احتفاء بالكاتب الفلسطيني حسن حميد: تكريم الذاكرة والحكاية
رشاد أبوشاور
ما الذي يقدّمه الروائيون ، والقصّاصون ، لواحد منهم يعتّزون به ، في يوم تكريمه ؟
نحن نملك الكلمات ، وهي عدّتنا وعتادنا ، وبها نعيش الحياة ، نكتب ، نبدع ، نشقي ، ويهيّأ لنا أنها ميداننا الرحب الذي نجمح فيه ، نركض ، نحلّق ، نحلم ، وننشيء حكايات ، وقصصاً ، عن ناس عاشوا الحياة بخيرها وشرّها ، فكانوا طيبين أو أشقياء ، نريد لهم أن لا يغيبوا في عالم النسيان ، ولناس نوّد لو أنهم يعيشون حياةً أجمل من حياتنا ، في زمن غير زمننا هذا.
عند صديقنا المحتفي به اليوم ، حسن حميد ، الكلمات لها معان متجدّدة لأنها تعيش في عالم مختلف لأشخاص مختلفين ، وهي مسؤوليّة ، لها غايات بعيدة رفيعة . الكلمات التي هي لبنات الإبداع ، تنتقي بحرص ، ينشأ منها البناء ، تحمل رسالة من الكاتب لمن يكتب عنهم ، ولهم . والكاتب _ الراوي ، مبدع القصص ، عنده كّل الحّق أن يتطلّع إلي المستقبل فيري شعبه وقد غادر المخيمات عائداً إلي قراه ومدنه هناك في وطنه فلسطين ، وقد شحنت ذاكرة العائدين بحكايات الغربة ، والموت ، وشظف العيش ، والصراع مع الظروف والأحوال ، وفقدان الأحبّة ، والجوع والمرض والفراق ، يعني بسيرة الإنسان الفلسطيني ، وملحمة صراعه للعودة لوطنه ، بعد مكابداته رحلة نفي بدون ذنب اقترفه ، وتبديد حياته في المنافي القريبة والبعيدة .
ولد حسن حميد في العام 1955 في قرية (البقّارة) قضاء صفد ، وهي القرية التي بقيت في المنطقة (الحرام) حتي حزيران 67 فهجّر أهلها عنها . من جدّته لأبيه تلقّن أسرار تفاصيل الحياة بكّل جوانبها في فلسطين قبل نكبة ال48 ، وأينعت الحكايات قصصاً وروايات ، فأضاف لعمارة الرواية العربيّة المعاصرة وازدهار القصّة القصيرة ما استحق عليه أن يكرّم ، هو الطالع من شقاء المخيّم ، وبؤسه ، وعناد ناسه ، وحيويّة ذاكرتهم .
كما قلت دائماً : يكبر الناس في أوطانهم بشكل طبيعي ، ولكن الفلسطيني يكبر وطنه فيه ، في نفسه ، في ذاكرته ، في وعيه ، مع نمّو بدنه ، في يفاعته ، وشبابه ، وكهولته ، وهو يورث (كّل) هذا الوطن لأبنائه وأحفاده ، وهكذا تتواصل الأجيال الفلسطينيّة جيلاً بعد جيل .
إذا كان جيل الآباء والأمهات يرحل ، وجيل الأجداد قد دفن في الغربة ، فإن روائيينا ، وقصّاصينا ، وشعرائنا ، يحرسون الذاكرة ، ويعمّقون الوعي بالانتماء ، ويؤدّون دورهم في منح الرواية العربيّة ، والقصّة القصيرة العربيّة ، فضاءات وتجارب متنوّعة ، تضيف لا علي صعيد الموضوع ، ولكن ما يفتح آفاقاً جديدةً لفّن يتّسع مع تطوّر الحياة ، وبروز مواضيع غير مألوفة ، شديدة التعقيد ، الصراع فيها يندلع مصيريّاً فلا يقتصرعلينا ، ولكنه ينعكس علي البشرية التي نعيش معها علي هذه الأرض.
ملايين الفلسطينيين يعيشون في وطنهم تحت الاحتلال ، سواء في مناطق ال48 أو ما احتل من فلسطين بعد حزيران 67 . وملايين الفلسطينيين تشرّدوا إثر النكبتين حتي بلغوا بلاداً لم يسمعوا بها من قبل ، ولم يخطر ببالهم أنهم سيبلغونها يوماً .
