الشاعر المناصرة في "حيزية عاشقة من رذاذ الغابات":

عاشق جرب الذبح والمذبحة

 

فيصل قرقطي

 

لا يخفى على المتتبع للتراث الشعري العريق والكبير الجهد الذي قدمه الشاعر عز الدين المناصرة، طوال نصف قرن مضى، الى جانب العديد من الدراسات النقدية الجادة في الشعر وقصيدة النثر.

وهنا بين يدي مجموعة شعرية للمناصرة صادرة (طبعة ثانية) عن وزارة الثقافة الفلسطينية بعنوان "حيزية عاشقة من رذاذ الغابات"، وهي قصائد نشرت في طبعتها الأولى عام 1990 (عن دار الكرمل – عمان).

ضمت المجموعة تسع قصائد طويلة نسبيا، اضافة الى التي أعطت اسمها للمجموعة. هناك القصائد "يتوهج كنعان"، المرجئة، مطر حامض، روسيكادا بعد المطر، مدينة تدور حول نفسها، نص الوحشة، وأخيرا مناكفات.

وتعتبر قصيدة "حيزية عاشقة من رذاذ الغابات" من أجمل القصائد تلك التي تبدأ بطرح الأرضية الشعرية للنص ذاك الذي يحاور كل شيء. إنه أشبه بنص ملحمي تتسع فيه الظلال والأضواء على نحو أخاذ، فهو بين "الواحة الدموية" و"الأصدقاء" والمتفرج والطاولات والأكف.. الخ، فالقصيدة مليئة بالعناصر الحياتية الكثيفة تلك التي تعلن عن نفسها داخل السياق الشعري على نحو جديد في عفويته وبساطة لغته وكثافة معناه:

أحسد الواحة الدموية هذا المساء

أحسد الأصدقاء

أحسد المتفرج والطاولات العتاق الإماء

الأكف التي صفقت راعفة

القوارير أحسدها

والخلاخيل ذاهبة آيبة

أحسد العاصفة

في حنايا الفضاء

أحسد الخمر منسابة وعراجينها في ارتخاء

وابن قيطون أحسده عاشقا

طاف في زرعها

و"سطيف: حقول الشعير" الأعالي،

ينابيعها

أحسد الخشب الصدفي الذي لامسته أصابعها

 

والحسد هنا، هو اعلان نفير المباركة تلك التي تحاول أن تصل الى ما بعد الشيء، ما بعد وجوده في حركيته المترادفة والمستمرة، "أحسد الخلاخيل ذاهبة آيبة".

وتطول قائمة التعداد في الوصف والحسد المبارك، لنكشف أنه يرتل صلاة كنعانية على نحو مغاير وجديد.. صلاة للحب والأرض والوطن والخليل:

أحسد الأشقياء

أحسد الجبلين.. ظعائنها شقت القنطرة

أحسد الشعراء الرواة الذين رأوها

على هودج الكهرباء

أحسد التمر في "بسكره"

الجفاف الذي جف حزنا عليها

مضى ساكنا في الغدير

 

الى أن يصل الى ذروة البوح في تراتيل الصلاة هذه:

أحسد امرأة من شعاع

أحسد امرأة من نبيذ الرعاع

أحسد القدر والنار والزنجبيل

رغم أني نسيت الضلوع

على مفرق الدرب في جبل في الخليل

 

يبدأ المناصرة  نشيده مسترسلا في عذوبة لغة مميزة وعمق معنى جارف ليصدمنا ونحن نقرأ بذرى عالية.. ينتقل بنا في هذه الذرى.. ثم ما يلبث أن ينزلنا الى درب النشيد، ذاك الذي يعكس تفاصيل وأحلام وآمال جمعية.

فهو يتلون في نصه بين الخيالي والواقعي ليحاول هندسة حياة جديدة، أو حيوات جديدة تكتشف ذاتها من خلال النص الذي يعبر عنها ببساطها أيضا:

أحسد المقعد الحجري وأهدابها الشاردات

ندى في التلاع

أحسد الفحم من حطب وشواء الغزال

أحسد النول والناسجات

والجبين الذي يتعالى عليه الهلال

 

انه مسكون أبداً بالخليل، طرقه وحاراته، جباله ووهاده، حتى أنه حينما يتنفس فانك تحس به يزفر بعنب الخليل.. ولكنها زفرة عالية بكل المقاييس.

