفلسطينيين الى حروب الفلسطينيين مع المحتلين، وحروب الفلسطينيين مع الفلسطينيين.
.. ولمجرد أن بطاقة الدعوة الى العرس كانت مطرزة بتنزيل الخيوط الملونة على الورق السميك والصقيل.. ولمجرد أن بشار ولارا سيزرعان نبتة لبلاب مزهرة. "فرح بسيط: يزوجون أولادهم لبناتهم".
"ساعة الميلاد قلدتني" قال الشاعر، أو ساعة الميلاد كبّلتني.. بين شروط الوحدة الوطنية وشروط عقد قران السلطة بالدولة، وحركة "حماس" بالمسؤولية السياسية، أو بشروط الاعتراف الدولي بها، أو شروطها للاعتراف بدولتين على جانبي "خط أخضر".. أو جدار فاصل يشبه اللبلاب ولا يشبهه.
حـســن البطــل