يائية مالك بن الرّيب بين هشاشة الحياة وفاجعة الموت
د. إبراهيم نمر موسى
جامعة بـير زيـت
بين يدي النص
تعدّ قصيدة مالك بن الرّيب (1) واحدة من شعر الفتوح الإسلامية ، التي استطاع الشاعر من خلالها أن يرسي لبنة في بناء عظيم من تاريخ شعر الجهاد في عصر صدر الإسلام ، لما تزخر به من قيم أخلاقية ، ومشاعر صادقة تتعمق النفس الإنسانية في لحظات انتصارها وانكسارها ، وقوتها وضعفها دون إخفاء ، أو مراوغة ، أو ادّعاء للمثالية والبطولة ، ولما تزخر به أيضاً من تشكيل للوطن الذي يتخذ صورة وجدانية ، ومساحـة جغرافية في الوقت نفسه ، مما يجعله "وطن الروح" ، بمعنى أن روح الـوطن تسكن الشاعر ، كما تسكن روحه في الوطن ، ولا غرابة في ذلك لأنه كان يصارع سكرات الموت ، ويكاد في كل لحظة يلفظ أنفاسه الأخيرة بعيداً عن تراب الأرض الذي اخضلّ بعرقه ودمه ، وبعيداً عن أهله وأسرته وأصحابه الذين نما جسده الغض الطري على أعينهم وقلوبهم المحبة ، وتشكّلت كينونته بين ظهرانيهم ، فما أحوج المرء في مثل هذه الظروف إلى وطنه وأهله ، لذلك نراه راغباً عن الموت في مكان آخر ، حالماً في إنجاز العودة إلى مكانه الروحي الأول .
إن لحظة الموت التي تسرق منه الحياة ، وتجعل روحه تنسلّ من بين جوانحه إلى بارئها ، جعل ذاكرته تستعيد حكايتها ، وتعبّر عما يريد أن يكون ، لا ما يراد له أن يكون ، واستطاع في المساحة التي تفصل بينهما أن يصوّر بصدق ما يعتمل في قرارة نفسه من مشاعر متضاربة ، أو متناقضة كأصدق ما يكون التصوير والتعبير، أليست أصدق اللحظات في حياة الإنسان هي اللحظات التي يشرف فيها على الموت ، حيث يطفو المخزون العاطفي أو المعرفي المختبىء في عقله الباطن على صفحة النفس ليرتسم نقشاً بارزاً لا كذب فيه ولا رياء مما هو متداول في حياة الناس ؟ .
إذا كان الشاعر العربي القديم قد رثى الملوك والأمراء والممالك والأصدقاء والأهل والولد ، ليخفف عن ذويهم اللوعة والحزن والأسى ، أو ليخفف عن نفسه الثكلى نارها المتأججة بين الضلوع ، فإن شعراء الفتوح الإسلامية – ومنهم مالك بن الرّيب – على خلاف شعراء الرثاء التقليدي كالخنساء وأبي ذؤيب الهذلي وابن الرومي وغيرهم ، قد استبطنوا ذواتهم ، وفجّروا مخزونهم العاطفي والوجداني في رثاء أنفسهم التي أصبحت على قاب قوسين أو أدنى من لقاء خالقها ، لذلك تركوا أنفسهم على سجيتها ، فخلت قصائدهم أو كادت من المقدمات الغزلية أو الطللية ، والتكلف اللغوي ، والتصنّع البلاغي . فالشاعر المجاهد في رأي د. النعمان القاضي " يريد _ قبل أن يشعر أنه يريد – أن ينفض ما بنفسه ابتداء دون تقيد بتقاليـد ، أو تمسك بنظم في التعبير ، إلاّ ما يفرضه طبيعة الإحساس النفسي ، والحالة الشعورية التي تتقمصه " (2) .