فالمناصرة ينطلق من التفصيلات المحلية موسعا دوائر القول الشعري لتصل الى الانساني  والكوني عبر إيقاع وموسيقى شعرية خاصة تتناسب مع زمنها وشفافيتها.

أحسد الدمعة النافرة

آه يا امرأة من رذاذ السماء

آه يا شجر الغابة الماطرة

أحسد الرمل والدود في المقبرة

أحسد الشمع في كفها ثم حناءها في اليدين

أحسد الخرج يعلو صهيل الفرس

أحسد التوت في الصدر والفجر في الثغر

والموجَ في القمتين

أحسد الجذع: زيتونة مرجحت ساعدين

أحسد النبع مركز عشب القبيلة خلف الأفق

أحسد الصرَّة الحلزون وخلخالها الدموي

وما بين بين

أحسد الورك من عنب.. وله مفترق

أحسد الخد في صحنه

علقت غمزه من لجين

أحسد السدرة المنتهى.. والألق

غابة الصابرين الصدود

أحسد الرقمتين

وأساها الذي فاق كل الحدود

 

ثانية ينقلنا الشاعر المناصرة الى قمة ثانية، قمة مركبة، قمة الجسد في وضوحه في الأعالي هناك.. في سدرة المنتهى.

فالجسد ليس أرضيا، إنه أشبه بطائر يحلق في أعالي سدرة المنتهى.

وبين قمة الجسد.. وقمة الجبل هناك تآخي وتلاؤم ليس من الشبه باشتراكهما بحرف (الجيم) وحسب، وإنما أيضا لأن العنب الطالع من كروم جبال الخليل، ذاك العنب البري المعتق يصير بين الشفاه غمام أو يحولنا نحن الى غمام.. وهنا تتعانق سدرة المنتهى في قمتها والجسد في قمته مع الغمام الذي هو قمة العنب أو قمة الجبل.

فالمناصرة هنا يريد أن ينبه وعي القاري ويخلخل المعطيات المحددة عبر المرور به في ذرى وقمم، يمشي به على جناح الغمام تارة.. ثم ينزل به الى المقعد الحجري.

أحسد المقعد الحجري وأهدابها الشاردات

ندى في التلاع

أحسد الفحم من حطب وشواء غزال

أحسد النول والناسجات

والجبين الذي يتعالى عليه الهلال

 

ثانية يلعب الشاعر المناصرة على المفارقة في اللفظ والمعنى، فهو ينحو بنا من المقعد الحجري مرورا بالتلاع والفحم والنول الى الجبين الذي يتعالى عليه الهلال، والمسافة هذه ذاتها بين المقعد الحجري.. وبين الهلال.. هي ذاتها فسحة القصيدة التي تشدنا الى كنه ومعرفة المتناقضات الحياتية عبر المفارقة.. أليس الشعر الخالد هو الذي يتعاطى المفارقة؟!

لكن المناصرة لا يني يشي لنا بأساه العميق السلس  ذاك الذي يتجذر في القلب والروح:

موجز ورهيف أساي

حفلة في تلمسان أنت

موجز ورهيف أساي

قطعة من سماء

أرجوانية علقت ليلة المجزرة

بجناح على الثلج في (جرجرة)

موجز ورهيف أساي

نقطة من بياض مساي

نخلة في أعالي الجبال تطل على العاصمة

 

ثانية يسافر بنا الشاعر المناصرة بين قمم وذرى، فمن قطعة السماء – التي هي الأسى، أسى الشاعر.. أسانا جميعا، الى نقطة من بياض في مسائه.. ثم الى النخلة في أعالي الجبال، ذرى  تتعانق وتتداخل، لتفتح على مدى أرحب.. وأوسع لكن هذا الانفتاح لا يقف به الشاعر عند محطة بعينها.. إنه يأخذنا رويدا رويدا الى حيث يريد كصياد ماهر للأرواح الانسانية.. فمن الأسى ينقلنا الى المقارنة عبر سؤال مفتوح على كل المعاني.. والأبعاد.. سؤال شقي متمرد يحمل داخله كبرياء الشاعر، المشروع في البث.. والقول والمقارنة:

