فيصل قرقطي: الواقع لم يستوعب شغبنا فبقينا منفيين
2003/08/11
القدس العربي / التقاه زياد خداش
يري ان علي القصيدة التخلص من الشعارات السياسية كليا
رام الله ـ القدس العربي : هذا شاعر خارج عن سياق القافلة.. شاعر غريب لا يكترث لنداءات شيوخ القبيلة. للعودة إلي أنشودة الركب الجافة يخوّض فيصل قرقطي في متاهات الكينونة الإنسانية.. يغرف من معينها اللهب والحقيقة والحب. ولا ينظر إلي الخلف أبداً حيث القافلة هناك حائرة وخائفة بينما يحاصرها الغبار من كل مكان.
في عالم فيصل قرقطي الشعري لا مجال للتنفس المطمئن ولا يقينيات هنا ثمة قمصان تُخلع وصدور عارية تواجه الريح كما قال قاسم حداد في حديثه عن الرؤية الشعرية.
بمهارة فائقة تكتب قصيدة الذات المتعالقة مع العالم، ذاتك المهزومة تشتبك مع العالم المهزوم في سيمفونية خسارة مريعة، لكن الغريب أن القارئ سرعان ما يكتشف أن ثمة انتصارا يتولّد عن هاتين الهزيمتين. لا أدري ما أسميه. هل أسميه انتصار الفن؟ أم انتصار اللغة؟ أم انتصار المستقبل؟
تستطيع أن تسميه يا أخي، انتصارا لهذا، وتلك، وذاك لأن الذات في مجملها هي تشكل وتشكيل لذوات أخري، وهي كذلك تشكل امتدادا في الحياة يتسع وتتسع معه لتصبح ذاتا كونية، حينما تنغمس في الألم الفردي ثم تفككه من أجل إعادة تشكيله علي نحو جديد، فأنا منذ زمن بعيد أؤمن بمقولة الذات المنزوعة من سياقها.. الذات المنغلقة التي تمجد الألم وحسب.
أما الهزيمة في الذات والعالم، فإنها الدرجة التالية التي توصلني، أو توصل إلي التمرد بمعناه الشامل والحتمي.. تمرد علي كافة الصعد وفي كل الاتجاهات... هذا بالنسبة الي الحياة، أما بالنسبة إلي الكتابة، فإنه تمرد داخل الفن لصالح الفن. وكذلك تمرد داخل اللغة لصالح اللغة.. ليمتد إلي مستقبل ليس غامضا تماما.. وليس واضحا تماما. أما المهارة الفائقة التي وسمت قصيدتي بها فإنها لا تقف عند حدود الذات. لأن تشكيل الذات الإبداعية يتطلب مهارة من نوع خلص.. مهارة تتعارض مع واقعية لا أجيدها فمثلا أنا لا أعرف ولا أستطيع أن أتصرف بمجريات أموري الحياتية.. وأحسبني هنا مأخوذ بحالة شبه غيبوبة لجهة اللغة والذات والمستقبل والفن، ومن ثم أحاول أن أجري محاكمة صارمة لكل هذه العناصر.
فالذات كينونة متحولة بين الهزيمة والتحول.. والتمرد، وعلي ما أعتقد أحاول أن أجعل من جراحي ونزيف الهزيمة كينونة للتحول الصارم باتجاه اللغة، التي أعاني الأمرين في بوحها، لأنها لا تفهم بدقة.. وتؤوَّل في أنحاء متعددة.. لكن قلة هم الذين يجارونها في قصيدتي ليقبضوا علي عنق المعني ذلك الهرِم المتهدل والمتجدد الطفولة دائما.
وكل هذه العملية تأتي في سياق الفن، ذاك الشيخ الحكيم، والمعلم الصارم الذي يعطينا أكثر مما يأخذ منا. وفي برهات كثيرة أحس أنني لم أفعل شيئاً له بعد. لكنه يسكنني مثل ضالتي المنشودة، مثل يدي التي لا أعرف ماذا أفعل بها في اليل، لذلك أكتب.
والمستقبل هنا هو الهدف الذي نغذُّ السير إليه، ونتعثر مراراً.. وتكراراً. المستقبل بكل ما يعنيه اتساع (السياسي والاجتماعي والوطني، والشخصي) ودائماً أعتقد أننا كفلسطينيين محكومون بمستقبل مرير لأن العدالة غائبة عن هذا العالم، ودفعنا ثمن هذه العدالة المنحازة أكثر من طاقتنا، وأكثر مما نحتمل، إذن، هنا، أقول، مستقبلنا في بناء ذواتنا حتي لو كان هذا البناء خسرانياً. حتي لو كان لا يوصلنا سريعاً إلي بر الأمان والسعادة والفرح.
أتمزق مع شعبي كل خطوة، في كل صباح، عناء ما بعده عناء. كنت أعتقد قبلاً أن الموتَ أقسي فقدان وخسران في الحياة ولكن الآن أقول أن الاحتلال أقسي فقدان وخسران للحياة.