المبدعون الفلسطينيون لا يكتبون عن فردوس مفقود محلوم به ، ولكنهم يكتبون عن وطن حقيقي واقعي حّي يتشبّثون بثراه صامدين فيه ، أو يقاتلون للعودة له ظافرين ، هم الذين يرونه رأي العين ، ويتشممون عبيره ، ويحفظون حكاياته ، وتضاريسه ، خاصة وكثير منهم يعيشون في الأردن ، وسوريّة ، ولبنان ، ولا تفصلهم عن قراهم سوي أسلاك شائكة ، أو حقول الغام ، أو مواقع جيش احتلال ، تتربّص بتطلعاتهم ، وحركة أقدامهم ، ودوّي زحف عودتهم الحتمي.
حسن حميد الذي نحتفي به اليوم ، الروائي والقّاص ، علي مدي ثلاثة عقود تقريباً ، حفر لنفسه حضوراً بجهد العارف لهدفه ودوره ، السائر علي الشوك إيماناً بقدرة الكلمة وكيمياء فعلها وتفاعلها ، لا يستنسخ تجارب غيره الحياتيّة والفنيّة ، ولا يتشابه مع من سبقه أو يعاصره فلسطينيّاً ، وإن تأثّر بمنجزات من سبقوه . سماته الأدبيّة الفنيّة غنيّة متجدّدةً في كّل ما قدّم علي طول رحلته وعرضها ، قصصياً وروائيّاً .
هو ابن تجربة الشتات والغربة واللجوء ، والمخيّم الذي نشأ علي هامش المدينة ، لا تغيب قريته (البقّارة) عن ذاكرته ،فهو يبنيها حقلاً حقلاً ، بيتاً بيتاً ، يستعيد ناسها رجالاً ونساءً ، بطرائف حياتهم أحياناً ، وأعاجيب ما وقع لهم أحياناً ، يحميهم من الاندثار في العدم والنسيان ، بمنحهم حياة متجددة في قصصه ورواياته .
معركة حسن حميد هي مع (النسيان) في جانب كبير منها ، تماماً ككثير من زملائه وزميلاته الروائيين والقصاصين ، وكّل المبدعين الفلسطينيين .
الذاكرة الجمعية تخصب وتنمو بالذاكرات الفرديّة ، والذاكرة عند المبدع ، في حالتنا ، ليست مجرّد وعاء يكتّظ بحكايات الحنين ، ولكنها ثقافة وانتماء وإبداع ، (رؤية) للحياة ، حالة يقظة ،فعل تحد ، وهي في الحالة الفلسطينيّة تأب علي الاندثار ، والذوبان ، والخنوع .
ارتبط المخيم بالتشرّد ، بالهزيمة والنكبة ، ولكنه أبداً لم يتحوّل إلي حالة انكسار ، وتسليم بمشيئة المعتدين ، ولهذا رأينا المخيّم وقد صار حاضنةً للرفض ، للغليان السياسي ، لطرح الأسئلة عن كل الواقع العربي ، وهكذا بقيت القضيّة الفلسطينيّة أس القضايا ، ولّب الصراع ، وسؤال وجود وبقاء الأمّة رغم كل طروحات الإقليميين ، والطائفيين ، والعدميين اليائسين .
يتسّع المخيم ، علي سبيل المثال (مخيّم جرمانا) علي طريق مطار دمشق لألوف البشر من قري ومدن فلسطين ، الذين أزالوا (المزبلة) ومهدوا الأرض ، وأنشأوا منازلهم المتواضعة ، وتساكنوا متجاورين ، بانتظار يوم العودة .
رأس حسن حميد يتسّع لفلسطينيين أكثر عدداً بكثير ، ينتشرون بجوار دمشق العريقة الخالدة ، وهناك علي أرضهم في عمق فلسطين ، في ذلك المثلّث الذي خلدّه حسن مكاناً ، وبشراً ، كنائس ومساجد ، وحقولاً ، ومسالك وعرة عبرها الفلسطينيون إلي لبنان ، وصعدوها من خلف (حرمون) متجشمين العناء حبّاً بالشام ، أقصد المكان الذي يمتّد من صفد إلي الخالصة إلي بيسان ، وصولاً إلي ضفة نهر الأردن الغربيّة ، حيث جسر بنات يعقوب .