أيشبهني أحد في صفاء الدموع

أيشبهني أحد في الكتابة أو في الحنين

أيشبهني أحد في التجاعيد والهم فوق الجبين

أيشبهني أحد في الندى مثل رمانة طازجة

في دماء الوريد

أيشبهني شعراء التماثيل

أشعارهم من قديد

وابن قيطون غازلها من بعيد

طلَّ في السر يهدي إليها الورود

وبعض الرسائل تترك مجهولة في الصقيع

 

هذه المقارنة المشروعة شعريا محملة بأسىً عميق وحزن خارج من بطن العصور السحيقة كأن الشاعر المناصرة يريد أن يقول لنا أنا ربانكم.. فاتبعوني.. وليس أحق بهذه المكانة من الشاعر.

على أن شعرية المناصرة معبأة بالأسئلة الجارحة تلك التي تحملنا ونحملها كشعارات لا فكاك من تمثلها:

القتيلة زيتونة

أم رماح المقابر قد غرست في السؤال

ما الذي يزعج الشعراء

ما الذي يزعج بعض الرواة

إذا كانت امرأة خائنة

 

إنه شعر يثير الأسئلة عبر مفارقات طرح الأسئلة ذاتها تلك التي لا نجد جواباً جاهزاً أو محدداً لها، لذلك يغدو من العسير بعجالة نقدية الوقوف على كل تفاصيل وثيمات وأسئلة القصيدة عند الشاعر عز الدين المناصرة، فلا بد لهذا الشعر من قراءة  نقدية متأنية لمعظم النتاج.

 

 

نقص الصورة للناقد ناظم عودة

قراءة نقدية جديدة تحاول تأويل بلاغة الموت

 

عزمي خميس

 

كتاب (نقص الصورة: تأويل بلاغة الموت) للناقد العراقي ناظم عودة والصادر حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر هو الجزء الأول من مشروع كتابي شامل يشتمل على ثلاثة أجزاء ستصدر تباعا تحت عوان (نقص الصورة). أما الجزء الثاني فسيكون مخصصا لتأويل بلاغة السرد. والجزء الثالث تحت عنوان: الشعر بين لعب التأليف والقراءة.

الكتاب المكون من 136 صفحة هو نموذج لنقد جديد يشتغل عليه الناقد عودة، الذي يعتبر نفسه أحد أفراد تيار جديد من النقاد كانوا يسمون أنفسهم في السنوات الأخيرة في العراق "النقاد الجدد".

ولعل قراءة هذا الكتاب تعطي صورة عن المعالجات النقدية التي لجأ لها المؤلف والتي يقول عنها (ان الغاية التي يهدف مؤلف هذا الكتاب الى تبنيها هي عملية احياء السياق الخارجي للنص الذي تعرض الى اقصاء منهجي منظم من لدن المناهج التي سميت (بالداخلية) كالنبيوية واللسانية والاسلوبية والشعرية والسيميولوجية، وبسبب ذلك حازت العناصر التكوينية للنص على حظوة في عمليات القراءة النصية، في حين كان السياق الخارجي الثري باشاراته، مقصيا).

ويقول: (ان النص، هذا التكوين الخصب سيظل مجالا لافتراضات شتى، وعرضة لتحليلات لا حصر لها، بيد أننا في هذا التحليلات المنجزة في هذا الكتاب نقترح طريقة في انشاء نص القراءة، اذن، نحن أمام نصين: نص الأدب، ونص القراءة، ولا ريب في ان نص الأدب يمتاز بمحددات منظورة في شكل النص، وفي ألفاظه التي تشكل حيزا منظورا، لكنما نص القراءة يظل مرتبطا في شكله بمجموعة من العوامل: نص الأدب وذات القارئ المحترف، وثقافة علم نص الأدب).

 

ويفسر مصطلح (نقص الصورة) بقوله:

(ان نص الأدب المطبوع أو الشفاهي هو نسخة ناقصة، وثمة نسخة أخرى غير ظاهرة في كلمات النص، لكنها ماثلة في سياقات شتى، وبسبب ذلك فان الحقائق المرتبطة بنص الأدب، لا يمكن الاستغناء عنها في هذه المرة). اذن، فرضية نقص الصورة تقوم ببساطة – كما يقول – على انشاء نص ذي خصائص ثقافية في المقام الأول، وتستند أصلا الى أربعة أركان تتآخى فيما بينها:

1- السياق الشخصي للمؤلف، فالسيرة وثيقة على قدر كبير من الأهمية، تضيء جوانب كثيرة في النص، ولم يعد مبررا استبعاد هذه السيرة أبداً من عملية تحليل النص؟

2-  السياق التاريخي والثقافي للنص، فليست النصوص منقطعة الجذور عن الماضي، ولم يكن البحث عن تلك الجذورانكفاء الى الوراء برؤية مختلفة، وانما الشروع بعملية لكشف طرائق الاحتيال الفني والبلاغي التي يلجأ اليها المؤلف.

