العبور إلى ضفاف زرقاء نصوص لمحمد بنّيس
الناشر: تبر الزمان/ تونس
فيصل قرقطي
الكتاب الذي بين أيدينا، لا يندرج في اطار نصوص السيرة وكذلك لا يندرج في اطار النصوص النثرية بقدر ما هو حصيلة معرفية وفنية ابداعية ارتقت بجدارتها الشعرية والنثرية معا لتشكل نصوصا جديدة بحيث يصعب تصنيفها على أنها نثر
بقدر ما فيها من الكثافة الشعرية التي تسمها كلها.
خاصة وأن كاتبنا هنا هو الشاعر محمد بنّيس الذي عرفناه لسنين طويلة خلت وذلك من خلال عشرات المجموعات الشعرية والمؤلفات النقدية والابداعية الأخرى.
ومحمد بنّيس هنا، يفتح من خلال هذه النصوص مناطق ليست مكتشفة بعد في أغوار نفسه، وفي أغوار العالم على السواء خاصة وأنه ابن طينة المغرب العربي روحا وشعرا وجسدا ولهاثا. فحينما نقرأه كاتبا أو شاعرا يسطر عن القدس أو فاس أو أي مكان، فإنه يندمج كليا في المكان، أو لنقل أن المكان يندمج فيه على نحو لا فكاك إلا من خلال/ وفي النص.. النص وحده ليس إلا.
فنصوص كتاب "العبور الى ضفاف زرقاء" يأخذك الشاعر بنّيس عبرها الى حيث حرية الفعل، والقول، والحركة.. حرية تنبض بجراح التعب والمعاناة، حرية تنجو بذاتها من ذاتها.. لتخترق سجف الموت والحدود والسدود لتصل الى كمال الخلود على نحو يتوازى فيه القبر بأي لفظة أخرى وشاهده القبر، بأي ترنيمة أو ترتيلة قادمة من البعيد.. البعيد.. لتصل الى أقصى نواح في النفس البشرية تلك التي تغفو أو تكبو قرب وفي الموت ذاك الذي لا يهادن أو يصالح لكن ثمة وحدة تصالحية متينة بين الشعر والابداع من جهة تنتصر.. أو تحاول الانتصار على الموت، والجمود والانتهاء، لترفرف طائرا من نور بين الهضاب والتلال قاطعة المسافات لترتقي في شطح النجوم على بهاء نيرة الضوء.
في مطلع "العبور الى ضفاف زرقاء" نبدأ بالتحليق عبر قصيدته "الطريق الى القدس":
ليس لي من طريق الى القدس
غيرُ غبار
من الكلمات
للسماء معابرها
والذين التقيت بهم
لم يعد أبداً
وجهُهُم من هناك
سلامٌ على الشيخ وهو يطوف
قريباً من الصمت
ها إنني
رجفة تتكرر
ثم تنوء
لغة
كدتُ أخلقها من هباء
(… الخ)
هذه القصيدة الطويلة والشفافة، التي تأخذنا من حيزنا في المكان.. والزمان لتدخلنا في فضاءات.. وقباب القدس ما هي الا توطئة، أو رافعة لرحلة نصيّة يصور فيها الشاعر محمد بنّيس ذات رحلةٍ جمعته مع الشاعر محمود درويش والروائي الياس خوري في عمان، لتبدأ رحلة البحث والتقصي والاستكشاف رحلة الى البحر الميت.. الى ظلال فلسطين، وأنوار فلسطين وصلصالها وعتمتها دهاليز الفرح المكسور فيها وعنان التشفي الأرعن في انعكاس ظلال تلالها. إذ يسجل الشاعر بنّيس في هذا النص رحلة رحلته. الى مشارف فلسطين.. تلك التي تندمج أو تنغمس مع رحلة ابن بطوطة ورغم صعوبة الدرب على ابن بطوطة وكثافة المعاناة في السفر قديما إلا أننا أحسسنا لهاثا مركبا في نص بنّيس لهاثا وصلنا، وأوصلنا الى ابن بطوطة، ولكن هذا اللهاث أكثر كثافة وانشداها.. وذهولا من حاضر يمنع البصرَ من الامتداد والصوت من السفر عبر ثنيات الأرض:
"في هذا الزمن تمنع عليّ زيارة القدس، أو اختراق معبر من المعابر الى سهول وتلال فلسطين التي لا أستطيع تذكر طيوبها، ترابا ونباتا. ما تراكم في خلاياي من صور فلسطين يجعل من طيوبها استثناء على البسيطة. أرض تشبعت بماء
الرحمة. والدم المسفوح عليها، من الأنبياء والشهداء، ترك لها السواقي والنهيرات تتنفس بذوب المسك والعنبر واللبان.
لو كنت ضوء أو هواءً لانتقلت الى هناك، مع أول قطرات الشفق أرافق الأشجار الى مائها، والسماء الى أبدية يتحسر عليها الفنانون، ثم أهيء للوداع طقوسه في الوقت المناسب بين جبل التجربة ودرب الآلام، بعد أن أبلغ أحياء القدس القديمة وأتطهر بجذبة، تحت فوانيس المعابد والأضرحة، وعلى رأسي عمامة خضراء من كتان سيعرفني بها أحفاد أجدادي المغاربة في حيهم، وأنزل ضيفا على سلالة الكنعانيين:
نص يطفح بالماضي بذكرياته وبنيانه المتين بطيوبه ونباتاته من الدفلى.. والوزال والزعتر والياسمين و"الطيوب جيش لا يقتل.. يحكمة تنفذ الى المناطق الخفية
في الجسد". نص يقارب الواقع.. يتلمس معاناته يضيق وينكمش ليتسع للأرض والتراب والجسور والسماء مكحلا النجوم بدلال النور قارئا عليها أسرار حكمة الليل البرية مضيئا ومشعا في المكان، والزمان كأنه يعيد تشكيل الجغرافيا..