أعود هنا للهزيمة، بما تعنيه من فقدان للتوازن الحتمي بينَ أهداف ومبادئ وأحلام ورؤي، وبين واقع مهتدم.. واقع يلهو بمصائر شعب أو شعوب حسب اتساع الحالة عربياً. لأن الهزيمة ليست إيجابيا بالمطلق.
من هنا أري في هزيمتي.. هزيمتنا عتلة الصعود المتمرد نحو الأرقي والأسمي والانتصار.
في لغتك الشعرية أري ظلالاً صارمة. أو بمعني آخر انحيازاً كبيراً لهوية اللغة، وجذورها وشروطها. وفي الوقت نفسه أري صوراً شعرية في غاية الشفافية والعذوبة، كيف تلتقي في عالمك الفني الصرامة مع الرقة؟
اللغة كائن حي يعبث بمسراتنا، ويلهو بحكمتنا أحيانا، يتنفس فينا، يشتعل يغضب، يتألم وينزف، يضحك..علينا..فينا، لذلك من الطبيعي أن يلتقي في لغتي برق الصرامة مع دعة الرقة. وإلا لما كنت أنا..وأنا المزيج المر بين الثكل والضارع إلي النور والتراب الذي يضيء في عناقيد الكلام.
ولغتي الشعرية في مستوياتها المتعددة والمتنوعة تعبر عن وعيي وفهمي لهذه اللغة، ومستويات الفهم والتأويل متعددة وفي اللغة كما تعرف لذلك مزاوجة الصرامة والرقة في لغة القصيدة متأتية من أنني فلسطيني أعيش تحت الاحتلال.. فكيف أخاطب حبيبتي في القصيدة بعيداً عن صرامة تحدي الاحتلال؟ وكيف يتسني لي أن أحبها كما ينبغي دون المرور بالمعاناة اليومية الماثلة أمامي؟ومن ثم كيف أواجه الجنود الغاضبين علي الحواجز، دون أن أحمل صورتها بين ضلوعي، وأهربها من حاجز إلي حاجز؟ كل هذا يجعلني رهناً للحياة ولمقاومة كل ما هو بشع وغير إنساني والتمسك بكل ما هو إنساني وحتمي في الحياة.
باختصار أقول هنا أنا كائن لغوي أتنفس تحت الحروف وأنا الحرف.. أقصد أطمح أن أكون الحرف الثلاثين.
سقوط بغداد شكل انتكاسة لحلم أمة بكاملها، نسجته من دموعها وهزائمها وحسرتها، كيف تري واقع هذا السقوط مستقبلاً علي القصيدة العربية؟!
لا شك أن سقوط عاصمة عربية مثل بغداد أمر مروع وذلك لأن هذا السقوط لم يتأت أو ينبني علي أسبابا منطقية كانت أسبابا ملفقة، أسباب ترفع شعارات مناقضة تماماً للواقع. إذ كيف يمكنك أن تحقق حرية الشعب وأن تقصفه وتدمر أسباب الحياة لهم وتميت أطفالهم ورجالهم ونسائهم وتعرض ممتلكاتهم للسلب والنهب المنظمين؟!
هل يعقل أن يترافق سقوط بغداد مع سرقة أكثر من مئة وسبعين ألف تحفة أثرية من متاحف العراق؟
هذا العدد من التحف الأثرية يراد له جيش بأكمله من اللصوص المتخصصين في سرقة الآثار. فمن سهَّل هذه العملية المروعة؟ هذه العملية المأزومة ، عملية السطو المدمرة هذه.
إن مجرد احتلال عاصمة عربية أخري، إضافة للقدس يعتبر أمراً مروعاً، لأن التجربة التاريخية علمتنا أن الاحتلال ليس عملية نزيهة تأتي إلي البلاد عن طريق إسقاط الصاروخ علي الناس وإسقاط كيس من الأرز أو الطحين. تطعمني لتحييني وتقصفني!! تقتلني وترثيني!! هذه هي العولمة، حياة المزاد المر، حياة الموت المؤكدة.
أما الحلم فهو لا يموت أبداً مهما تكالبت عليه كل حيوانات الصحراء من ذئاب وثعالب وحروب تدعي بأنها نظيفة (هل توجد حرب نظيفة؟)إنهم يضحكون علي غبائنا يا رجل. لأننا كعرب بسيطون دون ذكاء، وساذجون بأعتام الغباء.
وحينما نفكر ونتطور هذا أمر غير مسموح به البتة كما حدث مع علماء العراق. لكن هؤلاء العلماء وغيرهم سيكتبون مسيرة الأمة العربية بالأرقام والمعادلات الإنسانية التي تصل بنا إلي برِّ الفرح والاستقرار.
ومن رحم الهزيمة يولد الضوء والحرية، لأن هذه الهزيمة تختلف عن حزيران مثلاً، أو هزيمة الحرب الفاجرة عام 1948، إنها هزيمة شعب أو شعوب وليست هزيمة حكام وحسب.