ولم يقـف الأمـر لدى شعراء الفتوح الإسلامية عند "رثاء النفس" برغم جدة الموضوع ، وطرافة الفكرة ، وجنائزية لحظة الإبداع ومأساويتها ، لكننا نجد بعضهم يرثي عضواً من أعضاء جسمه فقده على أرض المعركة ليحتسبه في ميزان حسناته يوم يلاقي وجه خالقه في جنان النعيم ، وذلك مثل الشاعر المجاهد عبد الله الجرشي الذي فقد "يده اليمنى" في مبارزة مع "أرطبون الروم" يوم "فلطاس" فقال :
ويل أم جارٍ غـداة الروع فارقني أهـون عليّ بـه إذ بان فانقطعـا
يمنى يـديّ غـدت مني مفارقة لم أستطـع يوم فلطـاس لها تبعـا
وما ضننت عليهـا أن صاحبها ولقد حرصت على أن نستريح معا
وقاتلٍ غاب عـن شأني وقاتلة هلاّ اجتنبت عـدو الله إذ صرعـا
وكيـف أتركه يسعى بمنصله نحوي وأعجـز عنه بعدما وقعـا
ما كان ذلك يوم الروع من خلقي ولـو تقـارب مني الموت فاكتنعـا
فـإن يكن أرطبون الروم قطّعها فقد تركـت أوصـاله بها قطعـا
وإن يكـن أرطبون الروم قطّعها فـإن فيها بحمـد الله منتفعـا (3)
ومهما يكن من أمر ، فقد شكّل رثاء النفس لدى شعراء الفتوح الإسلامية ظاهرة شعرية واضحة الملامح والقسمات في تاريخ الشعر الإسلامي/ العربي ، وذات أنساق متكررة ومرتبطة بتوليد دلالات لم تكن متوقعة أو مألوفة من قبل ، لأنها حملت في الوقت نفسه خصوصية ذاتية ألح عليها الشعراء ، وأكثروا من ترديدها على ألسنتهم قبل أن تفيض أرواحهم إلى رحاب بارئها حيث النعيم المقيم ، وبمعنى آخر فإن هذا اللون الشعري الجديد يختلف عن شعر"امرىء القيس" (4)و "عبيد بن الأبرص" (5) وغيرهما من شعراء العصر الجاهلي الذين رثوا أنفسهم قبل موتهم ، لأنه يختلف عن شعرهم في منطلقاته وأسبابه وطبيعته وغايته ولغته وصوره ، ولأنه استطاع أن يشتق لنفسه مجرى جديداً جعله في نهاية المطاف أصلاً لا فرعاً ، وخاصة أن الشاعر المجاهد لم يكن يبحث عن مجد شخصي كامرىء القيس ، ولم تكن تحكمه المصادفة فيما سيؤول إليه مصيره كعبيد بن الأبرص ، وإنما كان الشاعر المجاهد واعياً بالأسباب والنتائج ، يذهـب مختاراً مسلّماً بقضاء الله وقدره ، ويسير مـع الجيش طائعاً لأمر الله ورسوله بنفس راضيـة مطمئنـة نحو الشهادة ، لا يبالي بالخطـوب ، ولا يرهب الردى ، ولا يحذر الموت الزؤام إذا عدا ، ولم يكن جزعاً من الموت لأنه يؤمن بحياة أبدية في رحاب القادر الوهاب ، وما أعد له من جنان النعيم لاعين رأت ،ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، فكان صابراً ، محتسباً نفسه وعياله عند خالق الأكوان ومقدّر الأقدار ، فخوراً بما يقوم به من جهاد لإعلاء كلمة الدين الذي فيه سعادة البشرية بإخراجها من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .
لقد تعانقت الفضائل النفسية والإنسانية بالبعد الديني الخالص لوجه الله ، فأنتجت شعراً متميزاً يحمل في ثناياه سمات فنية وفكرية جديدة لم تراود شاعر العصر الجاهلي ، ولا خطرت بباله وخياله ، وعلى ذلك فإن شاعر الفتوح الإسلامية / البطل الإسلامي كان "يخرج من شرنقة الذات منطلقاً لإعلاء كلمة الحق . إنه "جندي الله" أو "المجاهد في الله" ، يحمل سيفه ويمضي إلى المعركة ، وهو يردد قول الشاعر عبد الله بن رواحة :
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي " (6) .