ولا يضيق هذا الرأس ، رأس الحكّاء بالحكايات ، بل يتسّع مع العمر ، والخبرة ، فتلتقي عبر ما يفيض به من روايات وقصص قصيرة ، بناس مخيّم (الدهيشة) المنتفضين ، ومخيمات وقري الضفّة والقطاع ، وعمق فلسطين المحتلّة عام 48 ، وهكذا يجمّع الروائي والقاص شعبه في عقله ، وقلبه ، ووجدانه ، ويبعثهم خلقاً متجددين علي الورق بالقّصص والرواية ، فإذا بهم أحياء يرزقون بعد أن غيّبهم الموت ، أو استشهدوا وهم يعبرون عائدين ، أو وهم يموتون منسيين في بلاد الغربة النائيّة . في (عالم) حسن حميد الروائي القصصي ، عودة الفلسطيني إلي بيته وحقله حتميّة لا ريب فيها ، تماماً كما عاد (شتيوي) بعد هجرة اضطراريّة إلي (أمريكا) ، لا بلبن العصفور ، ولكن بجرّة من الذهب ، استجابة لطلب والد حبيبته (دندي) وهو المهر التعجيزي الذي فرضه عليه لتيئيسه وتطفيشه ،هو العاشق ، بعشقه الفضّاح في ريف أخلاقه ومواضعاته الاجتماعيّة لا ترضي بغير العفّة والكتمان ، وطوي الهوي في القلب ، وموت المحبين بحسرتهم إن استحال تواصلهم بالحلال .
عشر مجموعات قصصية ، وخمس روايات ، وثلاث كتب تدرس ألف ليلة وليلة ، والبقع الأرجوانيّة في الرواية العالميّة ، وكتاب مجتهد في (الأدب العبري) ، والكاتب بعد خمسيني ، أي كما يقال في منتصف العمر ، فما بالك ونصف العمر الأكثر خصوبة ، وتراكم معرفة ، وانصقال موهبة ، ينفتح علي وعود إبداع تجعلني مّمن يراهنون علي هذا الكاتب الذي يأخذ إبداعه بجّد واجتهاد ، القلق فنّاً ، وكّل مبدع كبير يمضّه القلق ، يؤرّقه ، ويدفعه للسعي للابتكار والريادة والترحال إلي آفاق تتسع لضربات جناحيّه العريضين الرحبين القويين العنيدين .
لا يتوقّف حسن حميد عند شكل فنّي ، ولا يؤطّر نفسه في حيّز مهما اتسّع ، فهو يحلّق في سماء بلا ضفاف ، يتنفّس هواء فلسطين هناك في العلي ، يري جبالها وسهولها وحواكيرها وبيّاراتها وبحرها ، أضرحة أوليائها وصحابتها وأبطالها وشهدائها ، وتنتعش روحه بمرأي ناسها الصامدين رغم العسف والقهر ومحاولات الاقتلاع ، فيتفجّر نبع الحكايا والقصص فنّاً يمتع ويحرّض .
بدأ حسن حميد رحلته مع القصّة القصيرة كما يخبرنا:قد أختلف مع غيري إن قلت إنني بدأت الكتابة عن وعي وقصد ، وإنني اخترت القصّة كما يختار العاشق عشيقته . بحثت عنها طويلاً ، ورسمتها في خيالي سنوات عديدةً ، ولم أسلّم نفسي لها إلاّ عندما طردت آخر طيف من طيوف الشعر ، والرسم ، والرياضة . وحين واجهتها كانت علي انتظاري .(مقدمة كائنات الوحشة ص 7)
حسن حميد الذي أعّدّ نفسه لكتابة القصّة القصيرة ، لم يغادر أرض الشعر ، ففي قصّته شعر ، وأحياناً موسيقي الشعر تكون نافرة ك(أعناق الجياد النافرة) _ يرحم الله صديقنا الشاعرفوّاز عيد صاحب هذا العنوان ، ولا عجب فحسن وفوّاز من منطقة واحدة ، وقد جمعت بينهما صداقة وطيدة _ وفي قصّصه جموح ، وابتكار حكايات يتداخل شكلها بحكايتها ، فلا فصل ، ولا افتعال .
