في جدارية محمود درويش الجديدة : مبارزة غير عادلة مع الموت
ذهنية لا تصل إلى مرتبة الحكمة
فيصل قرقطي
![]()
الكتابة عن عمل للشاعر محمود درويش ؛ أمرٌ لا يخلو أبداً ، من المغامرة الحادة ، لا سيما أن الأعراف النقدية العربية ، باتت اليوم ، تتحرك في دائرة المسموح .. وهذا المسموح له ما يبرره ويدينه على السواء .
ويمكن القول أن آفة الشعر العربي .. والنقد كذلك تتركز في أن النقد لم يتصالح مع نفسه حيال الظواهر الشعرية العربية الكبيرة مثل أدونيس ودرويش وسعدي يوسف .. الخ بالضبط مثلما أنه لم يتصالح مع نفسه حيال الأسماء الشعرية الأخرى التي حفرت عميقاً في الأرض البوار أرض الشعر العربي .
ومحمود درويش ظاهرة شعرية عربية فريدة .. تتأسس بصلابة قلَّ نظيرها لا لجهة القول الشعري المتفرد وحسب ، وإنما لجهة محطات شعرية ، تكونت عبر مواقف ومراحل اشتغل عليها الشاعر منذ أكثر من ثلاثين عاماً .
ولكن هل يستطيع كل هذا أن ينفي دوراً نقدياً يحاور القصيدة ، ويحاول إعادة قراءتها .. وتفكيكها ومحاولة إعادة تركيبها نقدياً على نحو جديد ؟!
هذا السؤال مدعو بالدرجة الأولى ، النقد العربي إلى الإجابة عنه ، ليس بالنسبة لدرويش وحسب وإنما أيضاً بالنسبة للنتاج الشعري العربي بعامته ولمختلف الشعراء . لأن درويش وسعدي يوسف و أدونيس ، كأني بهم ملّوا من صيغ المديح النقدي الكلاسيكي الذي لا يتعدى كونه يتأسس على قراءة سطحية للنص وإصدار أحكام قيمة تنتج عن ذائقة جمالية ما .. وذلك بعكس المفاهيم النقدية الجديدة التي تحاول قراءة النص تحليلاً وتركيباً على نحو جديد .
ولا مكان هنا في هذه المقالة إلى اعتراف مجاني .. أو إغواء لغوي ، أو تصالح وطني مع صيغ أبلت بنا .. وألبستنا أثواب الكورس ؛ أو حاشية السلطان لعقود خلت من الزمن .
ومنذ البدء لعب محمود درويش على متغيرات الراهن الإبداعي والسياسي فاستطاع بجدارة أن يؤسس مشروعاً شعرياً جديداً ، إذ أضاف للقصيدة العربية التقليدية منها والحديثة شخصية جديدة على مدار الثلاثين سنة الماضية يمكن تسميتها بقصيدة الملحمة الدرامية ذات الأجراس والخلاخيل والتي تعج بالألحان تلك التي بدأت عنده في منتصف السبعينات مع قصيدة "تلك صورتها وهذا انتحار العاشق " لتبدأ بالتجسد والتأصيل مع " سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا " وتمتد مع " أحمد الزعتر " و بيروت " و "مديح الظل العالي " … الخ وتميزت بشحنة رومانسية عالية لجهة الصوغ مع ارتفاع نبرة النشيد عبر المقاربة ذات الظلال والأنوار عل السواء .
أما في جداريته الجديدة فقد فتح الأسئلة إلى أقصى مدى إذ نلاحظ أنه بدءاً من العنوان " جدارية محمود درويش " يتداخل الفردي بالجمعي الاسم الشخصي بالعنوان ليتأسس سؤال يقوم بين الاسم الشخصي والعمل الفني … وهذا السؤال يفضي إلى مساحة في التخييل تطرح استفسارات عن العلاقة بين هذين القطبين وبالتالي يعكس العنوان حالة نصف تجريدية ونصف واضحة في آن .. إضافة إلى الحروف المتكررة والمتشابهة في متن هذا العنوان مثل : ( الدال والراء والياء والواو والجيم والحاء ) مما أعطى تشكيلاً بصرياً جميلاً .
