المثقف والطائفة
أمجد ناصر
ليس عباس بيضون رجل سياسة، بل شاعر ومثقف عميق، متنوع الكفاءات، ولكنه يكتب، الآن، في السياسة اكثر مما يكتب في الشعر والادب. هذا ما قاله زميلنا الشاعر ناظم السيد في حواره مع عباس بيضون الذي نشرته القدس العربي قبل يومين. كان الحوار مكرسا للشعر لمناسبة صدور مجموعة شعرية جديدة لعباس عن دار الساقي (وهي نقلة تحسب لهذه الدار التي لم تكن تعني تماما بالشعر) لكن السياسة لم تغب عنه. ففي وضع كالذي يشهده لبنان هذه الايام لا يمكن تجنب السياسة. قال عباس كلاما قليلا في السياسة، وربما اعتبره عارضا او من (حواضر البيت)، لكنه، في رأيي، مهم جدا.
ـ ـ ـ
يصعب علي كثيرين من العرب خارج لبنان فهم ومتابعة السياسة اللبنانية، فهي من المحلية والتعدد والتشعب والتبدل، الي درجة تستعصي علي صياغة رواية واحدة متسقة، متسلسلة، علي ما هي عليه رواية الحياة السياسية في الامكنة الطبيعية في العالم. فلمعرفة السياسة في بريطانيا، مثلا، لا تحتاج الا معرفة حزبين او ثلاثة، واربع او خمس شخصيات تتزعمها او مقربة منها. هذا مستحيل، طبعا، في لبنان. و يزيد من صعوبة (ان لم تكن استحالة) السياسة اللبنانية علي العربي (المولمع مع ذلك بلبنان) توافرها علي معجم ومرجعيات محليين وشبه مغلقين، رغم ان اللبنانيين يظنون معجمهم ومراجعهم عالميين او كونيين، ويعتبرونهما امرا مفهوما ومسلما به عند العربي مثلما هي عند البرازيلي او الياباني او الامريكي. وهذه (الانا المحلية، والكونية في آن) خصيصة لبنانية بامتياز.
اضرب امثلة علي ذلك: لكي يعرف العربي موقف الطرف الماروني من قضية محددة عليه اولا ان يعرف ماذا تعني (بكركي) السائرة في القول والكتابة السياسيين اللبنانيين بوصفها اسم علم لا يحتاج الي شرح او تعريف، ولكي يعرف ما الذي توافقت عليه الاطراف المقربة من السوريين عليه ان يعرف ماذا تعني (عين التينة) ناهيك بالطبع عن اهمية ان يعرف ماذا يعني (14 اذار) و(8 اذار)، وقبل ذلك (لقاء قرنة شهوان) و(لقاء البريستول)، الي ضرورة معرفته ماذا تعني (قريطم) و(المختارة) و(الضاحية الجنوبية) و(المربع الامني) و(زغرتا) و(المردة) الخ الخ...
من دون تضلع بهذا المعجم الباذخ في تعدده ودلالاته لبلد لا تتجاوز مساحته عشرة الاف كيلومتر مربع وعدد سكانه الخمسة ملايين يستحيل علي العربي معرفة السياسة اللبنانية وفهمها من دون ارتكاب عشرين او ثلاثين خطأ في اسماء العلم دع عنك الاخطاء في رد عشرات القوي السياسية والطائفية الي صف بعينه.
بعد هذه الاستفاضة من شخص، مثلي، عاش في بيروت سني عمره التأسيسية وتزوج من لبنانية وظل علي صلة بما يحدث في لبنان ولكنه يجد نفسه، مع ذلك، حائرا، او قل ضائعا، في متاهة الاسماء والدلالات، أعود الي حديث عباس بيضون، وأتوقف عند كلامه عن المثقف الشيعي.
ـ ـ ـ
ليس لدي تصنيف سياسي وفكري جاهز لعباس بيضون. عرفته عندما كان شيوعيا ثم عندما صار يسخر من الايديولوجيا الحزبية الضيقة، وفي الشعر عرفته مترددا في نشر ديوانه الاول (الوقت بجرعات كبيرة) رغم ان واحدا كان يتأتي في الشعر، مثلي، قد اصدر، يومها، ديوانين، ووجدته فظا وقاسيا في نقد ما سماها (القصيدة الوطنية) ومع ذلك لم يكن ممكنا تصور المشهد الشعري البيروتي (وهو يومها عربي بامتياز) من دون وجود عباس بيضون فيه شاعرا وناقدا طليعيا للشعر، وساخرا، بلا رحمة، من الغنائية الوطنية والفلكلورية التي سادت الساحة بعض الوقت.