3- السياق النصي نفسه، يقدم  النص باستمرار عتبات نصية تفضي الواحدة الى الأخرى، ولا بد من عين مدربة على القراءة، لتسلق هذه العتبات، وليس النص المعروض للتحليل وحده ما ينشئ المعنى النهائي. فالنصوص الأخرى للمؤلف نفسه غالبا ما تستكمل نقص النص.

4- السياق التأويلي، ليست القراءة حيادية مطلقا فثمة سيرة تأويلية أو قرائية لكل نص، وعملية تكوين المعنى في نهاية المطاف تخضع للموضوع، والذات القارئة والوثائق التاريخية والثقافية ذات الصلة بكل نص تخضع للقراءة.

اذن ، نفهم من هذا أن هدف هذه القراءة النقدية هو استكمال نقص الصورة الذي تعمده الكاتب، وهي قراءة ادماجية تنظر بعين الاعتبار الى قصد الكاتب، وهي ليست قراءة حرفية لقصد الكاتب، بل قراءة بالمعنى المعاصر للقراءة.

أما القراءة التي تضمنها الكتاب والتي تدور كلها حول الموت، في محاولة للتعرف على الموت النصي في النثر والشعر فهي: موت الاسكندر تحت عنوان اغتراب المخيلة في اللسان، حيث يحلل قول راثي الاسكندر (حركنا الملك بسكونه).

وقول بديع الزمان الهمداني في تعزية:

الموت خطب قد عظم حتى هان

ومسٌ قد خشن حتى لان

والدنيا تنكرت حتى صار الموت أخف خطوبها.

 

وقول علي بن ابي طالب: من تذكر بُعد السفر استعد، تحت عنوان الموت والسفر: بلاغة اللاوعي.

 

وقول المهلهل يرثي أخاه كليبا:

سقاك الغيث إنك كنت غيثا ويسرا حين يلتمس اليسار

 

وتحت عنوان الموت والماء، تفكيك مثيولوجيا اللاوعي.

وتحت عنوان انتصار الموت: مرثية الكائنات يحلل قول المتنبي:

يدفن بعضنا بعضا وتمشي اواخرنا على هام الأوالي

 

وتحت عنوان الحب والموت في مأتم بصري، نحو تفسير فرويدي لغراميات أبي نواس يحلل قصيدة أبي نواس التي يخاطب فيها صاحبته جنان:

يا قمر أبرزه مأتم يندب شجوا بين أتراب

يبكي فيذري الدر من نرجس ويلطم الورد بالعنان

 

وتحت عنوان البلاغة والسيف: النقش والمحو يناقش قول أبي مسلم الخراساني مخاطبا عبد الحميد الكاتب:

محا السف أسطار البلاغة وانتحى عليك ليوث الغاب من كل جانب

 

وتحت عنوان موت الناقة: مثيولوجيا السرد العربي يحلل وصية متحضر جاهلي يقول فيها:

ادفنوا معي راحلتي حتى أحشر عليها فان لم تفعلوا حُشرت على رجلي

 

وتحت عنوان الأنثى والموت: أسطورة النشر يحلل قول الأعشى متغزلا بامرأة تدعى قتلة:

لو أسندت ميتا الى نحرها عاش ولم ينقل الى قابر

 

لقد حاول المؤلف أن يقرأ الجانب الخفي من هذه النصوص يستكمل ما يراه نقص الصورة التي بنى عليه عبر البنيوية والتفكيكية، ونظريات موت المؤلف وغيرها من النظريات.

كتاب نقدي هام، يحاول بجد وعمق لملمة مختلف العناصر التي تتداخل في انتاج النص الأدبي، لقراءته قراءة متأنية تصل الى جوهره ومقاصده التي أرادها الكاتب.

 

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1