هنا أتوقّف لأخبر القارئ الذي لم يسمع حسن حميد وهو يقرأ قصصه في الأماسي ، بأن حسن يقرأ قصصه كأنما لو أنه يتلو قصائد ، وهو يتلاعب كالشعراء بمشاعر وقلوب مستمعيه ، وقد ينتزع منهم التصفيق عند بعض المقاطع ، وهذا الصنيع لا يفتعل جمالية في القصّة ، بل هو حرص منه علي التواصل مع الجمهور ، وتنافس مع الشعر والشعراء ، ولا عجب فالقصّة القصيرة في كّل حال بينها وبين الشعر وشائج كثيرة .
حسن حميد قرأ ، استعّد ، تدرّب ، وكان هو اللاعب والمدرّب ، وهو هنا لم يدر ظهره للرياضة ، لكرة القدم التي عشقها ، ولعبها بكرة ملفّقة من خرق بالية ، مشاركاً زملاءه في أزقّة المخيّم، بأقدام حافيّة كثيراً ما تدمي وتتوجّع ، ناشئاً علي روح اللعب الجماعي التي لا تمنع خصوصيّة اللاعب الفرد .
عشر مجموعات قصصية ، تضّم مئات القصص القصيرة التي تتوزّع في أمكنة شاسعة ، بتقنيات هي لبوسها المناسب (القد علي القد) ، كما في مصطلح القدود الحلبيّة ، فلا افتعال ، ولا قسر ، بغرض الإبهار والتغريب .
في القصص سرد رائق ، وتقطيع ، ومونتاج ، وأسلوب السيناريو (كائنات الوحشة) ، وكّل هذه القصص هي عالم حسن حميد الفلسطيني الذي يضيف لبنات ، ولا أقول أضاف ، لأنه حالة مستقبليّة مع زملائه الموهوبين .
في الرواية يبدأ من البسيط (السواد) ماتحاً من الذاكرة ، يتلقّي أسرار قريته (البقّارة) من فم جدّة هي أم شهيد ، وأم هي زوجة شهيد (أم حسن) الإبن البكر ، فيخرج إلي الحياة وهو ممتلئ بحكايا تلهمه ، وتصون نفسه ، وتضبط خطواته من العثار، بطفولة شقيّة يتيمة ، يحمل العبء مبكّراً فلا يضيع ولا ينكسر، ولا يستعطف ، ولا يقعد منتظراً بمسكنة ، ويرسم لحياته خياراً مكلفاً : كتابة رواية أهله ووطنه .
حسن واحد من جيل ما بعد النكبة ، جيل المخيمات وزمن وكالة الغوث ، وانتزاع الرغيف من شقوق الأرض ، وفصول حياته اختبار بنار المعاناة كأبناء جيله الفلسطيني الشقي .
لم يأت حسن حميد إلي الأدب من أرض مجدبة ، فهو واحد مّمن قرأوا غسّان كنفاني ، وجبرا إبراهيم جبرا ، وسميرة عزّام ، و..من جاءوا بعد هذا الجيل الكبير ، المجدّد في القصّة والرواية العربيّة .
وهو قرأ كما في مقدّمة مجموعته القصصية (كائنات الوحشة) الروائيين والقصّاصين العرب .
وهو اطلع علي ما ترجم من روائع الأدب العالمي بانتباه ، بعقل يقظ ، فحاور ، وانتقد ، ولم يخف .
التجارب التي عاشها حسن ، وعاصرها ، وتلقنها ، لم تتسع لها القصّة القصيرة التي أخلص لها ، وأحب كتابتها ، والكتابة حّب وإخلاص وجديّة ...
يبرّر حسن كتابته للرواية بثلاثة أمور هي :
أوّلاً : الحفاظ علي الذاكرة الشعبيّة ...
ثانياً : الخوف علي المستقبل ، وانفتاح التراجيديا الفلسطينيّة علي أوسع أبوابها من حيث الأمل والطموح ، ومن حيث الأسي والأحزان والخراب في وقت واحد من جهة ثانية ...