وينطلق درويش في جداريته من طرح السؤال الأكثر شراسة ذاك السؤال الذي يفضي بنا إلى ممرات الصدم ومواجهة ما لا نحب أو نرغب . إنه سؤال الغياب (الفقد ) ومحاولة الإجابة عنه تكمن في تحديه وتعريته، وجعله ينهزم أمام محاولات فشله التي تتجسد في تعريته تماماً :
"هزمتك يا موت الفنون جميعها"
إلا أن هذه النتيجة والتي كان حريصاً عليها الشاعر محمود درويش ، حتمت عليه أن يتخلص من الكثير من الجمل الوصفية الرومانسية لصالح الذهنية ، ولكن هنا ذهنية لا تصل إلى مرتبة الحكمة وبالتالي حافظت على إرثها الدرويشي مضيفة إليه شيئاً جديداً من قبس الحكمة .
إن الملحمة الدرامية الدرويشية التاريخية التي كانت تعتمد البطل الفردي فارساً لها ، نجد أنه حلَّ محلها الشاعر وأسبابه الذاتية التي هي بالضرورة هماً جماعياً فتنحى البطل الفردي إلى البطل الذاتي (الجمعي) وهنا تتداخل حدود الذاتي بالفردي والجمعي على السواء ليتأسس موضوعاً مفتوحاً على جماليات متعددة وجديدة من جهة ، وكذلك على موضوعةٍ حياتيةً غير مرتبطة ارتباطاً كلياً بموضوع محدد إنها مفتوحة على الحياة وكل شيء فيها :
الأرض عيد الخاسرين ] ونحن منهم [
نحن من أثر النشيد الملحمي على المكان ، كريشة النسر
العجوز خيامنا في الريح . كنا طيبين وزاهدين بلا تعاليم
المسيح . ولم نكن أقوى من الأعشاب إلا في ختام الصيف .
أنت حقيقتي ، وأنا سؤالك
لم نرث شيئاً سوى اسمينا
وانت حديقتي ، وأنا ظلالك
عند مفترق النشيد الملحمي …
وجدارية درويش هي حقيقته الواضحة … بالرغم من أنه سؤالها … ذاك الذي يتجسد عند مفترق النشيد الملحمي .
إنها مرحلة جديدة يدخلها الشاعر مدججاً بعشرات (القصائد) + الفتوحات ليصل عند مفترق النشيد الملكي الملحمي .. هذا المفترق الصعب الذي لا يحسد عليه الشاعر لأنه يرفض على ما يبدو أن يصبح مؤسساً لشعرية ما لجماليات ما أي ( جزءا من التراث ) .
وتتوطد جدارية محمود درويش في حيز التنازع التصارعي بين الحياة والموت أي بين ثنائية متفجرة ليس في الهم الشاغل للإنسانية وحسب ، وإنما أيضاً في السؤال الفلسطيني الأول الذي أرهق الفلاسفة وأرقهم طراً .
ولكن الجديد في الأمر هو انفتاح هذا السؤال على دلالات وحيوات جمعية تبحث عن خلاصها في أتون الصراع الوجودي الدائر من خلال خلاص الفرد + الذات تلك التي لا تنفصل عن مدارها الإنساني فتارة نجدها في أقصى تخوم الفردية … وتارة أخرى في قاع الجمعي الذي يتمثل أحلام ومستقبل وتطلعات شعب بأكمله . فما هو فردي ليس فردياً بالمعنى الضمني للكلمة .. وما هو جمعي في كثير من الأحيان لا يخدم الجماعة في والسؤال بحد ذاته كمعطى دلالي ومعنوي ليس جديداً بل هو قديم قدم الإنسان نفسه شئ .
ودرويش استطاع في سيرته الشعرية الطويلة أن ]غيب الفردي بامتياز لصالح الجماعة … ولكن هنا في جداريته الجديدة عمل على إظهار فردية الذات من خلال نبوغها في فهم الجماعة ومتطلباتها وشعائرها وموزاييك وجودها على نحو متفرد ،
أكثر الشعر العربي تغنى بالموت وفتح حوارات ليس لها خواتيم مع هذا "الموت " الذي هو الفقد بامتياز ، لكن درويش هنا يحاور الموت باعتباره كائناً لم يفقد صلته بعد مع الإبداع وبالتالي دخل في مبارزه غير عادلة مع هذا ال"موت " ليهزمه من خلال الحوار المتألق :
"هزمتك يا موت الفنون جميعا ..
