مملكة الاخيضر 4 ....محمد علي اليوسفي


البداية المفترضة
جدجودة
نامت جدجودة في النهار، ثم نامت في الليل، ثم نامت في النهار، ولم تستيقظ لم تتألّمْ بصوتها العالي.
صاحتْ ماما باكيةً:
ـ أُمُّك منّانة ماتت! ماتت أمّك منّانة!
أنا أيضاً بكيت حتى جاء بابا وقال:
ـ إليه راجعون!
رحلتْ جدّتي وتركتْ لي منديلَها.
سأذهب مع بابا
قال لي بابا:
ـ ماما تعبتْ عندما انتقلْنَا من إقامة الورود، في الطابق الرابع، إلى المحيط الهادىء؛ حملتْ أشياء ثقيلة على بطنها.
ـ أنا سقطتُ من السّرير، على بطنها، عندما كانت مستلقية على الأرض؛ فصاحتْ وشتمتْني البارحة.
ـ الذّنب ليس ذنبك، قال بابا، حتى موت جدّتك، حتى موت جدّتك تسبّب في تعب ماما. لقد تركناكِ نائمة وحدك وخرجنا إلى المستشفى في الساعة الثانية ليلاً.
ـ ستلدُ لي أخاً اسمه نَمِير، أليس كذلك؟
ـ آسر... اتَّفَقْنا أن اسمه آسر.
ـ نعم، لكن الحقيقي، اسمه الآخر، نمير.
ـ ليس له اسم آخر، سنناديه آسر مثل آسرة.
ـ لماذا لم تلد ماما حتّى الآن؟ متى نذهب إليها؟
ـ آسر لا يخرج بسهولة، ولابدّ من عملية قيصريّة.
ـ عملية ماذا؟ عملية مَنْ؟
ـ سيشقّون بطنها، أخوك جالس ولا يريد الانقلاب على رأسه. يريد المجيء إلى الندنيا جالساً.
ـ أكان يجب أن ينقلب حتى يأتي إلى الدّنيا؟
ـ كلّ طفل يأتي برأسه أوَّلاً.
رنّ جرس الهاتف فردّ بابا؛ وعندما أنهى المكالمة قال لي:
ـ تعال معي يا آسرة‍
ـ إلى أين نذهب؟
ـ إلى آسر!
هاهوذا آسر!
يشبه العجوز. بدأ يشبع بالحليب ليملأ له جلده. يده لا تمسك إلا بالأشياء التي تأتيه وحدها: إصبعه الكبيرة، وطرف اللحاف، وحنفيّة الحليب، وكذلك إصبعي أنا، عندما أقرّبها من يده.
أظافره صغيرة، جدّاً. أمّا فر الخنصر فهو نقطة بيضاء. أظافره ترتعش فيها كسور صغيرة وقلامات مائلة؛ هيا لتي تخبش الإصبع الكبيرة وتجرح انفه الأفطس ثم خدّيه، لأنه يبحث عن الإبهام كي يرضعه، بعيداً عن الأصابع الأخرى النائمة. الخنصر تغطَّى بإخوته ونام. حتّى الإبهام نام فوقهم، الضوء، ففتح عيناً أخرى. «تثاءب بفم مائل فرسم دائرة بيضويّة.
أنفه الأفطس مجروح «هيءْ! هيءْ! هيءْ!» شهّيقَة، حازوقة. أنفه يهتّز وفمه مفتوح كالسمكة. يتثاءب حاجبه يفكّر. يبتسم ابتسامة مائلة إلى الأسفل والشفة العليا عليا. التحقت السفلى بالعليا. مام ذقنه في جُحْره. فمه مغارة بال أسنان فلا يكسر الفستق ولا الحلوى.
كلّ حازوقة «هيء» تُطلق أصابعه مفرودة. صوته يأتي مثل حجلة تطلق أصواتاً خفيفة في عشّها الأرضي. يتحرّك رأسه من قاعدته، من العنق، مثل الصّبار، ينقذف ثم يعود، في انتظار «هيءْ» حازوقة أخرى.
قلبُه الآن يدقّ في رقبته، ورأسه يذهب ويجيء. يبكي بلسانه:
ـ اسكتْ يا آسر! هل تريد الحليب؟
زيادة بوشويشة(1)
أين أنتِ يا جدجودة؟ أين أنتَ يا بوشويشة؟ أنا وحدي أنادي نعم أنا آسرة وحدها تنادي.
تشمَّمْتُ منديل جدّتي فخرج لي منها بوشويشة.
ـ لماذا غبت كثيراً يا بوشويشة؟
ـ لأنّكِ لم تتذكّريني.
ـ أنا أذهب كلّ يوم مع بابا لرؤية ماما وآسر. أين ذهبتَ عندما نسيتُك؟
ـ ذهبتُ أبحث عن الرّائحة.
