تاريخ وحقوق اليزيدية - تاريخ اليزيدية

ان تاريخ اليزيدية يكتنفه الكثير من الغموض، بسبب كونهم طائفة صوفية منغلقة على ذاتها لم يحتك بها الباحثون والمؤرخون الا في القرن التاسع عشر، بالاضافة الى منع هذه الطائفة على ابنائها من تعلم القراءة والكتابة بحيث ان حتى كتبهم المقدسة ليست مكتوبة بل محفوظة عن ظهر قلب (هذا المنع قد تم تجاوزه في الاجيال الاخيرة وانتشر المتعلمون بين ابناء الطائفة). بعض المؤرخين والباحثين اعتبروهم من الاكراد بسبب تبنيهم للغة الكردية بالاضافة الى العربية مع بعض السريانية. مهما كانت لغتهم فانهم بالحقيقة "عراقيون" بكل معنى الكلمة. بصورة أدق انهم يمثلون افضل نموذج للجماعات العراقية الاصيلة التي تطبعت مع الثقافة المهمينة في كل حقبة جديدة ، ابتداءا بالاكدية الآشورية ثم السريانية ثم العربية واخيرا الكردية التي تسربت اليها في القرون الاخير بحكم التزاوج الذي حدث مع بعض العشائر الكردية النازحة من جبال زاغاروس والتي اعتنقت اليزيدية وتزاوجت معهم. ان اليزيدية يشبهون في وضعهم هذا بعض القبائل العربية - الكردية الموجودة في العراق، مثل بعض أفخاذ الجبور وربيعة والبيات وغيرهم، إذ يحملون الثقافتين والانتمائين العربي - الكردي بآن واحد. يتكلم اليزيديون العربية والكردية ويرتدون الأزياء الرجالية العربية والازياء النسائية السريانية. لهم كتابان مقدسان لم يتم تداولهما او اطلاع الباحثين عليهما، بل يقال انهم يتداولوهما شفاهيا، بسبب تحريم الكتاب لديهم في المراحل السابقة. الكتاب الاول هو "كتاب الجلوة" يعود الى المتصوف الشامي "عدي بن مسافر" وكتاب حديث اسمه "مصحف رش" أي "الكتاب الاسود". انهم يعتقدون ان اسمهم "اليزيدية" يعود الى "يزيد بن معاوية" الخليفة الاموي، الذي ربما تم تقديسه بعد سقوط الدولة الاموية كرد فعل على تقديس "علي" من قبل "العلوية" والشيعة المجاورون لهم. ثم انهم يقدسون متصوفاً عراقياً معروفاً هو "الحسن البصري". ان سلالة جميع شيوخ اليزيدية يجب ان يكونوا منحدرين من هذين الامامين "عدي بن مسافر البعلبكي، والحسن البصري". من الناحية المعتقدية فيعتقد بأن اليزيدية من بقايا طائفة "الكلدان الحرانيين" الذين بقوا على ديانتهم الآشورية. وقد تحدث عنهم المؤرخ العراقي (ابن النديم) في كتابه الشهير (الفهرست).

من دلائل أصالتهم السريانية، مثلاً انهم في سنجار يقدسون دير "مار عدي"  أحد حواري السيد المسيح، ويحتفظون فيه بأقدم مكتبة كلدانية مكتوبة على رق الغزال باعتبارها مكتبتهم المقدسة.

