المزديسنا-الديانة الزرادشتية

 جمعة الداود

لمعرفة حقيقة الدين الزرادشتي، لا بد للرجوع إلى تاريخ الشعوب في الهضبة الإيرانية بشكل عام، وتاريخ الإمبراطورية الميدية بشكل خاص، ومعرفة الأصول الدينية لتلك الشعوب، ومعرفة المعتقدات التي كانت سائدة في تلك المنطقة في الألفين الثاني والثالث قبل الميلاد.

إن الأديان التي سبقت الزرادشتية مثل الإزداهية والزرفانية والبراهماتية، التي كانت سائدة بين الشعوب الهندو ـ إيرانية قد أمدت الزرادشتية ببعض عناصرها الدينية، سواءً في تبني قسم منها أو رفض قسمها الاَخر. أي تشكلت الزرادشتيةخلال الموقف من تلك المعتقدات التي كانت سائدة قبل هذا الدين بفترة زمنية طويلة. وبالرغم من أن الدراسات في هذا المجال ليست كافية لدى الباحثين عن المعتقدات والاَلهة القديمة التي كانت سائدة في المناطق التي انبثقت فيها الزرادشتية، إلا أنه من المعلوم بأن الديانة القدية للميديين والفرس كانت مبنية على تأليه العناصر الطبيعية وعبادة قوى الطبيعة.

وأن الدين عند الميديين والفرس يشبه في بعض جوانبه مثل: عبادة الأجداد والحيوانات بدين الهندوس في العصر الفيدي، ومن أهم الاَلهة لديهم في العصر السابق لعصر زرادشت هو ميثرا إله الشمس وأناهيتا اَلهة الخصب والأرض والطهارة، وهي اَلهة كانت سائدة لدى الميتانيين مع بعض الاَلهة الأخرى.

إن هذه الاَلهة دمجت ضمن المنظومة الدينية الزرادشتية كاَلهة قومية، كانت تقدس من قبل قدماء الاَريين.

إلا أن الدراسات التاريخية تؤكد، بأن شعوب الإمبراطورية الميدية قد مرت بعدة أدوار في مجال الدين وهي:

ا ـ فترة تعدد الاَلهة: يقول هيرودوت: " إن الفرس يعبدون الشمس والقمر والنجوم والماء والأرض منذ زمن بعيد ".

والحقيقة، إن لكل عنصر من عناصر الطبيعة هذه، كان يوجد إله ومن أهم هذه الآلهة.

1.      Ahura Mayda كان مصدراً للخير والحق والحياة والصحة والرحمة وصاحب السموات والأرض.

2.      MÎthra اَلهة العقود والمواثيق والصداقة والسلم واَلهة الحرب أيضاً. وهي تشبه الاندرا في الديانة الفيدية.

3.      Ana Hîta اَلهة الماء والطهارة والخصب وتقابل افروديت لدى الإغريق.

4.      TÎSHTTYA اَلهة المطر.

5.      VERETHRAGNE اَلهة القوة والعواصف، وكان يرمز لها بالثورة احياناً وبالصقر احياناً اخرى.

6.      RAPÎTHWIN      إله حرارة الشمس.

ب ـ فترة تأليه الملوك في الإمبراطورية الميدية:

     لقد مرت شعوب الهضبة الأيرانية بفترة ألهوا فيها ملوكهم، ويأتي في مقدمة هؤلاء الملوك:

1.      جمشيد مؤسس الحضارة.

2.      فريدون الذي قضى على الضحاك برفقة كاوا الحداد.

3.      كريسيسبا.

4.      زارادشت.

 ح ـ فترة الإيمان بالسحر في الإمبراطورية الميدية.

     في هذه الفترة كثرت الآلهة، ووجدت الآلهة الخاصة أيضاً، وهم:

1.      MÎTHRA                   آلهة الخصب والحرب.

2.      HOMA                      آلهة الحياة والصحة.

3.      VERETHRAPNA         إله القوة والعواصف.

4.      ATAR                         إله النار.

5.      APO                             إله الماء.

6.      HUAR                         إله حرارة الشمس.

7.      MAH                           إله القمر.

8.  ZAM                              إله الأرض.

9.   ASMAN                         إله السماء.

10.  VAYA                             إله الهواء.

11.  VATA                           إله الريح.

12.  RASHNAV                    إله العدالة.

13.  SÎSTAY                       إله المعرفة.

14.  RAZÎSTHA SÎSTA       إله أشعة الشمس المباشرة.        

د ـ فترة التوحيد ( المزديسنا )

في هذه الفترة كان الدين الزرادشتي هو الدين الرسمي في ميديا، وكان الإله أهورامزدا هو السائد على بقية الأرباب الاَخرين، وكانت العبادات والأضاحي موجهة له فقط، وكان نبي هذه الديانة هو زرادشت وكتابه هو الأفستا، وتتلخص الفلسفة الزرادشتية في جملة من قواعد السلوك لتثبيت الإيمان الصحيح في صدر أتباعها من الزرادشتيين، وهو التفكير الصحيح والعمل الصحيح والكلام الجميل .

