تلويحة للرجل الضّاحك
فاروق وادي
لـم يحدث لي أن رأيت ممدوح عدوان إلاّ ضاحكاً..
الـمرّة الأولى التي وقعت فيها عيناي عليه، كانت في ذلك الصيف البعيد، عام 1978، في إحدى صالات دمشق الـمسرحيّة. كان ذلك أثناء متابعتنا التدريبات النهائيّة لـمسرحيّة "الزيارة" التي قدّمتها فرقة الـمسرح الوطني الفلسطيني وأخرجها حسن عويتي.
كان يجلس وحيداً في ركنٍ ناءٍ، ليقيم وحده، ودون حاجةٍ إلى شريك، مهرجاناً بهيجاً من الضحك. وكانت قهقهاته قادرة على أن تثير عدواها في الحاضرين، الذين اضطروا لأن يوزِّعوا اهتمامهم، بالتساوي، بين البروفات الـمسرحيّة والرجل الذي يضحك عالياً ويُحرِّض ضحكاتهم على الاستيقاظ. وعندما سألت عن ذلك الوحيد الذي يكاد يُغشى عليه من شدّة الضحك، قيل لي: ألا تعرفه؟ إنه ممدوح عدوان!؟
üüü
عندما قرأ عبد الله الحوراني، مدير عام دائرة الثقافة والإعلام الفلسطينيّة آنذاك، مقالتي في جريدة "السفير" حول رواية يوسف القعيد "يحدث في مصر الآن"، سألني أن يستعير الرواية. وعندما قدّمتها إليه، كنت أحسب أنه استعارها ليكتفي بقراءتها، غير أنه فعل ما هو أبعد من ذلك. فقد اكتشف، بحسّه السياسي والإبداعي معاً، أنه أمام نصّ روائي يمكن استثماره في الـمسرح الفلسطيني. ولـم يجد سوى ممدوح عدوان لتكليفه بإعداد الرواية للعرض على الخشبة. وقد عمل الأخير، أثناء تحويره النّص الروائي وتحويله إلى عملٍ مسرحي، على تعميم حالة الرهان الساداتي على الحلول الأميركيّة، وجعل هذا الوهم حالة عربيّة بامتياز، وهو الأمر الذي شكّل رؤية بعيدة، لـم يطل الوقت كثيراً لتتحقق نبوءتها على أرض الواقع.
وقد زاد من ضحك الجميع، ودهشتي، أن يكون ممدوح غارقاً في الضحك على حوارٍ مسرحي كتبه بنفسه، وربما ساعده على ذلك تجسُّد الأمر من خلال أداء زيناتي قدسيّة وعبد الرحمن أبو القاسم ومفيد أبو حمدة وتيسير إدريس.. وغيرهم.
üüü
يمكن للضحك أن يُشكِّل هروباً من مواجهة الحالة السياسيّة، وقد يكون التفافاً عليها لاستثماره في عمليّة النقد القاسي والشجاع لتلك السياسة. لكن الذين يعرفون ممدوح عدوان يشهدون له بأنه لـم يتراجع يوماً عن الـمواجهة، وأن الضحك لديه ظلّ يقترن دائماً بالشجاعة.
وإذا كانت ذاكرة الـمثقفين السوريين، موالين للسلطة أو معارضين لها، تنسى، في زحمة الأحداث وتراكم الزمن، العديد من مواقف ممدوح عدوان الـمتميّزة بالشجاعة النادرة، فإنهم لا ينسون أبداًً ذلك اليوم البعيد من عام 1980، حينما نظّمت الجبهة الوطنيّة لقاءً استثنائياً مع مثقفي القُطر، بكلّ ميولهم ومشاربهم. ورغم أن الجهات الـمنظِّمة كانت تطمح إلى إسماع السُّلطة السياسيّة أصوات مثقفين يجيدون الـمديح، أو الصمت كأضعف الإيمان، فأشاعوا بأن ثمّة خطّا سريّا يصل قاعة اللقاء بقاعة أخرى في القصر الجمهوري، ستسجل كلّ أنفاسهم وسكناتهم، وأن عليهم عدم الشطط في النقد، والتزام الحذر، إلاّ أن سيف الـمعز وذهبه لـم يدخلا يوماً في اعتبارات ممدوح عدوان.
في ذلك اليوم، وقف الشاعر الساخر الكبير ليطرح تساؤلاته الشجاعة: لـماذا نكذب؟ لـماذا يكذب النظام؟ إنني أعمل في إعلام أخجل منه، فهو لا يكذب فحسب في أخبار انتشار الكوليرا، وإنما أيضاً في حالة الطقس!
ولـم يقف ممدوح عند ذلك، وإنما تعرّض بالنقد الصريح لـممارسات "سرايا الدفاع"، التي ربما كانت تسمع، للـمرّة الأولى، مثقفاً في القُطر يجرؤ على توجيه النقد لها وهي في ذروة بطشها، وقبل سنوات من إقدام السلطات على حلِّها.
ومن أراد تفاصيل أوسع لـمحضر ذلك اللقاء التاريخي الذي قال فيه مثقف عربي رأيه الشجاع في ما حوله، فليرجع إلى عدد مجلّة "الحوادث" اللبنانيّة الذي صدر بعد ذلك اللقاء العاصف وحمل غلافه سؤال ممدوح عدوان "لـماذا يكذب النظام؟"، وهو العدد الذي لـم يعش رئيس تحرير الـمجلّة، سليم اللوزي، بعده طويلاً، حيث وجدت جثته الـمثقّبة بالرصاص ملقاة في أحراش عرمون.
لكن تلك قصّة أخرى!
üüü
حينما دعا الـمخرج هيثم حقي مجموعة من أصدقائه إلى مطعم "أليسار" في دمشق القديمة، في أحد أيّام مهرجان دمشق السينمائي، شاءت الـمصادفة أن تكون جلستي إلى جانب ممدوح عدوان. وقد أتاحت لي تلك الجلسة أن أعبِّر عن إعجابي بمقالاته الأسبوعيّة التي كان ينشرها آنذاك في جريدة "القدس العربي"، لأنني كنت أعتقد أن الحديث عن ممدوح الشاعر، وكاتب الرواية، والـمسرحي، والـمترجم، قد أغمطه حقّه ككاتب مقالة متميِّزة، تجمع بين الثقافة والأدب وخفّة الظلّ.
وكنت أحدثه عن مقالة له أثارت إعجابي وحملت عنوان "سوء تقدير" (ما زلتُ أحتفظ بها حتى الآن)، حول جارته التي لـم تُفرِّط بعرض خدماتها الـمختلفة للعناية به وبأولاده في فترة غياب زوجته، وإصرارها على تقديم شتّى أنواع الطعام والشراب لهم، دون أن تفهم أنها تعرض عليه تقديم كل شيء.. إلاّ الشيء الوحيد الذي يحتاج إليه!؟
كان يُصغي إليّ ويضحك..
يضحك من كلّ قلبه على حكاية كان هو كاتبها.
هكذا رأيته في الـمرّة الأخيرة، مُستغرقاً في الضّحك، تماماً كما كان في ذلك اليوم البعيد، عندما شاهدته للـمرّة الأولى في تلك الصالة، التي تقدِّم التدريبات الأخيرة لـمسرحيّة كان هو كاتبها!