من ناحية تكوينهم الديني، فان المؤرخين والفقهاء لم يحسموا قضية انتماء اليزيدية للإسلام أم لا. لقد أسيء فهم الفكرة السائدة عنهم بأنهم يعبدون الشيطان: انهم يهابون "الملاك طاووس" رمز قوة الشر (الشيطان) لا حباٌ به ولكن تجنباٌ لشره. يشبهون معظم الطوائف "الغالية" التي حاولت ان تغطي معتقداتها العراقية الشامية الأصلية بتلاوين مسيحية واسلامية، مثلما فعل العلوية والدرزية والاسماعيلية والشبكية وغيرهم. ان اليزيدية تمثل خلاصة الدين العراقي القديم القائم على تقديس الكواكب السبعة المعروفة، والذي تأثر واضطر لتقبل المعتقدات السامية الجديدة التي انبثقت في المنطقة بعد سقوط بابل: المسيحية ثم المانوية البابلية ثم الاسلام. أي ان اليزيدية هم من بقايا المجاميع العراقية السريانية التي فرض عليها التاريخ، للحفاظ على دينها الأصلي، ان تتقبل بعضاٌ من معتقدات الأديان الجديدة. بل ان ديناميكية اليزيدية اضطرت كذلك لتقبل ثقافات الأقوام الجديدة التي فرضت نفسها على المنطقة، أي ثقافة العنصر العربي أولاٌ ثم ثقافة العنصر الكردي الذي هيمن في القرون الأخيرة.

رغم تكتم اليزيدية ومحاولة ابتعادهم عن اثارة الطوائف الإسلامية والمسيحية المحيطة بهم، فانهم تعرضوا لحقبات من الاضطهاد والمذابح المعروفة خصوصاٌ في زمن الدولة العثمانية. في القرن التاسع عشر قام العثمانيون بتحريض بعض الاغوات الاكراد من اجل شن حروب ابادة ضد يزيديي جزيرة ابن عمر في منطقة الجزيرة وكذلك تم ذبح الآلاف في جبل سنجار لاجبارهم عن التخلي عن دينهم. في عام 1847م حاولت الحكومة العثمانية إجبارهم على الخدمة العسكرية باعتبارهم طائفة إسلامية، وبعد مذابح كثيرة اضطر الكثير منهم للجوء للكنائس وإعلان مسيحيتهم للتخلص من الاضطهاد الكردي العثماني. وتكررت المذابح كذلك في عام 1872 لنفس السبب. حاولت البعثات التبشيرية الأوربية كسبهم الى المسيحية دون ان تحقق نجاحاً ملحوظاً. يبدو انهم قد لعبوا دوراٌ مميزاٌ بالتحالف مع السريان في ضم الموصل الى العراق في عام 1925.

عدد اليزيدية ربما يبلغ الآن اكثر من 300 ألف في العراق، 85% منهم يقطنون في جبل "سنجار" غرب الموصل، والباقون في قريتي "الشيخان" و"باعذرى" شرق الموصل. بعض اليزيدية موجودون أيضاٌ في سوريا وفي تركيا وفي أرمينيا.

رغم ديمومة تداول اللغة الكردية مع العربية في نواحي اليزيدية فان هناك شعوراً متنامياً لديهم باصولهم السريانية الرافدية. في عام 1919 اشتركوا مع الآشوريين بوفد موحد بقيادة الجنرال آغا بطرس في مؤتمر السلام في باريس للمطالبة بحقوقهم. لقد نشرت صحيفة الشرق الأوسط في /24 - 2 - 1993/ برقية من شيخ اليزيدية الأمير معاوية يقول فيها: "انه ليس لمسعود البرزاني ولا جلال الطلباني - القادة الاكراد - الحق بالادعاء بانهما يمثلان اليزيديين والآشوريين". ثم نشرت مجلة "حويودو- الوحدة" السريانية (عدد 43-1994) بياناٌ للأمير معاوية يتحدث فيه عن: "نبتة أجدادنا أيام الامبراطورية الآشورية..... اننا فهمنا تاريخنا باننا والآشوريين من أصل واحد......"

ان من يطلع على تاريخ اليزيدية يكتشف ان هذه الطائفة تمثل خلاصة رائعة لتاريخ منطقة شمال الرافدين (منطقة الجزيرة). يمكن اعتبار اليزيدية أشبه بقصر تاريخي مظهره إسلامي مزين بنقوش عربية وعبارات كردية. لكن لو أزلنا هذه الاصباغ الخارجية عن الجدار لأكتشفنا تحتها طبقة من نقوش مسيحية بأيقونات ملونة وصلبان منحوتة. ولو تعمقنا اكثر بالحفريات لأكتشفنا طبقة ثالثة من جداريات آشورية ورسومات آلهة النهرين وكتابات مسمارية. ولو تعمقنا في الحفريات سنصل الى أعماق تاريخ المنطقة وجذورها البدائية المنسية. الحقيقة ان جميع طوائف واديان العراق وسوريا تتشابه في هذه الطبقات الأثرية المخفية، لكن اليزيدية من بين الكل هي اقل الطوائف التي نجحت بإخفاء طبقاتها التاريخية، بحيث تبدو وكأنها موزاييك رائع للتراث الديني والاقوامي لبلاد ما بين النهرين. يمكن ملاحظة هذا التنوع العجيب في اليزيدية من خلال الأمور التالية:

- إعتقادهم بأنهم من نسل آدم وليسوا من نسل حواء، وإنهم أتوا بعد الطوفان.

- إعتقادهم بالكواكب السبعة المقدسة لدى العراقيين، لكنهم غيروا أسماء الآلهة البابلية بأسماء الملائكة السريانية المسيحية: يودائيل وإسرافيل وميكائيل وجبرائيل وشمنائيل ونورائيل، أما زعيم الملائكة الاكثر قدسية فهو عزرائيل "الملك الطاووس"، الذي تصوره البعض على أنه "الشيطان". ويمثل هؤلاء الملائكة سبعة شيوخ مقدسين مثل الشيخ عدي والشيخ حسن وأبو بكر.

-  يحتفلون بأول أربعاء من شهر نيسان بهبوط الملاك "طاووس" الى الأرض، مثلما كان يحتفل العراقيون في بابل وآشور بشهر نيسان أول أشهر السنة حسب التقويم البابلي، لأنه شهر الربيع والخصب والميلاد والبداية. وهو عيد الاله (تموز). ويبدو جليا ان هناك تشابها بين اسمي (طاووس وتموز). نفس هذا الشهر أيضا كان يحتفل المانوية البابليون بيوم صلب "ماني البابلي" وخلوده في الأبدية، وكذلك هو عيد الفصح وعودة المسيح للحياة.

- إنهم اقتبسوا من المانوية مسألة تناسخ الأرواح وانتقال البشر بين حيوات عدة.

- إنهم يشتركون مع المسيحيين في الكثير من المناسبات والأعياد مثل عيد الفصح والقيامة وكذلك التعميد بالماء وقطع الخبز، ثم زيارة الكنائس والحج لمزار الشيخ عدي المقدس أيضا لدى المسيحيين في العراق.

- إنهم يشتركون مع المسلمين بالصيام والختان وتقديس القرآن وبعض رجالات الدين.

- إنهم يحتفلون بعيد "القربان" أي عيد الاضحى حيث ضحى النبي إبراهيم بولده إسماعيل.

- إنهم يعتمدون التقويم الشمسي الشرقي الذي كان يعتمده من قبلهم اهل النهرين في بابل وآشور.

إنهم يمتلكون تنظيما دينيا هرميا مثل نظام الكنيسة المسيحية والمانوية وكذلك الشيعة الجعفرية. بالإضافة الى تقديسهم أحفاد عدي والحسن البصري مثلما يقدس الشيعة أحفاد الأمامين علي والحسين.

امير الطائفة يدافع عن عراقية طائفته*

((يمكن إعتبار اليزيدية اشبه بقصر تاريخي مظهره اسلامي مزين بنقوش عربية وعبارات كردية. لكن لو ازلنا هذه الأصباغ الخارجية عن الجدار لإكتشفنا تحتها طبقة من نقوش مسيحية بأيقونات ملونة وصلبان منحوتة. ولو تعمقنا اكثر بالحفريات لاكتشفنا طبقة ثالثة من جداريات آشورية ورسومات آلهة النهرين وكتابات مسمارية. ولو تعمقنا في الحفريات سنصل الى اعماق تاريخ المنطقة وجذورها البدائية المخفية. ان اليزيدية من بين الكل هي اقل الطوائف التي نجحت بإخفاء طبقاتها التاريخية، بحيث تبدو وكأنها موزاييك رائع للتراث الديني والأقوامي لبلاد النهرين)).