بنية النص
تشكّلت عناصر البنية الدلالية للنص من خمس شرائح أساسية دون ترتيب منطقي ، أو تتابع في الأفكار يربط الأبيات السابقة باللاحقة بخيط متدرّج يسري في جسد النص (7) ، ويجعله شبكة من العلاقات الدلالية تتكامل أنساقها البنائية وتفاعلاتها الدرامية لتؤدي إلى زيادة الوعي بالنص كلما تقدم القارىء في القراءة ، ليكون الكشف الشعري عاملاً مهيمناً في تحديد الأنساق الدلالية ، ومعرفة طبيعة عملها ، وكيفية تطورها وتضافرها في البنية العامة للنص ، إذ يجب أن تتكون البنية من "ظواهر متماسكة ، يتوقف كل منها على ما عداه ، ولا يمكنه أن يكون ما هو إلاّ بفضل علاقته بما عداه" (8) ، أي أن البنية الدلالية لكي تعمل بفعالية يشترط أن يكون لها نظام يحكم حركة الأنساق في علاقاتها الداخلية ، لتنتج الأنساق مجتمعة الدلالة الكلية للنص الشعري .
إن توزّع الأنساق على المستوى المكاني في جسد النص يزيد من صعوبة إنتاج الدلالة ، ويتنافى مع الوحدة العضوية ، ويترك فراغات نفسية أو فكرية لدى المتلقي الذي يحتاج إلى كبير تأمل لإعادة تركيب الأنساق من جديد ، وجعلها متماسكة في حِزَم دلالية ليتمكن من إدراك النص ، ومن ثم التفاعل معه وإنتاج دلالاته الجمالية والفكرية . ولا شك أن افتقاد النص للتنظيم الداخلي علـى مستوى الأنساق الدلالية يرجع إلى وحدة الزمن الإبداعي واشتباكها بلحظة الموت ، أي أن العفوية وانعدام الصقل والتهذيب والمراجعة ، شكّلت التجربة الشعرية في بعديها الفني والإنساني (9) ، وبذلك يصبح النص كشفاً واستبطاناً وتأملاً ذاتياً لأعمق أعماق الشاعر في لحظة فاجعة وشديدة الصدق من حياته ألا وهي لحظة الموت .
بناء على ما سبق ، نستطيع فض الاشتباك الدلالي ، واستكشاف المحاور الأساسية الممتدة في جسد النص ، وتحديد معالمها ، وهي كما يأتي :
1- الحنين إلى الوطن : تنبىء الأبيات العشرة التي تشتمل عليها هذه الشريحة عن رغبة الشاعر في نقل تجربة شعرية تخرج عن الإطار الذاتي المحدود إلى الإطار الإنساني الشامل ، إذ تتحول الأنا الشعرية مـن "أنا" فردية إلى "أنا" جماعية تكشف عن أبعاد الأزمة النفسية التي فرضت عليها قسراً ، حيث الموت في مكان بعيد لا أهل فيه ولا ولد ، بمعنى أن "الأنا" الشعرية عندما تقوم بسرد مأساتها وحنينها للوطن وغربتها عنه ، تقوم في الوقت نفسه بسرد حكاية إنسانية متكررة في جنبات الكون .
إن غياب الشاعر عن جغرافيا المكان ، وحضور المكان في زوايا النفس والعقل ، يكشف عـن حضور فسيفسائي للوطن ، فيذكر الغضا وأهله وأصحابه ، وطوله وعرضه ، وترابه وأرضه ، وسوق النوق ، ونجم سهيل ...الخ ، وهو في استحضاره لمكوّنات الغضا يعمد إلى تأليفه وصياغته من جديد ليتمكن حضوره ويستقر في صورة واضحة على صفحة روحه ، وقد ساق ذلك كله في صورة أمنيات يغلب عليها الطابع الفلسفي العميق ، والكثافة التعبيرية التي يتجلى فيها الغضا في صورة إنسان يعجب منه الشاعر لكونه سمح له أن يفارقه دون أن يقف حائلاً أمام ركبه لمنعه من السفر إلى بلاد الغربة ، كما يعجب لكونه لم يسافر معه ، فكأن الشاعر في هذا الحلم الإبداعي يريد أن يضع تصوّراً جديداً للعالم ومكوناته ، تجعل المكان قادراً على اختراق الزمان ليحقق وجوده وحضوره بصورة متعيّنة في جغرافيا الروح .
