في الحياة "لليت" و "حواء"
فأيهما تختارين؟
نعيم ناصر
لم يكن يرغب في أن يثير الجدل الذي جرى بينهما في آخر لقاء جمعهما، خصوصاً في كافتيريا الديوان في رام الله، الذي يرتاده عادة المثقفون وأشباه المثقفين وأدعياء الثقافة.. ولكنها عندما أخذت تناقشه في آخر مقال كتبه بعنوان "لليت"، التي تقول الأسطورة أنها أول امرأة تمردت على الذكر المتمثل بآدم، ورفضت الخضوع له، كونها حرة التصرف بجسدها، وهجرت الجنة التي كانت تعيش فيها معه ونزلت الى الأرض.. فسألته عن مدى قناعته بتصرف "لليت" هذا، ومدى مطابقة مقولة حرية تصرف المرأة بجسدها مع الواقع الاجتماعي القائم، ليس في فلسطين، فحسب، وانما في معظم الدول العربية والإسلامية.. فأجابها، مخمناً أنها ستثير معه النقاش الذي جرى بينهما مؤخراً، أنه مقتنع أشد الاقتناع به.. فكما للرجل حرية التصرف بجسده، يحق للمرأة هي الأخرى أن تتصرف بجسدها، ولا تسلمه لأي رجل يطرق بابها ليعبث به، تحت مسميات يفرضها المجتمع تحت يافطة الزواج. فيصبح هذا الجسد مجرد آلة يفرغ فيها الرجل كبته الجنسي، دون أن يتيح للمرأة أن تستمتع بما استمتع هو به اقتناعاً منه أن جسد امرأته أصبح ملكه وحده، وليس ملك زوجته.
وبدا أن هذا الكلام لم يعجبها وأخذت تتحدث عن العادات والتقاليد، التي يجب أن تراعى، حتى ولو كانت تقيد المرأة، لأن أي خروج، في رأيها، على هذا المجتمع يعني الدمار لها ولأسرتها.. وختمت حديثها بلهجة هجومية قائلة: "يبدو أنك تعيش في المريخ وليس في الواقع".
كلامها هذا لم يثره، بل على العكس شجعه بأن يفصح أكثر عن آرائه، التي يعتبرها المقربون منه متطرفة، فقال: "إن المرأة مثلها مثل الرجل، انسان له احاسيسه ومشاعره وطموحاته ورغباته وشبقه الجنسي ونزواته... الخ، وهذا المجتمع الذي تتغنين به يسمح بها للرجل، ويحرّمها على المرأة.. لأن هذه الإنسانة قبلت بأن تتنازل عنها للرجل وتخلت عن حريتها في التصرف بجسدها.. وقبلت عن طيب خاطر بأن تكون عبدة له".
وفاض بالحديث، ليعزز أراءه، عن عادات الزواج في بلادنا، حيث يكون المبادر الى ذلك الرجل، وليس المرأة، مع أن الإثنين معنيان بهذا الأمر.. فإقدام الرجل على البحث عن زوجة يعتبر مشروعاً.. في حين أن بحث المرأة عن رجل يناسبها يعتبر غير مشروع ومن المحرمات. والأدهى من كل ذلك، يضيف، أن دافع الرجل الأساسي لذلك، هو الكبت الجنسي، ورغبته في الاستمتاع بجسد امرأة أصبح ملكه.. دون مراعاة لمشاعرها أو لرغباتها.. أو احترام حقها في الاستمتاع بجسده..
ورغم يقينها أن كلامه هذا منطقياً، ويثير تمرداً في داخلها على واقعها وواقع المرأة عموماً، إلا أنها شرعت باستفزازه ليفصح أكثر عن أفكاره، فقالت له: "ماذا تريد منا أن نفعل ونحن مكبلين بمجتمع ذكوري لا يرحم، ويعد على المرأة أنفاسها؟ هل تريد منا أن ننظم مسيرات في الشوارع نطالب فيها بحرية التصرف بأجسادنا؟"، فأجابها ومظاهر الانفعال أخذت تعلو وجهه، أنه لا يقصد بما قال الدعوة الى القيام بمسيرات، وانما الى التمرد على الواقع، بحده الأدنى على الأقل، وهو حقها في أن تعيش قصة حب مع من تريد وترغب في أن تتزوجه، وأن ترفض طرّاق بابها الذين يرغبون بمومس، وليس بزوجة.. بآلة تفريغ، وليس بكائن له مشاعره وأحاسيسه.. وتساءل فيما اذا كان من حق المرأة، التي قبلت ببيع جسدها لرجل طرق بابها بقصد الزواج، في أن تحب وتعشق رجلاً آخر صادفته وخفق قلبها له..وقبل أن يتيح لها لتجيب عن سؤاله أجاب هو عنه بالقول إن من حق المرأة، التي لم تتزوج عن حب، أن تهوى وأن تعشق، لأن المشاعر لا سلطان لأحد عليها، وهي تنفجر في داخل الإنسان كبركان لا يهمد.. ولا يستطيع أحد أن يكبتها في داخله.. وهنا، يضيف، على المرأة أن تختار إما أن تكبت مشاعرها وتقبرها، وتعيش عيشة تعيسة ذليلة، كما يطلب المجتمع منها ذلك، أو أن تتمرد لصالح جسدها ومشاعرها، كما فعلت "لليت"، أو أن تجمع بين الباطن والمعلن، على نهج القرامطة. بمعنى أن القلب والجسد لمن تهواه، وآلة التفريغ لمن لا تهواه، مراعاة لهذا المجتمع الذي لا يحترم المرأة ولا يقدر مشاعرها.