والتجربة الانسانية على نحو جديد:
والقدس ضوء، يتبقع في الأفق، عناقيد متعالقة في تطويق أحلافها. والمنحى يخفي أضواء أتقدم بالحواس الى طبقات أجراسها. ضوء لعلو هذه القدس التي لن أزورها وأنا هنا ضوء يستاثر بصدرك ووجهك حتى تنسى هندسة ما تبقى من مدن الأرض. ضوء لقسطك المحرم. ضوء علق على خشبة، القدس هناك. وهذا الضوء آية. أطو خريطة الكتب واتبع خريطة الضوء. مسالك الضوء مطيعة. علو ينحدر في صحن من الضوء سفينة لعبور الحلم وحراسه، مهد لاحفاد الليل والنهار، والقدس بين قمتين هادرتين تكتمل في ضوئها وتتابع النزول الى الماء".
القدس.. القدس هناك ضوء في الأعالي، معلق على خشبة.
سماء ترتقي عطشَ الجنوب
هنا عبقٌ يصاحب خفضهُ
سُحبٌ وأغصان تذوب
اليك الشوق مرتحلُ
يوسع ضوءَهُ
شكٌُ بلون التيه مكتملُ
وهذا البدءُ عاشقة يبللها الشحوب
قلتُ ارتطم بشفوف رائحتي
قلتٌ انهمر
صوتاً يصيب السالكين الى معاشرتي
ومع الهبوب بقية من وجهنا تمضي
لا تنتصر
أبداً عليَّ ولا عليكَ فتربة الأرضِ
لغة يذكرُ بعضُها بعض
هذا مقطع من قصيدة بعنوان "هواء الرباعيات الألوان" هي وأخريات مثلها تشكل فاتحة لرسالة طويلة الى رامبو هي أشبه بنص ابداعي – نقدي يتحدث عن الشعر واللغة والجماليات الابداعية دون أن يسطر الشاعر بنّيس معاناته
الانسانية مع/ وفي الشعر وصولا الى تزاملية أو اخوة لا تنقطع أسبابها ليس بينه وبين رامبو وحسب، وانما كل زمان:
"ما ضرورة الشاعر في هذا العالم؟ سؤال تختلف عنه الأجوبة باختلاف الأوضاع الثقافية والحضارية، وقد يتحول الى كآبة في مجموع العالم العربي، على أنه في المغرب منذور للفواجع التي نخشى البوح بها، ما دامت حرية الشاعر مقتلعة، وحقيقته مطاردة. لا نعرف متى حلَّ بأرضنا شاعرٌ وبأي دم كتب وكيف مات. كنتَ تدركُ هذا جيدا، ولم تندم على ذلك، كما لم تستهن بما عجز عنه احتجاجك. سيخطيء المؤرخون حتما، ولي غبارٌ من جهات المساء". وهذه الرسالة بمناسبة الذكرى المئوية لرحيل رامبو.
ثم تلاها عدد من الرسائل، واحدة منها الى محمد الخمار الكنوني الشاعر الذي رحل مبكرا، ويستذكر فيها الشاعر بنّيس بعضا من معاناة الفقد للاصدقاء.
"مرات كنتَ تنظر اليَّ وتصمت. علمتني كيف أبحث عن يدي وصمتي في آن. والصمت ينفجر أسئلة عن الشعر في المغرب، ما معنى أن تكتب الشعب بالعربية الفصحى في المغرب؟ ومن أين يبدأ تحديث القصيدة المغربية؟ وما مآل الشاعر الذي اختاره الشعر وليست له قبيلة تحميه؟ في عز الصمت مره قلتَ لي: "لو كنتُ الآن يافعا، لما اخترتُ غير ما أنا عليه الآن. الشعر وحده حياتي" وصدفة اللقاء بك عجلت اختياري. لم أفاجأ بكل ما اعترض حياتي، ولكني لم أكن
أتخيل كل هذه الأهوال. لا ذنب لك في ذلك. ونحن لا نعرف ببعدُ مآلَ العديد من أجدادنا الشعراء المغاربة. أما الحديثون فغرباء أوصامتون".
ولعل الشاعر محمد بنيس بكى واستوحد لفراق ستة شعراء مغاربة طواهم الفقد..ولكنهم ظلوا يافعين في حياته.. ومقيمين في دمه لذلك كتب اليهم جميعا فكانت الشاهدة على قبر احمد المجاطي، والقبر للجثامين أو لعله يتخيل قبره،
أو يفصله على نحو يتسع لفيضانات الروح المبتلة بعرق الشعر ونبوءات اللغة.
ان الشاعر محمد بنيس يضيف من خلال نصوص هذا الكتاب مبدعا هاما في اللغة والشعر والنص النثري على السواء، للمكتبة العربية فما أحوجنا الى نثر الشعراء، ذلك المتميز، المقتضب، المتوتر، الضنين في السرد، العميق في الايحاء والاحالة، انها لغة تنبثق من شفافية روح تؤرخ مسعاها في مسارات الألم لتعلمه كيف يكون انسانا على نحو جدير بالانسان والانسانية.
ان بنيس حقا شاعر العبور الى الضفاف الزرقاء. شاعر شطحات منتصف النهار، شاعر الاضطهاد والفرح، شاعر الحرية والمعاناة، شاعر البهاء وهبة الفراغ لكتاب الحب في مكان وثني.. وكوني بامتياز، اضافة الى أنه شاعر ما قبل الكلام، وفيه، وبعده.
18/ 06 / 2003