إن رغبة الشاعر في أن يتجلى للمكان "الغضا" ، أو أن يتجلى المكان له في غربة الموت ، يصل إلى ذروته في البيت الثالث والعشرين المستند إلى مفارقة فاجعة ، وذلك حين يطلب من أصحابه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة أن يرفعوه ليرى صورة الوطن في نجم "سهيل" الذي بدا له في أرض خراسان ، والمفارقة أن هذا النجم نجم يماني لا يرى من أرض خراسان ، فكأنه يحاول أن يبدع نجمه متوسلاً بعين البصيرة لا البصر . وبذلك تتكامل أبعاد الصورة الفسيفسائية التي رسمها الشاعر بعين خياله للوطن بعد أن أصبح الموت هو القوة الوحيدة المدمرة والمسيطرة على جسد النص .
2- استبدال الهدى بالضلالة : تنهض الأبيات الأربعة التي تشتمل عليها هذه الشريحة على بنية ثنائية تعتمد على التقابل أو التضاد ، ينقل الشاعر من خلالها عصارة النفس في لحظة من لحظات البوح الإنساني الصادق ، حيث يطفو العقل الباطن بما يختزنه في سراديبه من مشاعر وأفكار ، ينسرب منها التعبير الشعري ليكشف عن تقلبات النفس وتناقضاتها دون زيف أو مراوغة ، مما يؤدي إلى تحقق الثنائية التي تشع بنور الإيمان في إشارة إلى بيع الضلالة / اللصوصية بالهدى / الإيمان والجهاد في جيش سعيد بن عفان ، لكن تأبى النفس الإنسانية إلاّ أن تكشـف عن ذاتها في لحظة صدق شديدة الخصوصية ، فتنبؤنا عن حب للجهاد في سبيل الله مشوب بحب الدنيا ، ويتضح هذا كله في البيت السابع ، ويتأكد هذا المعنى في سياق القصيدة العام ، حيث يتمنى الشاعر العودة من الغزو إلى وطنه ليقيم فيه ولا يفارقه أبداً .
3- رثاء النفس : تتشكل هذه الشريحة من ثلاثة وعشرين بيتاً ، وتعدّ مركز الإشعاع الدلالي والبؤرة المحورية التي يقوم عليها النص في إنتاج دلالاته الكلية ، ولأنها تحمل في ثناياها شحنات عاطفية ووجدانية تعبّر عن أعمق مشاعر الإنسان . يستهل الشاعر الشريحة بتوظيف أسلوب "القسم" في قوله "لعمري" ، ثم أسلوب "التوكيد" في قوله "فإن أنج" ثم أسلوب "التكرار" لجملة " لله دري..." وما شابهها ، ويأتي ذلك كله للدلالة على تعجبه من نفسه ، وكيف طاوعته ليغترب عن أهله ووطنه ، ورفضه القاطع إن عاد إليهما ألاّ يسافر مرة أخرى . لكن الشاعر يدرك في قرارة نفسه أنه لن يتجاوز هذه المحنة بسلام ، لذلك نراه يستحضر بعض المراجع الاجتماعية في "الطيرة" بزخمها النفسي لتنبئ عن الحزن الذي يسكن كيانه ويعتري روحه ، وذلك في ذكره "للظباء السانحات" ، حيث كان بعض العـرب – ومنهم مالك بن الريب – يتشاءمون من السانح الذي يأتيهم من جهة اليمين ، ويتفاءلون بالبارح الذي يأتيهم من جهة اليسار ، وكان بعضهم على عكس ذلك ، ولذلك كانوا يقولون "من لي بالسانح بعد البارح" (10) ، وهذه الدلالة الاجتماعية تجعل الشاعر يؤكد على لسان "الظباء" أنه هالك لا محالة .