ان هذا المقطع الوارد في كتاب (الذات الجريحة) للمفكر العراقي (سليم مطر) هو في اعتقادنا افضل ما عبر عن تاريخ تطور اليزيدية وجذورها الدينية. ان تاريخ الطائفة اليزيدية يشبه كثيرا تاريخ باقي الطوائف الباطنية الموجودة في المنطقة، مثل الدروز والعلوية. انها كانت في الأساس طوائف قديمة منعزلة في المناطق الجبلية، ومن اجل ان تحافظ على نفسها كانت تتقبل تأثيرات الثقافات واللغات والأديان الجديدة المهيمنة على مناطقها.

صحيح ان اليزيدية لها جذورها العراقية القديمة، الا انها إتخذت طابعها واسمها (اليزيدي) الأموي المتميز بعدما دخل فيها الجنود الأمويون الشاميون (12 الف مقاتل) والذين استقروا في شمال العراق بعد هزيمتهم في معركة (الزاب الأعلى) بقيادة آخر خليفة أموي (مروان الثاني) في 750م.. لكن هذا التأثير بقي من الناحية البشرية وسببا لوجود العوائل الأموية في طائفتنا، لكن التأثير الأكبر حدث بعد مجيء (عدي بن مسافر) (رض) في القرن 12 م، وهو متصوف شامي اصله من (بعلبك) في لبنان، ومن السلالة الأموية. قام هذا الشيخ الجليل بتجديد ديانتنا النابعة من شمال وطننا العراق بميراثه الآشوري البابلي، وتأصيلها مع ديانة سيدنا (ابراهيم الخليل).

حول بعض التشويهات والخرافات

ان طائفتنا مثل كل الطوائف الباطنية المغلقة، كانت عرضة للتقولات والإشاعات المغرضة التي تبرر إضطهادها. تتمحور هذه التقولات المعادية حول فكرتين: اننا من عبدة الشيطان، وإننا كذلك متعصبون للأصل الأموي ومعادون للشيعة..

بالحقيقة ان تهمة "عبادة الشيطان"، هي تهمة باطلة تم إصطناعها من قبل الأطراف العثمانية والكردية المجاورة التي ارادت تبرير إضطهاد اليزيدية والاستيلاء على قراهم. لقد تدعمت هذه التهمة الباطلة لدى كثير من الناس لأنهم يشاهدون الإنسان اليزيدي يتأفف ويغضب عندما يسمع عبارة: ( لعنة الله على الشيطان..). والسبب بغضب اليزيدية من هذه العبارة ليس له اية علاقة بتقديس الشيطان، بل لأنه يعرف بأن الناس تقولها من اجل إغاضته. فمن المعلوم اننا نحن اليزيدية نعبد ألله الواحد الأحد ومن بعده جبرائيل (طاووس ملك) ونؤمن بالنبي ابراهيم الخليل الذي نعتبره جدنا الأكبر بعد آدم، ونقدس ايضا يزيد بن معاوية باعتباره رمز سلالتنا الأموية، وكذلك عدي بن مسافر باعتباره باني طريقتنا الروحية وجامع كتابنا المقدس ( الجلوة والأسود).

اما بالنسبة لموقفنا السلبي من الشيعة، فهذه ايضا فكرة ليس لها اساس من الصحة. اكبر دليل على احترامنا للإمام علي وابنائه، ان اسماء علي وحسن وحسين منتشرة بكثرة بين ابناء طائفتنا، حتى ان اسم جدي الرابع هو (الأمير علي بك) والذي منح اسمه لـ (شلال كلي علي بك) في شمال العراق. واحد ابنائه اسمه حسن. ونحن شخصيا تشرفنا بزيارة المراقد المقدسة في النجف وكربلاء ونعتبر السلالة العلوية ابناء عمومتنا وليس لنا علاقة بالمأساة التي حدثت للشهيد الحسين، ونعتبر الصراع الذي دار هو خلاف بين عائلة واحدة، وكما قال شيخنا عدي بن مسافر (رض): ان معاوية وعلي إمامان مجتهدان، ولكن المصيب بينهما هو علي.