ـ هل وجدتَ جدجودة؟
ـ جدجودة ذهبتْ إلى الشّجرة.
ـ رأيتها فوق الشّجرة...
ـ جسمها تحت الأرض، ورائحتها ذهبت إلى الشجرة.
ـ وهل تراني؟
ـ تراك، لكنها بدأت تفقد الرّائحة.
ـ وهل تراني؟
ـ تراكِ لكنها بدأت تفقد الرّائحة.
ـ أين تذهب رائحتها؟
ـ تأخذها الأرض وتُعطيها للشّجرة.
زيارة بوشويشة(2)
ـ تعال، لقد عادتْ ماما من المستشفى!
ـ وأين هو آسر الآن؟
ـ تعال، يا بوشويشة، إنه هنا، في هذه الغرفة، ينام معهما، وأنا أنان وحدي دائماً.
ـ انظري كيف ينام، يا آسره، مع ذلك يفتح عينيه واسعتيْن، ويحرّك بُؤْبَؤَيْه إلى اليمين إلى اليسار؛ حركة رتيبة لكنها سريعة.
ـ لماذا يفعل ذلك وهو نئم؟
ـ لأنّه يراني.
ـ هو يراك الآن؟
ـ نعم يراني، ولا يراكِ.
ـ لماذا تراكَ أنتَ، ولا يراني أنا؟
ـ لأنّني من مملكة الأخيضر طبعاً!
ـ هل يحلم بها الآن؟
ـ ويرتّب بيتَ المخّ في هذا العالم!
ـ لا يتنفّس مثلنا، يعبّ الهواء ثم يأكله ويمضغه!
ـ هكذا نفعل هناك.
ـ هو لا يفهم شيئاً ولا يتكلّم.
ـ كلّ مَنْ يأتي مِنْ مملكة الأخيضر يريد أن يتكلّم...
ـ لكنّه لا يتكلّم
ـ عندما يفتح فمه ليقول شيئاً؛ يقترب منه حارس أزرق من مملكة الأخيضر، ويضع إصبعه على شفته السفلى: هسْ!
ـ نحن لا نرى الحارس؟
ـ لا ترونه، لكنْ، انظري إلى أثر إصبعه، تحت شفة آسر. أَرَأَيْتَ تلك الغمّازة الصغيرة؟
ـ نعم.
ـ كل هي بصمة إصبع الحارس الأزرق الذي يقول له: «هسْ! لا تُخْبِرْهُمْ بأيّ شيء!» كلّ الأطفال يولدون بتلك الغمّازة، غمّازة الحارس الأزرق.
ـ لماذا يُغمض عينيه ثم يفتحهما وهو نائم؟
ـ يفعل ذلك ليتذكّر، وعندما يفتحهما يقول: «آه! هذه هي الدنيا إذاً!»
زيارة بوشويشة(3)
ـ آه! جئتَ يا بوشويشة مرّة أخرى!
ـ نعم لأنّكِ تفكّرين فيَّ! ما أخبار آسر؟
ـ إنه يغضب كثيراً، ويبكي كثيراً، ويرضع كثيراً، وينام كثيراً...
ـ كلّ شيء عنده كثير، نعم، حتى أمّه: عنده أمّ يسمعها، وأخرى يراها، وأخرى يلمسها، وأخرى يشمّها... ثم تجتمع الأمهات كلّهن مثل زوارق في بحر واحد، هو بحر الأم.
ـ لماذا يرى أمّه هكذا؟
ـ ألم أقل لكِ بأنه يرتّب بيت المخّ في هذا العالم؟ في السّابق كان كلّ شيء مُؤَمَّناً. لا حاجة للنّداء، لا حاجة للطلب، ولا حاجة حتّى للحبّ ما دام لا يوجد كُرْه!
ـ نسيتُ أن أخبركَ بأنه لم ينقلب، وجاء جالساً، كما أخبرني بابا!
ـ أعرف! أميرة المقلوبين هي السبب! لم يُعرْها أيّ اهتمام في قَصْر الملك الأخيضر فغارَت منه ومن رفيف الماء. هي التي أعطت الأوامر للحرّاس بإغلاق بوّابة الخصب.
ـ وماذا فعل لها الأخيضر؟
ـ الأخيضر مثل الأعمى، ينظر بعينين متوجّهتين إلى الداخل.
ـ هل شممتَ رائحة آسر؟
ـ رائحة الرُّضّع متشابهة.
ـ أنفه أفطس!
ـ يأتون بأنف كبير، وحاسة شم إضافية، يفقدونها فيما بعد.
ـ خفرة هنان في أعلى رأسه.
ـ سوف تنغلق عندما يكفّ عن النظر إلى الوراء، والوراء الآخر!