من المفيد هنا أن نتوسع قليلاً في شرح مذهب التوحيد في الدين الزرادشتي ( المزديسنا )، لإزالة الإعتقاد الخاطئ السائد لدى عامة الناس وبعض المثقفين الذين يتهمون الزرادشتية جهلاً بالثنيوية ( أي الإعتراف بوجود إلهين أحدهما للخير والاَخر للشر) .

والحقيقة أنه دين الإله الواحد، ولذلك يطلقون على دينهم اسم المزديسنا، حيث نتلمس ذلك في الكاتات ونجد أن أهورامزدا يتربع وحيداً على عرش الألوهية، حيث انه يمثل الإله المطلق في الميثولوجيا الزرادشتية ولا يعلوه شيئ . وتفيض عنه كل المخلوقات، إنه طيب وقدوس " سبنتا " وقد أبدع الكون بالفكر، وهو يماثل الإبداع من العدم. وهو عبارة عن مجموعة السموات والأفلاك ويكتسي بقبة السماء الزرقاء. جسده هو النور والجلالة الملكية والشمس والقمرعيناه . إن أهورا مزدا عالم الغيب، حاضر في كل مكان، هو الواحد والخالق الكبير. هو الذات التي لا بداية لها ولا نهاية، هو الروح الرحمانية والقدرة الربانية، وهو المسبب الأول لكل الموجودات. " عندما نلت رؤيتك بمنظار القلب يا أهورا. فأنت البداية وأنت النهاية. أنت الواحد الجدير بالعبادة. أنت الروح الخيرة. أنت الخالق الحقيقي للحق والإستقامة أنت المدبر العادل لأمور الكون. لذلك أعطيتك مكاناً في ناظري.. ".[ يسنا 35 ـ 5 ]

وقد عثر على اسم أهورامزدا في منقوشات الاخمينيين واصل الكلمة ( هرمز ) هو تركيب من لفظين أهورا + مزدا، فالمقطع الأول يعني الكبير، أما المقطع الثاني فيعني الحكيم والعاقل. وقد ورد اسم اهورامزدا في الأفيستا أحياناً بشكل مركب وأحياناً أخرى بشكل منفرد وله ( 101 ) من الأسماء فهو الائق بالعبادة، العالم المطلق، رب الأرباب، الأعلى، مسبب الأسباب، الفاضل ... الخ . " أبدأ باسم وحمد الذي كان ويكون وسوف يكون دائماً، اللإله، واهب الخير، الأحد في العالم الروحي وإسم أهورامزدا؛الإله الكبير والعارف والعادل والمعلم والحامي والمنير والخير والواهب " [ خردة أفستا ـ ستايشي يكتا برستي ] . فلا يوجد في الميثولوجيا الزرادشتية كما راينا إله اَخر كند لأهورامزدا أو في نفس درجته . " أعبد واحمد الإله الخيٌر، الذي خلق البشر أفضل من كل المخلوقات الدنيوية بواسطة النطق والبيان والذهن والعقل والعدل ... " . [ خردة أفستا ]

( أما الأمشاسبندانات ) فهي دون مستوى أهورامزدا في المرتبة وهي بمثابة كائنات إلهية والتي تساعد أهورامزدا في إدارة شؤون الكون وكل واحد من هذه الملائكة موكل للقيام بعمل معين أو بحماية عنصر من عناصر الطبيعة . وهي جميعاً تقف في حضرة أهورامزدا وتنفذ أوامره وهو يحكم الدنيا بواسطة هؤلاء وهم :

1.      وهومنو ( بهمن ) الروح الخيرة ، العقل الخير ن روح الطبيعة الخيرة، وهو الذي أوحى لزرادشت بالأناشيد ، اتخذ في البداية موقعاً متقدماً كرئيس للملائكة الستة ، ومن ثم دفع إلى موقع تابع لتتقدم عليه ( اَشا ) .

2.      اَشا ( أرديبهشت ) وقد ذكرت أحياناً بإيضافة صفة إليها ( اًشا وهيشتا ) وتعني روح الحق ، الصدق والإستقامة وهي موكلة على النار .

3.      وهوخشترا ( شهريور ) أي روح القدرة الإلهية الكاملة ، والسلطة والجبروت الرباني وهو موكل على المعادن .

4.      سبنتا أرميتي ( سبندارمز ) أي روح الخير والطاعة والتقوى والورع والمحبة وهو موكل على الأرض .