وثالثاً : لقناعتي بأن الرواية في أيّامنا الراهنة تشكّل المضاد الحيوي الناجح للهاث النفس وتعب الروح في زمن متسارع اخترمته الماديّة الربويّة بفظاعة عجيبة (كائنات الوحشة ص19).
خمس روايات ، تبدأ من القرية (البقّارة) مسقط الرأس في فلسطين ، ثمّ ينتقل الروائي إلي المخيّم في زمن الثورة والمقاومة بعد حزيران 67 فيبدع (تعالي نطيّر أوراق الخريف) ، رواية سيرة الناس الذين نظّفوا المكان وأنسنوه ، والذين نشأت بينهم حكايات حب وعشق ، وزهت بعض أيّامهم بالغناء في الأعراس ، وأثقلتها غالباً قتامة الموت والأحزان والمآتم ، والتقينا فيها بشخصيات مثيرة للدهشة ، ومقبرة تتسّع مع تزايد أعداد الشهداء ، و.. قيادات تبدأ نظيفة ثمّ تتعالي علي المضحين ، وتتحوّل إلي غيلان بلا عواطف ولا مثل .
في رواية غسّان رجال في الشمس ، يتخلّص (أبو الخيزران) من جثث(أبوقيس)، و(أسعد) و(مروان) ، برميهم علي مزبلة مدينة الكويت ، ثمّ يفّك ساعاتهم عن معاصمهم ما داموا قد صاروا موتي ، خارج الزمان . في رواية حسن حميد (تعالي نطيّر أوراق الخريف) علي النقيض يزيل اللاجئون الفلسطينيّون المزبلة ، وينظّفون المكان ، وتزرع الأمهات النعناع ، والحبق ، قدّام بيوتهن المتواضعة ، وحول قبور الشهداء ، لأن اللجوء والتهجير لا يعني القبول بالقبح ، وافتقاد الذوق الجمالي ، وبحّب الحياة وتشبثه بها يبقي الفلسطيني في التاريخ وفي روحه تنزرع الجغرافيا ، ساعياً لانتزاع حقّه ودوره بالإرادة والفعل .
أحد ريادات الأدب الفلسطيني دوره النقدي ، فلا أدب ، ولا كتابة ، ولا إبداع بدون نقد ، وهذا ما نقرأه في شعر شعرائنا منذ عشرينات القرن المنصرم : للجهل ، والتخلّف ، والعشائريّة ، والتخاذل ، والوجاهات الفارغة ، وروح التواكل والانتظار والشعور بالعجز .
في زمن الثورة الفلسطينيّة ، كتبت روايات وقصص قصيرة عن الفساد ، والميوعة السياسيّة وهي تخرّب وتشوّه الوعي ، وتتعمّد الخلط ، والتي تعاملت مع (الفدائي) كمخلوق استعراضي ، أو أضحية لموت دعاوي ..
لقد دفعنا ثمن مواقفنا وكتاباتنا ، وما زلنا نقبض علي جمر الدور النقدي الذي يعلي من تضحيات شعبنا ، ويعرّي المنتفعين والصاعدين علي عذاباته ، ويفضح مستثمري بطولاته .
حسن حميد يواصل في روايته (تعالي نطيّر أوراق الخريف) هذا الخّط النقدي التنويري التوعوي ، ولذلك عاني حتي تمكّن من إصدار روايته ، التي رأت النور بعد رفض نشرها من عدّة جهات وبتحريض من جهات فلسطينيّة تخشي النقد .
في روايته (جسر بنات يعقوب) قام حسن حميد بمغامرة مضموناً وفنّاً ، فالجسر الحامل لهذا الاسم غير معروف التسميّة ، فلا يعقوب معروف ، ولا حكاية بناته معروفة ، وحسن نبّش ، وبحث ، وحين أعجزه فقر المصادر والمراجع قديمةً وحديثةً ، اتخّذ قراره بكتابة رواية المكان والطارئين عليه في (جو) مؤسطّر، وكان بهذا يقوم بمغامرة مثيرة قدّمها بتقنيّة جريئة تجعلها سائغة للمتلقين .