أما بالنسبة للقصيدة فإنها مهزومة أساساً، لأنه لم يتطور سياقها في إطار الوعي الذاتي.. الكوني الجاد.
أقترح أن تخرج من إطارها النفسي المنغلق، والتخلص من شعاراتها المنغلق، والتخلص من الشعارات السياسية كلياً في هذه البقعة أو تلك، وربط مصيرها بالريح.. الريح العربية التي تتبدل وتتجسد في الرئة، أن تتخلص من شوائبها الكلاسيكية، حتي نستطيع أن تهضم متطلبات القصيدة الكونية تلك التي تحفل أولاً وعاشراً قبل كل شيء.
هل تحن إلي المنفي الذي عشت طويلاً فيه؟ هل ثمة أشياء تفتقدها هنا وتجدها هناك؟ هل يحتاج الشاعر إلي المنفي؟
أنا لا أحن إلي المنفي أبداً. وكنت أعتقد أنني سأعود من دونه، إذ بي أجده فيَّ علي نحو مغايرٍ نسبياً ولكنه موجود فيَّ إذ لا أهل..ولا سقف، ولا بيت، ولا أي موجبات الاستقرار، ولو حدث هذا لاستقريت وأقلعت عن الداءِ المرَ للكتابة وتحولت إلي نافذة ولكنه خدعني وظلمني أكثر مما يجب.
لا أفتقد شيئاً فيه، وأجد كل شيء هنا. ولا أجد شيئاً. أقصد أن الأشياء توازت وتوازنت في روحي، لا أعول كثيراً علي الأشياء أو الأفكار أو الثيمات وإنما علي الإنسان، ذاك الذي فيّض.. فيك، هل أصله؟ هل يصلني هذا هو السؤال الأهم، أما المنفي فهو بوتقة حرقتنا لننجو من الانصهار، وظلت فينا، حتي لا نخلو من تفاصيلنا، لأن الواقع بصراحة لم يستوعب شغبنا الطفولي والإنساني، فظللنا منفيين علي نحو ما. وهذه حالة صحية وجيدة فيَّ وللإبداع وحسب وإنما ليس في الواقع أيضاً. أما بالنسبة للشعر، ذاك الأبله المهزوم، حتي أمام قصيدته، فإنه يعيش حلقات لا متناهية من المنافي تبدأ بلهاثه الذي لا يجد ركيزة اوكسيجينية يستند عليها.. ولا ينتهي عند ظلال شجر الوطن.. الشاعر محكوم بالمنفي ولو لم يوجد المنفي لاخترعه، لأن المنفي واقع مر أو هو أحد وجوه الواقع.. فحينما لم يتجسد هذا الواقع كما يحلو للشاعر فإنه يتراجع إلي المنفي، أو يحتله المنفي ثانية حتي لو كان في بيته ووطنه. أقول هنا إن الشاعر هو المنفي ولكن في وطنه.
ماذا تقول في رحيل عزت الغزاوي؟
إنه نموذج فذ للكاتب المبدع، الذي أثري الحياة الثقافية الفلسطينية بعدد من الروايات التي ترتقي إلي مصافي روحه الباذخة في العطاء في العطاء سواء علي الصعيد الأكاديمي أو الإبداعي أو الإداري. وعزت الغزاوي رئيس اتحاد الكتاب الفلسطينيين، أعطي من روحه للثقافية الفلسطينية كما لم يعطِ أي مثقف فلسطيني أبداً. فبعد ولده الشهيد، واصل مسيرته بكل جد ودأب ليعطي روحه لهذا المشروع الفلسطيني الإنساني بغية التحرر والاستقلال.. كان دافئاً وحنوناً، وإنسانياً حتي الذوبان كانت تربطني به علاقة صداقة حميمة. لأن شفافية روحه لم تترك لك متسعاً إلا أن تحبه كإنسان وكاتب مبدع ورئيس اتحاد.
لمني في العام 1996 من علي أرصفة مقاهي رام الله وهيأ لي عملا حينما كنت مكبوباً علي الأرصفة وقدرني، بأرفع أوسمة المحبة. وبرحيله فقدت الحياة الثقافية الفلسطينية أكاديمياً متنوراً وروائيا بسط راحة قلبه للحدث ولم يغلقه إلا الموت. وإدارياً كان مثالاً نادراً للفهم والتذوق الجمالي والنظافة الإنسانية لكن تداعيات الواقع بكل أحداثها المريبة جعلت من قلبه الطفل المبدع لا يحتمل هذا الشذوذ الإنساني فودعنا ملوحاً بيده إلي اللقاء يا أحبتي إلي اللقاء. ولن نغيب عنك يا عزت يا أكبر من جبل نبو لأننا نحن الذين نسكن الحافلة السفلي تحت الجبل.
خلق شخصيات كثيرة في رواياته شخصيات تحب وتسقي وتعري وتجوع وتقاوم ومات ولكنها باقية، بل بعضها وصل قمة الجبل.
التقاه: زياد خداش