تاريخ مقاومة وتضحيات

ان طائفتنا خلال القرون الطويلة قد تعرضت لحملات إضطهاد عديدة ادت الى تقليص وجودها في مناطق شمال العراق وعموم منطقة الجزيرة في سوريا وتركيا. من المعروف ان منطقة شمال الرافدين هي واحدة من اكثر المناطق توترا في العالم طيلة التاريخ، بسبب كونها مركز التقاء اربعة اقطاب حضارية جبارة ومتنافسة: العراق وسوريا وايران وتركيا.. ويبدو ان القبائل الكردية في القرون العثمانية مرت بموجة انفجار سكاني جعلها تهبط من جبال زاغاروس بحثا عن الكلأ وللاستفادة من مغريات العثمانيين لمشاركتهم في حروبهم للسيطرة على المنطقة. لهذا قام الأغوات الأكراد بتكوين الفرق الحربية (عرفت فيما بالفرق الحميدية) المسلحة والممولة من قبل العثمانيين بشن حروب الإبادة العرقية وفرض الديانة الإسلامية والمذهب السني العثماني على كل الجماعات المختلفة التي تعيش منذ قرون طويلة في المنطقة: الأرمن والسريان واليزيدية والتركمان العلوية.. طائفتنا مثل الطوائف الأخرى تعرضت دائما لحملات ابادة وأسلمة وتكريد بحجة محاربة (اتباع الشيطان)، حتى تم القضاء على مناطق بكاملها كانت معروفة بطبيعتها اليزيدية. من الأحداث المعروفة للمؤرخين تلك المذابح التي جرت في اواسط القرن الماضي والتي قام بها الأمير الكردي بدرخان في منطقة بوتان وحكاري وشمال الموصل، ضد اليزيديين والسريان المسيحيين. كذلك مذابح امير سوران الكردي (محمد باشا الراوندوزي) ضد القرى اليزيدية العزلاء في مناطق شيخان ونهر دجلة وجبل القوش وسهول الموصل، حيث تم إغتيال جدي (علي بك) الذي منح اسمه لشلال كلي علي بك. وقد نجحت حملات الإضطهاد هذه بالقضاء على الوجود اليزيدي بين كركوك والزاب الأعلى وتحويل المنطقة الى كردية.

كانت هنالك الكثير من القرى اليزيدية في داخل المناطق الكردية لكنها كلها انتهت اما هربا او اجبرت على إعتناق الإسلام. ثمة حقيقة ساطعة لا يمكن لأي انسان ان يتنكر لها: ان اليزيديين صمدوا وحافظوا على هويتهم الدينية في المناطق العراقية الخالية من الأغلبية الكردية، مثل سنجار الواقعة على خط الحدود العراقي السوري! يمكن التذكير بأنه في بداية القرن وحده قد قام الأغوات الأكراد بعملية ذبح وتشريد اكثر من مليون ارمني ومئات الآلاف من السريان واليزيدية. ان الجزء الأكبر مما يسمى الآن بكردستان تركيا وكردستان العراق لم يكن بأغلبية كردية حتى اواخر القرن 19، لكن استمرار التصفيات العرقية والدينية ضد الأرمن والسريان واليزيدية وضد التركمان العلوية هي التي ادت الى تكريد هذه المناطق.

مشكلة الإنتماء القومي

هنالك للأسف بعض الجهات الحزبية الكردية التي تحاول بشتى وسائل الإغراء والضغط وشراء الذمم من اجل فرض الهوية الكردية على طائفتنا وسلخنا من هويتنا العراقية، بحجة ان قسما من ابناء طائفتنا يتكلم الكردية. من المعلوم ان طائفتنا تضم مؤمنين من مختلف الأقوام التي عاشت وتعيش في شمال الرافدين (منطقة الجزيرة) بقسمها العراقي خصوصا (ولاية الموصل) وكذلك قسميها السوري والتركي. هنالك في طائفتنا ذوو اصول كردية وعربية وسريانية وحتى ارمنية وتركمانية. ونحن نعتقد انه من الخطأ الحكم على هوية طائفتنا من خلال اللغة وحدها، بل يتوجب الأخذ بنظر الإعتبار الشروط الأخرى، وهي التاريخ وطبيعة المكان وكذلك طبيعة ميراثنا وتقاليدنا. فمثلا إن تكلم بعض اليزيدية باللغة الكردية لا يعني ابدا انتمائهم "العرقي القومي" للأكراد، فليس كل الناطقين بالعربية هم عرقيا عرب. وهذه حالة عالمية معروفة فليس كل الناطقين باللغة الاسبانية هم اسبان ولا كل الناطقين بالأنكليزية هم انكليز، لأن اللغة تفرض وتنتشر لعدة عوامل منها الهيمنة السياسية وعلاقات الجيرة والتزاوج.. هنالك مثلا في شمال العراق الكثير من المسيحيين الأرمن والسريان من يتكلم الكردية. علما بأن مناطق تواجدنا الحالية كلها تنطق بتاريخ عراقي واضح ومعروف، ولا زالت كلها تحمل اسماء آرامية مثل سنجار وشيخان وباعذري.