يلفت الانتباه أن حسن حميد يلجا لتخفيف ثقل السرد بالتذييلات ، والملاحق ، والهوامش ، والحواشي ، وهو بهذا يستدرج القارئ بالتشويق ، ولا ننسي أن حسن حميد معجب شديد الإعجاب بجدّته (شهرزاد) وأسلوبها في القّص ، وتطريزها لحكايتها بتفاصيل جاذبة مثيرة .
هذه الرواية (جسر بنات يعقوب) وإن اختيرت واحدةً من أفضل الروايات العربيّة في القرن العشرين ، فإنها لم تقرأ نقديّاً كما يتوقّع ، ربّما لحساسيّة موضوعها .
رواية حسن (النهر ..بقمصان الشتاء) هي عندي أكمل أعماله الروائيّة ، وأعلاها ذروةً ، وهذا لا ينتقص من أعماله السابقة ، ولكنه يبرهن علي أن هذا الفتي الذي اكتهل وهو يبدع ، لا يكّف عن تجويد فنّه .
هذه رواية حّب ، وحّب لم أقرأ له مثيلاً منذ زمن ، فشتيوي ودندي أسراني ، فعشت معهما ، وتعذّبت معهما ، وخفق قلبي لفراقهما ، ونفرت من والد دندي الذي فرّق بينهما ، ولكن العاشق الوفي شتيوي تحمّل وعاني وعاد سالماً غانماً ، وعاش مع حبيبته دندي حتّي فرّق بينهما موت هو هادم اللذات ومفرّق الجماعات ، كما تتردّد في وصف فعله هذه العبارة في ألف ليلة وليلة .
هذه الرواية رواية مكان فلسطيني حّي نابض ، وهي سيرة حب ووفاء أهله له ، وحنينهم له بعد أن اقتلعوا منه وتغرّبوا عنه ، وليس مصادقةً أن حسن حميد يهــديها :إلـــي رواة الرواية ..أحياءً وأموتاً ...
في هذه الرواية ، في المكان ، بين صفد والخالصة وضفّة نهر الأردن الغربيّة ، وصفحة الجولان من جهة فلسطين ، مكان روحاني مسكون بالتاريخ ، فيه الجامع والكنيسة ، نما فيه الأب (عطايا) والشيخ (المصباحي) الذي استشهد وبندقيته بين يديه ، دارت علي أديمه معارك ضارية مع الإنكليز ، والصهاينة ، هنا مات الأب والأم بعد انتظار طال لابنهما المتغرّب شتيوي ، ودفنا في ثراه ...
في قصّة (طابون أم مسعود) تطلق المرأة الفلسطينيّة البسيطة ، ابنة الأرض الفلسطينيّة حكمها وحكمتها حين يخبرها زوجها بأن اليهود عرضوا طابونها الذي سرقوه علي التلفزيون مدّعين أنه لهم ، بكلمات قليلة وهي تبتسم بثقة العارفة : إن كانوا شاطرين يخبزوا عليه !
رواياتنا ، قصصنا القصيرة ، التي يبدعها كتّابنا ، وكاتباتنا ، هي التي تقدّم الرواية الحقيقيّة ، سيرة إنساننا وأرضنا ، الصراع بين اللص وصاحب الحّق ، بين أم مسعود التي بنت طابونها من تراب أرضها بخبرة ورثتها عن أمّها وجدّتها ، عن سلالة من نساء فيهنّ خصائص الأرض وسّر خصبها ...
المستقبل ينفتح أمام هذا الروائي والقاص ، وهو واحد مّمن يثرون إبداعنا ، وأحسب أنه سيضيف الكثير في آتيات الأعوام ، وعلي كل ما أعطي ، وسيعطي ، نحن نكرّمه اليوم ، وهل أجمل من أن يكرّم المبدعون بعضهم ، بصدق وحّب وتقدير ؟!.
ہ كتبت هذه الكلمة لأقرأها في حفل تكريم الروائي والقاص الفلسطيني حسن حميد ، الذي أقيم برعاية اتحاد الكتّاب العرب (سوريّة) ، مساء الأربعاء 6 ديسمبر 2006 ، وبمشاركة عدد من المتكلمين ، ولكنني لم أقرأها لطولها ، وارتجلت شفوياً كلمة حييت فيها الصديق حسن ...