بناء على ما سبق ، يقف الموت شاخصاً في وجه الشاعر لا يبرحه ، وتنعدم الآمال بالنجاة منه ، ولا يبق له إلاّ أن يستبطن ذاته ، ويفجّر مخزونه العاطفي والوجداني في رثاء نفسه مخترقاً الماضي والحاضر باتجاه المستقبل في ابتهال طقسي / ديني لخالق الكون ، فيقدم بين يدي صاحبيه وصيته الأخيرة المتمثلة في تسوية قبره وتوسيعه ، وتهيئة أكفانه ...الخ ، مستبقاً في ذلك الزمن الذي لم يستطع التغلب عليه في حياته ليحاول التغلب عليه في مماته ، لذلك نراه يذكر أولاً بكاء سيفه ، ورمحه الرديني ، وفرسه الأشقر لأنها رمز من رموز فخاره وفروسيته ، ثم يذكر ثانياً بكاء أهله وأصحابه . وبذلك يسلّم الشاعر تسليماً كاملاً بلحظة الحقيقة ونهاية الحياة دون أن ينجز حلمه بالعودة إلى الوطن .
4- تذكّر الأهل : يستشعر المتلقي من الأبيات التسعة المدرجة في ثنايا الشريحة الرابعة ، أنها تنهض على بنية تكاملية مع أبيات الشريحة الثالثة ، لأن الشاعر عندما استبق الزمن فذكر بكاء سيفه ورمحه وفرسه عليه ، قد أردف ذلك بذكر بكاء أهله على مستوى الزمن الآتي ، وعلى مستوى الزمن الماضي قبيل سفره ، فأشار إلى ابنته التي أخبرته أنه بسفره سيتركها وحيدة بلا أب ، ثم يكر راجعاً إلى عاطفته الأبوية ليعجب من نفسه لترك أسرته وأبويه ، وينتهي بوصية صاحبيه أن يبلغا أسرته وأهله وعشيرته بموته ، وأنه لن يلقاهم بعد اليوم .
5- تذكّر الماضي : تشف هذه الشريحة المكوّنة من اثني عشر بيتاً عن تقابل دلالي بين الحاضر/الماضي ، أو بين الضعف والوهن/القوة والفروسية ، وبذلك يأخذ الماضي حيزاً مكانياً كبيراً في جسد النص ، يعود فيه الشاعر إلى مرحلة "الضلالة" التي تجاوزها في البيت الرابع إلى "الهدى" بسيره للجهاد في جيش سعيد بن عفان ، وبذلك بقيت هذه المرحلة مستقرة في عقله الباطن ، تتعمق فؤاده ، وتستتر تحت غلالة رقيقة من الحاضر ، حتى إذا أراد البحث عن كينونته لم يجد سوى الماضي ، وخاصة أنه يرفض الحاضر ، لكنه مع ذلك يستقصي الفضائل الأخلاقية التي امتاز بها في الماضي مثل : صعوبة انقياده للآخرين ، وشجاعته وقت الشدائد ، وسرعته في تلبية نداء القتال – وليس الجهاد- ، وصبره على نظرائه وقت النـزال ، وبعده عن شتم ابن عمه وجاره ...الخ . لكن هذا كله يكشف عن مفارقة – بين زمنين- تأخذ بخناقه ، وتضغط بقوة على قلبه ، كما يكشف عن فخر بالنفس وجد فيه متنفساً عما يثقل كاهله من ظلال الغياب والموت ، ولعله يؤمن في النهاية أنه يحمل ماضياً لا يدري ما الله قاض فيه .
بلاغة النص
تمتاز البنية اللغوية في النص بالتجرد من المراوغة ، وعمق الرؤيا الشعرية ، والتأمل النفسي القائم على استبطان الذات في لحظة من لحظات الكشف عن مشاعر إنسانية شديدة الصدق ، وقد تجلّت هذه الدلالات في توظيف الشاعر لعدة أساليب فنية نذكر منها :
1- توظيف الأساليب الإنشائية : وقد شكّلت هذه الأساليب ظاهرة أسلوبية بارزة ، وملامح تعبيرية أعانت على فك شفرة النص ، وإدراك دلالاته الغائرة وراء الكلمات والجمل والصور الشعرية ...الخ ، فقد وظّف الشاعر أساليب الاستفهام والنداء والتمني وغيرها لإنشاء علاقات تشابه وتضاد في الوقت نفسه على المستويين الزماني والمكاني ، حيث حياته بين اللصوصية والجهاد في سبيل الله ، وحياته في وطنه وموته في بلاد الغربة . فالاستفهام والتمني في البيت الأول يشيران إلى إدراك الشاعر لفجائعية السؤال وقسوته على النفس البشرية التي حانت منيتها في مكان غريب لا أهل فيه ولا ولد ، وهذا يبعث في المتلقي حركة باطنية تمور في نفسه حزناً وألماً ، وتنشّط ذهنه إلى تأمل صادم يحدث توتراً انفعالياً عالياً يعكس الصراع النفسي الذي عاناه الشاعر .