ـ أين؟
ـ حيث الجدّة، وحيث المملكة.
ـ وضعت إصبعي هناك، فصاحتْ ماما «انتبهي ستقتلينه!» أنا لا أريد قتله. لقد لبستُ حفّاظته، البارحة، وبلتُ فيها!
اختفار بوشويشة
ـ دقْ...دق...دق! طرقتْ جدجودة الباب.
ـ مَنْ بالباب؟ سألتْها السماء.
ـ أنا جدجودة منّانة، قفزت من الحفرة إلى الشجرة...
ذهبتْ جدجودة وتركتْ لي منديلها... كنتُ أخبّئه تحت المخدّة. أشمّه فيأتي بوشويشة.
لكن بوشويشة كَفَّ عن المجيء الآن.
ـ ماما! ماما! أين منديلي؟ أين منديل جدّتي؟ مَنْ أخذه من تحت مخدّتي؟
ـ ها هوذا يا آسرة، لقد غسلتُه لكِ، عودي إلى النوم!
ـ أين الرائحة؟ أين رائحة جدجودة؟ لماذا غسلتِ الرّائحة؟ أنا أبكي...
هكذا انقطع بوشويشة عن المجيء: أنا أبكي، أنا أبكي، أنا أبكي... مَنْ سيُعيُنني على الحكاية؟
جدجودتي الزَّهْرَة
خافتْ م الحفْرَة
ملّتْ م الحَصْرَة
وطَلْعَتْ للسَّجْرَة
جدجودتي يا جَدَّة
يا ريحة النَفّاحَة
خبّيتك تحت المخّدة
سِرْقَتّك الصَّيَّاحَة
جدجودتي الفَوَّاحة
غَسْلَتْهَا البَقرَة
عَصْرتْها قطرة قطرة
وأنا في السَّاحة...
صندوق كلام
آسر يدور حول سرّته. يرى. يسمع. يشم. يأكل. يبكي. يشدّ الغطاء لكنّه لا يتعلّم شيئاً. لا يتكلّم. مازال صندوقاً، وكلّه كلام. يستطيع أن يتكلّم في الدّاخل ويتثاءب ويضرط.
لو عادت جدجودة لرضعتْ من حليبه.
هربت جدجودة إلى مملكة الأخيضر: دق! دق! دق! وجدتْ قصر الأسماء أحمر.
عندما اقتربتْ جدجودة من القصر صارت حمراء أصابعي على هذا المصباح اليدوي، خافت جدجودة من دمها. لابدّ أن يكون اسمه آسر، لأنّ جدجودة تخاف من نميرة ونمير.
جدجودة: دق! دق! دق!
ريحان: مَنْ يطرق الباب؟
جدجودة: أنا جدجودة.
ريحان: لماذا جئتِ؟
جدجودة: جئتُ لرؤية آسر.
ريحان: آه آسر!
أبّة: آسر! آه!
ريحان: أنتِ جئتِ وهو خرج!
أمُّهُ سَمَكَة
ـ ماما! اِحكي لي حكاية!
ـ اذهبي للنوم.
ـ لماذا ماتت جدتي؟ لا يأتيني النوم ولا تأتيني حكاية.
ـ تمدّدي على الفراش وأغمضي عينيك وسوف تنامين.
ـ احكي لي حكاية حتى يجيء النوم.
ـ أنا مشغولة بأخيك.
ـ لمذا تحبّ الأم انبها وتأكله؟
ـ الأم لا تأكل ابنها، هو الذي يكبر في بطنها.
ـ لكنك أكَلْتِ الذي كان في بطنك وجئتِ بآسر من المستشفى‍
ـ جاء من مملكة الأخيضر، كما حَكتَتْ لك جدّتك.
ـ وذهبتِ للإتيان به من المستشفى؟
ـ أوف‍ جاء من بطني.
ـ كيف دخل إلى بطنك؟
ـ دخل مع السَّمَك‍
ـ عندما سَبَحْنَا في البحر؟
ـ نعم.
ـ لماذا سبحتُ أنا وبابا ولم نأتِ بآسر مثلك؟
ـ اهبي للنوم‍
ـ لماذا سبحتُ أنا وبابا ولم...
ـ قلتُ لكِ اذهبي للنوم‍ يكفي الآن‍ اذهبي للنّوم‍ لم يأت من البحر؛ أتى من مملكة الأخيضر. هيا اذهبي وإلاّ...
خفتُ وذهبت إلى فراشي. الحارس الأخضر جاء بسيفه. هيّا اُخرجْ يا آسر‍ اُخرجْ‍ خرج آسر. أمّه سمكة كبيرة لا تحكي حكاية. لذلك بدأ ينفخ في ثديها كالزمّارة ولا يرضع. ها هوذا يبكي. ستذهب إليه أمّه السّمكة الكبيرة. أنا أيضاً اذهب إليه لأرى...