وهنا قاطعته متساءلة عن مكانة الأولاد، وسط فلسفته تلك المنحازة الى المرأة دون حدود، ودون مراعاة لظروف الأسرة، أو لمشاعر هؤلاء الأطفال اذا ما لاحظوا شيئاً ما على أمهم، وانساقت وراء عواطفها ومشاعرها الى رجل آخر غير أبيهم.. فأجابها بالقول إن على المرأة هنا أن تنسى أنها امرأة لها أحاسيس، ومشاعر وعواطف، وتتحول الى كائن مستلب وظيفته تلبية رغبات زوجها الجنسية متى أراد، وخدمة منتج هذا الزوج من الأطفال، الذين ينتسبون الى آبائهم، دون أن يكون للمرأة حق انتسابهم اليها. وفي حال تمردت الزوجة على واقعها القاسي هذا وقوبل هذا التمرد بالرفض وطلب الانفصال عن الزوج، فإن الأولاد، في حال تجاوزا مرحلة الطفولة سيكونون من حق الزوج.. وحتى حقها بالانفصال مرتبط برغبات الرجل، وليس برغبات المرأة.. وستكون في كل الأحوال هي الخاسرة.. فلا هي عاشت حياتها كزوجة وكأنثى، ولا كأم وسط زوج محب وأطفال ينتسبون اليها قانوناً، وليس عاطفياً.. ويستطيع الزوج مسلحاً بالقانون الذكوري انتزاعهم منها..
ويبدو أن صاحبنا، وهو مستسرسل في الحديث، لم يلاحظ أن وجه صديقته أخذ بالتلون بين الحمرة والصفرة، وبين التغضن والانفراج، وازدادت حيرتها بين منطق هي مقتنعة به، وبين كابوس متسربل بالعادات والتقاليد والأسرة والمجتمع، ولم يفارقها الإحساس والشعور بالتمرد على كل ذلك، ولكن قيود ما نشأت وترعرت عليه من أعراف بالية ومتخلفة كانت تقف سداً منيعاً أمامها للانطلاق نحو آفاق الحرية وتتبع عواطفها ومشاعرها مهما كانت هذه القيود قاسية.. ولكن هيهات، فإنها أجبن من أن تقدم على ذلك، وستبقى أسيرة لهذا المجتمع حتى الممات.
ولما رآها شاردة ساهمة، ولم تعد تتابع كلامه، اكتفى بأن قال لها قبل أن يودعها وينصرف: "هذا ما أنا مقتنع به.. وهذه هي فلسفتي وقناعاتي، وفلسفة وقناعات كثيرين غيري.. ويبقى الخيار للمرأة في أن تكون "لليت" عصرها وسيدة جسدها، أو أن تكون حواء الخاضعة الأزلية لآدم المتمثل في الزوج.
لم تشعر به وهو يغادر، لأنها كانت مستغرقة في التفكير فيما تسمعه من أمور غريبة عليها، تسمعها للمرة الأولى، ومع ذلك فإن كلامه، وما تضمنه من أفكار، أعجبها، وتوافق مع ما تتمنى أن تكونه: امرأة حرة سيدة نفسها وجسدها، مثلها مثل الرجل.. وتمنت أن تكون "لليت" نفسها المتمردة على المجتمع الذكوري، الذي سلب النساء أحلامهن وفرض عليهن تابوهات من المحرمات حتى غدون مستلبات الإرادة ملحقات بالرجال كونهن، حسب ما تقول الأسطورة، خلقن من ضلع آدم، لأن أمهن حواء.
وبقيت على هذه الحال ساهمة، الى أن سألها نادل الكفتيريا اذا ما كانت ترغب في تناول شيء من الحلوى.. فشكرته وتناولت محفظتها وخرجت مسرعة.. وفي ذهنها أن تفعل شيئاً غير مألوف لا تعرف ما هو؟