ومما يزيد من فاجعة الشاعر أنه أخرج الاستفهام عن إطاره الوظيفي المباشر الدال على طلب العلم بالشيء الذي لم يكن معلوماً من قبل ، إلى إطار إيحائي متعدد الرؤى والأبعاد يجسد من خلاله معرفته المسبقة بعقم الإجابة واستحالة تحققها على المستوى الواقعي ، ليبقى الاستفهام محصوراً في إطار التقرير أو التمني الذي ينشد من خلاله الشاعر مثالاً إنسانياً يرسّخ في الوجدان موقفاً قويماً من حب الوطن والتشبث بترابه ؛ ثم يأتي أسلوب التمني متمثلاً في "ليت" بحضورها الكثيف والمنتشر في جسد النص خمس مرات ، منها ثلاث مرات في البيتين الأولين لتؤكد سكونية التوقع واستحالة التحقق ، فتقطع بحضورها نياط القلوب .
2- توظيف التكرار : ويعتمد النص في إنتاج دلالاته على توظيف أسلوب التكرار الذي يكرّس النمط التراكمي المعبّر عن وطأة الزمن ، أو الظرف التاريخي القاسي الذي يطحن القلب برحى الغربة ، ويسحق النفس بفقدان الحياة ، وبهذا يصبح الحنين إلى "الغضا" بتكراره الأفقي والرأسي "ست مرات" في جسد النص مطلباً تعويضياً ناتجاً من تفكك علاقة الشاعر بالمكان الجديد ، ويصبح لتذكّر الغضا والحنين إليه أهمية قصوى ، يحاول الشاعر من خلالها إعادة توازنه الذي اختل ، فالتكرار على هذا الاعتبار "يسلط الضوء على نقطة حساسة في العبارة ، ويكشف عن اهتمام المتكلم بها ، وهو بهذا المعنى ذو دلالة نفسية " (11) ، مما يجعل التكرار مركزاً للثقل الشعري ، أو النواة الخفية للمكان الذي ينفي بحضوره جميع الأماكن الأخرى التي لا تحمل سنداً عاطفياً أو نفسياً في وجدان الشاعر .
ويبلغ الشاعر في قصيدته غاية المد الدرامي حين يوسّع من دلالة تكرار الغضا ، ليعبّر عن الصراع المتوقد في أعماقه ، ويفجؤنا بأبعاد دلالية إيحائية تستند إلى أسلوبي "المفارقة" والتصوير الشعري المعتمد على "التشخيص" أي خلع صفات الإنسان على الأشياء المعنوية أو الجامدة ، وذلك حين يستحضر المكان "الغضا" المرتبط بزمن مضى وانقضى ، ولا سبيل إلى عودته إلاّ عن طريق الحلم الشعري ، وثقب جدار الزمن ، وتجاوز الزمن الحاضر بمكانه الغريب عن النفس إلى الزمن الماضي بمكانه الأليف إلى النفس ، وهو بهذا المعنى يعمل على إعادة تأليف الزمان والمكان وفق رؤيا شعرية جديدة تسحق الحاضر بقسوته وجبروته ، وتعلي من سياق الماضي بإشراقه ونضارته .
لقد اتخذ الشاعر من أسلوب "التشخيص" سنداً دلالياً وعاطفياً لما قام به من إعادة صياغة العالم ، مما جعل "الغضا" يتحول من كونه مساحة جغرافية مجردة ، إلى كونه شخصاً/ إنساناً يمتلك الشاعر قدرة خارقة على مخاطبته ومحاورته واستنطاقه ونقل تاريخه ، وبذلك اتخذ المكان صورة إنسانية باعتبارها تشكيلاً روحياً ووجدانياً يزخر بالحركة والحياة ، وهو ما يفتقده الشاعر في لحظة الإبداع الشعري ، فكان ذلك تعويضاً نفسياً ،عن عدم قدرته على الحركة ، وافتقاده المكان "الغضا" . لذلك لا غرابة أن نجد "الغضا" محوراً مركزياً من محاور الكون ، وجزءأ أساسياً من التجربة الحياتية للشاعر التي تذوب في جسد النص (12) .