هذه المواصفات، السياسية والفكرية والموقف من الشعرية السائدة، قد ينطبق، الي هذا الحد او ذاك، علي عدد من المثقفين اللبنانيين، فكان يمكن لك ان تجد في (بيروت الغربية) شعراء وكتابا ومثقفين سياسيين ينتمون الي القوي السياسية الفلسطينية واللبنانية او ينقدون، بلا هوادة احيانا، هذه القوي من دون ان يلصق بواحد منهم (ليبل) الطائفية او المذهبية. كان في بيروت الغربية ادونيس ومحمود درويش و خليل حاوي ونزار قباني ومعين بسيسو وفؤاد رفقة وشوقي ابو شقرا وعباس بيضون وبول شاوول وعبده وازن وبسام حجار ومحمد علي شمس الدين وحمزة عبود وحسن العبدالله وعصام محفوظ وعلوية صبح وغسان تويني والياس خوري ومروان حمادة وجورج ناصيف وغادة السمان وشوقي بزيع وفواز طرابلسي وحازم صاغية وابراهيم العريس وعشرات غيرهم يصعب حصرهم، في هذا الحيز، وما التعداد، هنا، الا من قبيل المثال الذي يوضح الي اي حد كان ذلك المشهد الثقافي والسياسي مكتظا بأسماء العلم المتحدرة من عائلات مسيحية او شيعية او سنية او درزية.
حتي في اسوأ لحظات الحرب الاهلية اللبنانية لم يتجرأ مثقف علي النطق بكلام الطائفة او الملة، ومن فعلوا ذلك، مثل سعيد عقل، غلفوه بأيديولوجيا فينيقية خرافية اكثر مما غلفوه بالمسيحية التي كادوا ان يتبرأوا منها لأن المسيح ولد علي أرض فلسطينية.
هكذا استغرب كثيرا ان يصف سياسي مثل وليد جنبلاط عباس بيضون (وآخرين يتحدرون من عائلات شيعية المذهب) بـ (المثقف الشيعي). فوليد جنبلاط الذي ورث عن والده الراحل الكبير كمال جنبلاط الحركة الوطنية اللبنانية العلمانية، ذات الافق السياسي (التقدمي)، لم يكن ليقول في السبعينات والثمانينات كلاما عن الطوائف والمثقفين من نوع الكلام الذي يقوله اليوم.
المقصود، طبعا، من وراء كلام وليد جنبلاط واضح. هو ايجاد اصوات وشخصيات ذات اسم وثقل تتحدر من عائلات شيعية مضادة لحزب الله. انه يريد ان يقول ان الشيعة ليسوا كلهم في صف حزب الله ولا يتوافقون، في الصراع الداخلي، معه. ولكن هذا الكلام خطير ويضرب صفحا عن حق الناس في الاختيار. فهو يرد المرء، شاء ام ابي، الي عائلته والملة التي ينتمي اليها بوصفهما جلده او الدم الذي يسري في عروقه. فأن تولد في عائلة شيعية او سنية او مسيحية او درزية انت، بالضرورة، شيعي وسني ومسيحي ودرزي حتي وان كنت شيوعيا او قوميا او ليبراليا او عدميا!
البحث عن اسماء متحدرة من عائلات شيعية لا تتفق مع حزب الله هو مثل بحث حزب الله عن اسماء مسيحية او سنية لا تتفق مع جماعة (14 آذار). حرص الطرفين علي ان لا يبدو مسعاهما طائفياً لا ينفي منطلقاته الطائفية.
وما دام الصراع في لبنان، علي ما تقول اطرافه الرئيسية، سياسيا وليس طائفيا فمن غير المفهوم ان يصف جنبلاط (او غيره) مثقفا مثل عباس بيضون بنعت طائفي. قد يكون عباس اقرب الي جنبلاط و14 اذار مما هو الي حزب الله باعتبار ان الحيز الليبرالي والبعد اللبناني التقليدي (بمعني مواصلة الصيغة اللبنانية القائمة علي المحاصصة الطائفية) اوضح عند فريق 14 آذار مما هو عند حزب الله الذي ينتمي الي مشروع سياسي ومذهبي اوسع نطاقا من لبنان.
هذا كلام يقوله حرفيا عباس بيضون في المقابلة.
الموضوع يتعلق، اذن، برؤية سياسية لا دخل للطائفة فيها.
المثقفون اللبنانيون الذين اكتووا بنيران الحروب يبدون، والحال، اكثر تدقيقا في موضوع الانتماء الطائفي واكثر مقاومة له مما هو عليه الحال في الوضع العراقي حيث انزلق العديد من المثقفين، ذوي المرجعيات التقدمية السابقة، الي حديث الطائفة والملة، (صحوة) متأخرة او تغطية لتأييدهم الاحتلال الامريكي والتنظير لمشروعه الذي اوصل بلادهم الي الحرب الاهلية او حافتها الجهنمية.
ـ ـ ـ
توقعت ردودا وتعليقات علي حوار عباس بيضون اكثر مما حدث.
ولكن لم تعد تفاجئني هذه اللامبالاة او هذا الخبث في موقف كثير من المثقفين العرب. ومن يتابع تعليقات قراء القدس العربي علي الاخبار والموضوعات المنشورة في الجريدة يجدهم اكثر تفاعلا مع الاحداث والمواقف من معظم المثقفين بصرف النظر عن عمق او نبرة هذه التعليقات. المثقفون قد يقرأون ولكنهم لشح متأصل في نفوس بعضهم يضنون بتعليق علي ما يقرأون من كتابات زملائهم. انهم، علي وصف احد الاصدقاء، يبتعلون الكلمة الطيبة عندما يهزهم او يثيرهم نص مكتوب لغيرهم. تموت كلمتهم الطيبة في حلوقهم الجافة قبل ان تري النور.
فماذا نرتجي من ثقافة (بل قل اي نوع من الثقافة هذه) تموت كلمتها الطيبة او المتفاعلة او الناقدة في الحلوق؟