في حلبة الصراع الذاتي الممكن التواصل .. أما في حالة الانتقال الوطني فإنه يستسلم للموت .. كأنه نذر نفسه للتحدي الدائم ، وهذا سرُّ أزمته وخلاصه في آن إذ قال في مرحلة بيروت في الثمانينات :
يا ليت لي قلبك
لأموت حين أموت
في جداريته يسند الشاعر درويش ظهره للجدار وهو آخر ما تبقى له إذ يخون القلب والزمن الطموح والفكرة .. ما أجمل أن يكون المرء أكبر من الموت .. وأكبر من الطموح .. ليصل إلى حوارٍ مفتوح وجهاً لوجه مع الموت .. ومع الوجود برمته فنجده يطلق اعترافات جديدة لا تقل تحدياً للموت نفسه عن الموت :
"أنا الرسالةُ والرسول " / ص 14
" المكان خطيئتي وذريعتي " / ص14
كلام الله عند الفجر أرض قصيدتي " / ص17
"قل ما الآن ، ما الغد ؟
ما الزمان وما المكان
وما القديم وما الجديد / ص16
ومنذ البدء يؤسس درويش أرضية السخونة والتصارع في المواجهة التي لا يكلُّ منها أبداً رغم ملاحظة بعض مواطن التراجع والخوف عنده
" لا قاتل يصغي إلى قتلي ، ولا يتلو وصيته شهيد / ص19
لكن المحاكمة لا ترضى بالشهود .. ولا تبديل الأدوار أو الارتهان إلى المصادفات .. فتجنح إلى الاعتراف :
غنيت كي أزن المدى المهدور
في رجح الحمامة
لا لأشرح ما يقول الله للإنسان
لست أنا النبي لأدعي وحياً
وأعلن أن هاويتي صعود / 22
لكن منذ البدء يشعر بشح أسلحته : وانفراط ما حوله فيعلن هدنة مؤقتة للتصالح مع موضوعية الذات .. وموضوعية الأدوات
لم يبق لي إلا التأمل في
تجاعيد البحيرة ، خذ غدي عني
وهات الأمس ، واتركنا معاً
لا شيء ، بعدك ، سوف يرحل
أو يعود
المقايضة هنا تشي بالاغتراب الفذ ليس عن كل ما هو نبيل وجميل في هذه الحياة .. وإنما في التصالح الأخير مع الجدار الأخير .. مقايضة الغد بالأمس لكن هذه المقايضة المرّة سرعان ما تقفز من إيحاءاتها وطراوة العراك فيها إلى ما هو أبقى وأدوم في مناجاة الحبيبة :
وخذي القصيدة إن أردتِ
فليس لي فيها سواكِ
خذي " أنا " كِ . سأكمل المنفى
بما تركت يداكِ من الرسائل لليمامِ / ص 18
لكن محمود الواحد المتعدد .. يندمج في الآخرين على نحو خلدوي حياةً وروحاً وشعراً وكلماتٍ وصوغ ليعلن الصيغة الحبيبة إلى نفسه وهو في أوج معاركه مع الموت ناسياً أن جدل السؤال يحيل إلى ضدية المعنى :
وكلما فتشت عن نفسي وجدت
الآخرين ، وكلما فتشت عنهم لم
أجد فيهم سوى نفسي الغريبة
هل أنا الفرد الحشود /ص 24
نعم هي كذلك تتبدى الصورة أو تنير المعطى اللغوي والروحي لجدارة شاعر يتوزع في الحشود أو لنقل تتوزع الحشود فيه ولكن هل فردانية الميراث والنبوغ تطغى إلى هذا الحد :
"لا حي يقول لميت كني " / ص27
وحينما تطغى لحظة الموت هذه بكل عتوها يتجذر النشيد ليعلن اعترافاته على نحو مغاير :
الوقت صفر . لم أفكر بالولادة
حين طار الموتُ بي نحو السديم
فلم أكن حياً ولا ميتاً
ولا عدم هناكَ ولا وجود / ص28
إذاً كان هناك بياض فاضح ، يفتح نهايات الوجود لمتعة التقصي في الغياب .. الغياب الأبله ذاك الذي يقايض المعرفة بالجنس أو الجسد بطمأنينية إجادة المهنة ، وهل الموت يجيد مهنته على نحو يجعلنا نحترمه ونقدره ؟!!!
لكن الشاعر هنا عراف الوجود ، يقين الحياة الأزلية .. ذاك الذي يطلع بخار الحكمة من أردانه دون أن يعي أنه مشّرع العالم غير المعترف به لكن بحالة مثل حالة شاعرنا محمود درويش يملك جدارة الاعتراف بامتياز .. ولكنه ضنين بها ، إذ لا يرتاح أبداً لأي اعترافٍ منقوص ، لذلك كأني به وصل إلى رقعة من الشطرنج بحيث يتمنى لو يطرد نقاده الذين لم يروه على حقيقته فألّهو قوله ونسوا أنه من بني آدم لا يقوَ على الألوهة :
رأيت المعري يطرد نقاده
من قصيدته
لست أعمى
لأبصر ما تبصرون
فإن البصيرة نور يؤدي
إلى عدم أو جنون / ص 31 / 32
وهذا الأمر هنا لا يحط من قيمة شاعرنا بقدر ما يحفزه على الحياة والشعر في آن خاصته إذا علمنا أن الإنسان نصف إله خاطئ ألقي به إلى الأرض ليعيد صياغتها على نحوٍ جديد ، وأن درويش أصفى الناس لصوغ هذه الحياة كما ينبغي أن تكون .