3- توظيف القافية : يلعب حرف الروي في النص دوراً بارزاً في توليد دلالاته الباطنية ، وينبىء عن أبعاد درامية تتكامل في إنتاج الدلالة العامة للنص ، وهو ما يتجلى بوضوح في اعتماد النص على حرفي مد في القافية هما "الياء" باعتبارها حرف الروي ، و"الألف" باعتبارها حرف الوصل الناتج من إشباع حركة حرف الروي بالفتحة ، وكلاهما -على المستوى الصوتي- يوحي باتساع المخرج ، والانتشار ، والوضوح السمعي ، فكأن الشاعر يبغي بهما كسر الحيّز المكاني الضيق "خراسان" حيث ينازع سكرات الموت ، ويرغب في الانفتاح على العالم الخارجي ، وإسماع صوته لأهله في "الغضا" . ولعل حرف الوصل "الألف" أيضاً بعلوّه وتساميه وارتفاعه ينسجم مع رغبة الشاعر الباطنية في أن يقف منتصباً على قدميه ، عائدا ًإلى وطنه ليموت في راحة وسكينة ، وهو ما يعمّق التصورات الثنائية التي تصل إلى حد التناقض في أعماق الشاعر ، مما يؤدي إلى توليد أبعاد درامية على مستويات النص الشعري وما يتعلق به من أنساق لغوية وتصويرية وموسيقية ...الخ ، تجسّد كلها في رأي د. كمال أبو ديب حنين الذات العميق ونزوعها إلى الانطلاق خارج المدار المغلق ، أي أن القافية تشكّل طرفاً من ثنائية ضدية طرفها الآخر التجربة الأساسية نفسها : القيد والحصار ، وتصبح القافية انفجاراً داخلياً يتموّج عبر جسد القصيدة (13) ، وبذلك تستطيع القافية أن تكون دليلاً للمتلقي على كشف الدلالات الكامنة في ثنايا النص الشعري ، وأن تكون علامة على استكناه أعماق الذات الشاعرة ، وهو ما يخرجها من كونها مجرد أداة شعرية –كما يعتقد الكثير من النقاد- إلى كونها وسيلة مهمة في إنتاج الدلالة .
هكذا تستطيع البنية اللغوية إنتاج دلالات عميقة تصل إلى أغوار النص وقراره وأبعاده البنائية المتعددة ، فالقصيدة كما يقول د. محمود الربيعي " موضوع لغوي من نوع خاص ، واللغة توظـّف فيها على نحو متميز ... وفي سبيل أداء هذه المهمة ، لا بد أن تقرأ القصيدة قراءة كاشفة ، ترصد فيها المعالم اللغوية ، وتوصف هذه المعالم ، وتحدد العلاقات ، وكيف تعمل داخل الشعر ، ويبحث من خلال كل ذلك ... عن المعنى الشعري للقصيدة " (14) .
--
الهوامش
1-هو مالك بن الريب بن حوط بن قرط بن مازن بن تميم ، كان من أجمل العرب وأبينهم بياناً ، وعندما ولّى أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان سعيد بن عثمان بن عفان خراسان ، سار فيمن معه فأخذ طريق فارس ، فلقيه مالك بن الريب ، فلما رآه سعيد أعجبه فقال له : ويحك يا مالك ، ما الذي يدعوك إلى ما يبلغني عنك من قطع الطريق ؟ فقال: أصلح الله الأمير ، العجز عن مكافأة الإخوان . قال : فإن أنا أغنيتك واستصحبتك أتكف عما تفعل وتتبعني ؟ قال : نعم ، أكف ، فاستصحبه وأجرى عليه خمسمائة دينار كل شهر ، وكان معه حتى قتل بخراسان ، وقيل طعن فسقط وهو في آخر رمق . انظر أبو علي القالي : ذيل الأمالي – دار الكتب العلمية – بيروت – مج 3 – د.ت - ص135-139
2-. النعمان عبد المتعال القاضي : شعر الفتوح الإسلامية في صدر الإسلام – الدار القومية للطباعة والنشر – مصر – 1965م-ص240.