شَقُّوني شَقّاً
ـ ماما‍ هل يبكي لأنّه يريد اسم نمير؟
ـ عُدْتِ؟ ألمْ أطلبْ منكِ أن تنامي؟ ألا يكفيني هَمُّ أخيك؟
ـ لا يأتي النوم، هل يريد اسم نمير؟
ـ اسمه آسر مثلك!
ـ صحيح أنه جاء من مملكة الأخيضر؟
ـ نعم! نعم! نعم! جاء من مملكة الأخيضر، مثلك أنتِ...
ـ مثلي أنا؟
ـ نعم! كنتِ هناك وجئتِ قَبْلَهُ.
ـ لماذا جئتُ قَبْلَهُ؟
ـ لأنّه جاء بعدك؛لكنّ الفارق الوحيد أنه جاء من باب الامبراطور، وأنتِ جئتِ من باب الخصب.
ـ أنا أحبّ باب الامبراطور! مَنْ هو الامبراطور؟
ـ وما همّكِ أنتِ إذا شقّوني شقّاً؟ كان باب الخصب مفتوحاً أمامك...
ـ وهل جاء معه ريحان؟
ـ كلاّ، ريحان تركه وبقي هناك.
ـ لماذ بقي هناك؟
ـ لكي يرافق أطفالاً آخرين ويعلّمهم.
ـ ماذا يعلّمهم؟
ـ يعلّمهم كيف يتغلّبون على الحازوقة والغاز والقيء الصغير...
ـ والقيء الكبير أيضاً؟
ـ نعم؛ والقيء الكبير أيضاً.
ـ والأمراض أيضاً؟
ـ نعم؛ والأمراض أيضاً.
ـ والجرذان أيضاً؟
ـ نعم؛ والجرذان أيضاً.
ـ لماذا الجرذان؟
ـ لستُ أدري... هيّا... أذهبي للنوم... هيّا...
قطّتي السّوداء ذات الغرّة البيضاء...
هل هي ذي قطتي السوداء ذات الغرة البيضاء تلتحق بي إلى الفراش. عيناها الخضروان تمضان.
والغرة البيضاء في رأسها، تلمع في الظلام.
حرَّكَتْ رأسها ثم دَسَّتْ أنفها تحت المخدّة.
بحثتْ مثلي عن منديل جدّتي.
لم تجدْ رائحتها فأسدتْ رأسها إلى كتفي.
أغمضتْ عيناً واحدة.
أغمضت الثانية.
لكنّها مازالت تنام وترى مثلي.
تحلم بجدجودة وتقول: خرْ...خرْ...خرْ...خرْ...خرْ... حتّى صباح آخر.
تونس
29/12/1992ـ 2/11/1995
فهرس
هذا فهرس آخر من خارج الحكاية لكنّه يخرج منها بحكاية عن الحكاية
ص
بعيداً عن مملكة الأخيضر: .....
تجري الأحداث في مكان خارج المملكة. لكنه ليس بعيداً عنها؛ وفي زمان لاحق على منها، غير أن الحكاية حكاية، وهي من طول الانتظار ودوره في اتّقاد الخيال، تجعل منه زمناً انتظارياً، سابقاً على مملكة الأخيضر. والحكاية مثل الكلام والخيال، تأتي بدلاً من غائب أو مفقود أو محال، لتعايش انتظارها له بالكلام، وتملأ غيابه عنها بالخيال.
في الطريق إلى المملكة: ....
هنا أيضاً، تستبق الحكاية حضور الغائب، بالكشف عن ماضٍ خفيّ، يُفترض أنه سابق على كلّ مجيء. لكنْ، ليس كل افترض حقيقة، على الرغم من حسن النوايا المتهيّئة لاستقبال الغائب كما نحبّ ونتمنّى.
في مملكة الأخيضر: ...
آه! انتبهوا الآن: هذا هو جوهر الحكاية! نحن حاليّاً في مملكة الأخيضر حقاً!
البداية المفترضة: ...
هي بداية لا تتطلّب كلاماً كثيراً، ولا خيالاً، ولا انتظاراً يعادل الانتظار الأوّل أو يشبهه. لم يعد الكلام بدلاً من غائب. ولم تعد الحكاية تعايش انتظارها، وتوَقُّدَ خيالها، في طلب الغائب، بل صارت تستغرق فيه بتعب أكثر وخيال أقلّ، لكنّه خيال من نوع آخر: ربّما كان مستقبل الجميع.
الفهرس: ...
هو فهرس آخر، كما تبيّن أعلاه، من خارج الحكاية، ولو أنّه خرج منها بحكاية.


 

Hosted by www.Geocities.ws

1