وهنا أراني مضطراً للرجوع إلى ما قاله إدوارد سعيد عن درويش ، وباركه صبحي حديدي لتوكيد خطل النقد الاستشفافي الذي يمسك بتلابيب أحكام القيمة مولداً منها فرضيات حتمية :
" الشعر عند درويش لا يقتصر على تأمين أداة للوصول إلى رؤية غير عادية ، أو إلى كون قصي من نظام متعارف عليه ، بل هو تلاحم عسير للشعر وللذاكرة الجمعية ".
إن شعر درويش أبعد ما يكون عن التلاحم العسير بين الشعر والذاكرة الجمعية لأن الذات الدرويشيه في أدنى أحوالها تندمج بشكل كلي وجدلي مع الذات الجمعية ولكن الأصح أن الشعر عند درويش يسعى إلى تأسيس وتصليب دعامات نظام عسير بين الرؤيا غير العادية وبين الكون فلا خدعة بصرية هنا ولا خدعة صوغية ، لأن فتنة الشعر تتعدى مخزون الجراح ، ودرويش يصوغ الحياة على نحوٍ جديد بإدراك أو بغير إدراك ، ليس مهماً هذا لأن الشعر يحتل المنطقة الحاسمة بين الوعي واللاوعي وبذلك يمكن تسمية درويش بملك الفتنة في القول والشد والصمت .
ربما نسي شاعرنا درويش أن ثمة أجل ولكن يا لروعة هذا النسيان ، وليت الموت ينسى لنعيش جيلاً فجيلاً مع محمود الخلود
لم أولد لأعرف أنني سأموت / ص 36
ولعل ما يلخص النظرية والأعراف الشعرية الدرويشية هو قوله
لا عُرف يكفي كي أشد نهايتي لبدايتي /ً33
النهاية أولاً … والبداية ثانياً لأنها الأقدم والأضعف … وما بينهما جزر التوهج والاشتعال لأن بداية درويش لم تنجز كمالها كبداية ، وإنما أنجزت مشروعها الشعري المتدفق فالكبار يولدون كباراً ويبدأون كباراً في خلود البداية … وهذا هو المفتاح الدقيق لشعرية درويش المتألق .
ويقول صبحي حديدي بأن عمليات مساءلة الذاكرة واسترجاعها ملحمياً وتاريخياً لا تفتح ملفات الذات الفردية ( والأنا في أضيق نقاط اقترابها من النفس المفردة ) فحسب بل تفتحها لكي تغلقها أحياناً . وهنا تتبدى طبيعة النقد الذي تعامل مع النص الشعري لمحمود درويش طيلة عقود من الزمن ، إذ تعامل معه بشكل مجزأ ومحدد دون الالتفات إلى أن وجوبها واشتراطاتها .. لذلك كبا حديدي ونقده على السواء في فهم معادلة هضم المراحل واستباق التجربة إلى حصونها المتقدمة.. لا ألوم حديدي في تقصيره نقدوياً حيال النص المتفجر لدرويش ، ذاك النص الذي يبعث القابل في معادلةٍ عصية على التناقض الداخلي من جهة ، لا مع الماضي أو مع المستقبل على السواء.. لأن درويش حالة كُلاّنية تؤخذ من الحرف الأول حتى النهاية . وما ينطبق على مرحلة ، نقدياً ، ينطبق على مجمل المراحل برمتها . وهذا يراد له فهم رؤيوية درويش فيما بعد القصيدة التي تتعدى القراءة الأولى وتحمل في ثناياها تعدداً للتأويلات التي يُقصّر عن تحليلها النقد الذي يتبنى تفكيك النظرة في حين يتوجب عليه معالجة اندماج الرؤيا الكلية في تفكيك وإعادة بناء عبر الإدماج لا التفكيك النقدي … ولا نقصد هنا التفكيك الدريدوي بقدر ما نقصد اتساع رؤيوية بارط في تحليل شعرية النص .
بقي القول أن شعر درويش لا يحمل من مميزات الشعر العظيم شيئأً … ولكنه شعر عظيم من داخله وفي داخله ؟
قوى الشعر قلبك يا محمود .