3-د.محمد حوّر : النـزعة الإنسانية في الشعر العربي القديم – مكتبة المكتبة – أبو ظبي – ط2 – 1985م – ص134-135
4-بعد عودته من بلاد الروم أصبح على قاب قوسين أو أدنى من الموت ، فقال حين رأى امرأة تدفن إلى سفح جبل عسيب الذي مات عنده : أجارتنا إن الخطوب تنوب وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنّاغريبان ههنا وكل غريب للغريب نسيب
انظر حسن السندوبي : شرح ديوان امرىء القيس – مكتبة الاستقامة – مصر – 1930م – ص55 .
5-كان المنذر بن ماء السماء قد نادمه رجلان من بني أسد ، فأغضباه فوضعهما في تابوتين ودفنهما في حفرتين ، وعند الصباح سأل عنهما فأخبر بهلاكهما ، فندم على ذلك ، وجعل لنفسه يومين في السنة يجلس فيهما ، أحدهما يوم نعيم ، والآخر يوم بؤس ، فأول من يطلع عليه في يوم نعيمه يعطيه مائة من الإبل ، وأول من يطلع عليه في يوم بؤسه يقتله ، وكان عبيد بن الأبرص أول من أشرف عليه في يوم بؤسه ، فخيّره المنذر كيف يقتله ، فقال له عبيد : إن كنت لا محالة قاتلي ، فاسقني الخمر حتى إذا ماتت مفاصلي وذهلت ذواهلي فشأنك وما تريد ، فأمر به المنذر ففصد . وكان مما قال عبيد :
وخيّرني ذو البؤس في يوم بؤسه خصالاً أرى في كلها الموت قد برق
كما خيّرت عاد من الدهر مرة سحائب ما فيها لذي خيرة أنق
سحائب ريح لم توكل ببلدة فتتركها إلاّ كما ليلة الطلق
انظر : عبيد بن الأبرص : ديوانه – دار بيروت للطباعة والنشر – بيروت – 1958م- ص 7-9 .
6-د. قاسم عبده قاسم ، و د. أحمد إبراهيم الهواري : الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث – دار المعارف – مصر – 1979 – ص12.
7- تشتمل الشريحة الأولى على الأبيات : 1،2،3، 5، 8، 23، 38، 39، 54، 57 .
والثانية على الأبيات : 4، 6، 7، 9 .
والثالثة على الأبيات : 11، 12، 14، 16، 17، 18،19 ،21،22،24،25،26،27،28،34،35،36،37،47
،48،49،51، 53
والرابعة على الأبيات : 10،13،15،20،46،50،52،56،58 .
والخامسة على الأبيات : 29،30،31،32،33،40،41،42،43،44،45،55 .
8-د. زكريا إبراهيم : مشكلة البنية – مكتبة مصر – مصر – 1977م– ص43 .
9-مـن المعروف أن قصائد زهير بن أبي سلمى كانت تسمى بالحوليات لأنه كان ينظمها في أربعة أشهر ، ثم ينقحها في أربعة أشهر ، ثم يذيعها بين الناس في أربعة أشهر .
10-للاستزادة في اختلاف العرب للتيمن بالسانح أو البارح انظر ابن منظور المصري : لسان العرب – دار صادر – بيروت – ط1 – 1990م – مادة "سنح" – ص490 – 491 .
11-نازك الملائكة : قضايا الشعر المعاصر – دار العلم للملايين- بيروت – ط7 – 1983م- ص276.
12-انظر إبراهيم نمر موسى : تجليات التناص في الشعر الفلسطيني المعاصر – رسالة دكتوراه بجامعة عين شمس – 2002م –ص423.
13-د. كمال أبو ديب : جدلية الخفاء والتجلي – دار العلم للملايين – بيروت – 1984م- ص69-70.
14-د. محمود الربيعي : لغة الشعر المعاصر – مجلة فصول – مصر – مج1- ع4- يوليو 1981م- ص62.