5.      هروتات ( خرداد ) روح الكمال والسعادة والصحة . موكل على المياه .

6.      أمتات ( أمرداد ) روح ومظهر الخلود الإلهي والأبدية ودار الخلود وهو موكل على النباتات ويذكر اسه غالباً مع هروتات فهما يترافقان دائماً وعلاقتهما متينة مثل علاقة النباتات بالمياه .

وبالرغم من وجود تجسيدات لهذه الملائكة إلا إنها تعتبر كمظاهر للصفات الاهورامزدية . فهي ليست اَلهة مستقلة توازي الإله الرئيس أهورامزدا أو تعتبر :اًلهة من درجة أدنى . بل إنها تجليات القدرة الإلهية وأسماؤه العديدة . حيث يمكن إعتبارها مثل حديقة فيها ستة طرق تنتهي كلها إلى نقطة واحدة .ورغم أن هذه الطرق تبدو متعددة إلا إنها في الحقيقة واحدة . تصدر من النبع الأزلي إلى الشارب الأبدي . " إن الملائكة تفكر بشكل متماثل ، وتتحدث بشكل متماثل ، وتتصرف بشكل متماثل . هم اشخاص نواياهم واحدة ، أعمالهم واحدة ، كلامهم واحد . أشخاص أبوهم واحد ، وقائدهم واحد وهو الخالق أهورامزدا . " .       [ فرورين يشت 80 ـ 84 ]

إن ما تظهره النقوش المسمارية للأخمينيين بدءً من نقوش أردشير الثاني بوقوف اَلهة أخرى إلى جانب أهورامزدا مثل مثيرا وأناهيتا . إنما هو تكريم لهذه الاَلهة لما قامت به من جليل الأعمال . فقد ورد في الأفستا إن أهورامزدا كان محدود السلطان زمناً ما وكان يلتمس العون من الملائكة الأخرى وكان يستعين بها على أهريمن خصمه ويشكر للملائكة هذا الصنيع . لذا ظهرت ميثرا وأناهيتا إلى جانب أهورامزدا وهذا ما اثر في الأفستا الحديثة بتوليفة مشابهة .

إن الكاتات الشهيرة [ يسنا ـ 30 ] تؤكد بأن أهورامزدا هو أب لعدد من الجواهر / الأمشاسبندانات / وهي تعني الملائكة الستة المار ذكرهم أعلاه . وأب لأحد النفسين التوأمين اللتين أخذتا وأتبعتا على التوالي الحق ( اَشا ) والكذب ( دروغ ) . التوأم الأول هو سبنتامينو والتوأم الثاني هو أنكرهمينو ( أهريمن ) إن هاتين النفسين إختارتا أحدهما الخير والحياة والاَخر الشر والموت . " سبنتامينو يعلن للروح الخبيثة في بداية الوجود . لا أفكارنا ولا نظرياتنا ولا قوانا العقلية ولا خياراتنا ولا أقوالنا ولا مشاعرنا ولا أرواحنا على وفاق ... " .  [ يسنا 45 ـ 2 ]

إذاً الوحدة بين سبنتامينو الروح الطاهرة، والروح القدوس أهورامزدا مضمرة كثيراً. حيث نلاحظ نوعاً من التماهي والوحدة بينهما. وأحياناً أخرى نوعاً من التوازي بينهما أو كإحدى مخلوقات أهورامزدا التي تفيض عنه. إن أنكره مينو ( أهريمن ) يعتبر مسؤولاً عن ظهور الشر . فإن اهورامزدا في قدرته الكلية كان على علم منذ البدء بما ستكون عليه الروح الشريرة وبذلك نستطيع القول : إن ميثولوجية زرادشت ليست ثنائية تعتمد على التقابل بين قطبين إلهين. لذلك فإن التصور السائد عن وجود إلهين أحدهما للخير والاَخر للشر هو تصور خاطئ. فبما أن أهورامزدا ليس مواجهاً بند للإله فإن المعارضة توضحت في الأصل بين النفسين المتعارضين على المستوى الثاني والسيناريوهات التي تصور الصراع بين الإله والشياطين هي إضافات لاحقة .

إذاً سبنتامينووانكره مينو فهما عموماً تجسيدان للصفات والقيم الخيرة والشريرةورغم التناقض القائم بينهما . فإن أصل ما جاء به زرادشت هو قريب المشابهة جداً بمذهب التوحيد .

المراجع :

1.      TorîDîroka kurdaWeşanên aza .

2.      CigerxwînTarîxa Kurdistan – Weşanên rojana .

3.      نوري اسماعيل ـ الديانة الزرادشتية ـ مزديسنا

Veger

 

Hosted by www.Geocities.ws

1