في كل الأحوال نحن نعتز بأخوتنا الأكراد ونفتخر بأن هنالك قسما من ابناء طائفتنا يتكلمون الكردية، لكن هذا لا يمنعنا بأن نفتخر بإنتمائنا العراقي وان طائفتنا تمثل خلاصة تاريخ شمال العراق وعموم منطقة الجزيرة من النواحي الدينية والحضارية واللغوية. لهذا فأن الأغلبية من ابناء طائفتنا يرفضون هذه الضغوطات الحزبية الكردية من اجل اقحامنا في اللعبة السياسية الخطرة وزيادة عذابات طائفتنا وتعريضها لمخاطر المشروع الغربي الصهيوني الأمريكي لبلقنة العراق وعموم منطقة الشرق الأوسط. ونحن نعتقد ان الحل الأفضل الذي نتمسك به، ان كل قسم من طائفتنا ينتمي للبلد الذي يعيش فيه، فنحن عراقيون في العراق، ونحن سوريون في سوريا، ونحن اتراك في تركيا. علما بان هذا ليس موقفا خاصا بنا ، بل هو عموما موقف جميع الطوائف الدينية في انحاء العالم.

التهديدات الحزبية

من المعلوم انه في اوربا وبالذات في المانيا هنالك جالية يزيدية كبيرة قد تبلغ عشرات الآلاف، وهم بأغلبيتهم الساحقة مهاجرون من تركيا، وهنالك الكثير منهم متعاطفون مع حزب العمال الكردي المدافع عن الاتجاه التكريدي لليزيدية. بالحقيقة ان هذه ليست المرة الأولى التي يتعاطف بها بعض ابناء طائفتنا الى جانب حزب معين. علما بان اليزيديين الذين هاجروا من تركيا هربوا اساسا من اضطهاد الأكراد لهم باعتبارهم خارج ملتهم. ان هذا مثبت في إفادات اليزيديين الهاربين من مناطقهم وفي سجلات المحاكم المختصة الألمانية.

لكن بسبب الحملات الإعلامية الجبارة المدعومة من شتى الجهات العالمية الغربية وحتى الصهيونية التي تدعي الحيادية والعلمية، بالإضافة الى سياسة الترغيب والترهيب التي تسخدمها بعض الأحزاب الكردية وبالإعتماد على حجة ان اللغة الكردية موجودة بين طائفتنا.. اضافة الى اننا عانينا من تجاهل الأحزاب العراقية لنا بسبب وضعنا الطائفي الخاص، ولم يتجه الينا في السنوات الأخيرة غير هذه الأطراف الكردية، كل هذا ادى للأسف ان تتغلغل بين شبابنا في الخارج هذه التيارات القومية الكردية المنافية لخصوصيتنا الدينية وانتمائنا الوطني.

لقد نجحت المؤسسات العالمية الاستشراقية والفضائيات الكردية ان تخلق لنا تاريخا وتراثا آريا ايرانيا كرديا ونفي كل ما هو عراقي واموي في تاريخنا، بل انهم يصرون على جرح مشاعر ابناء طائفتنا وتغيير اسمهم من "يزيدية" الى "أزدية" لكي يتلائم مع ادعاءتهم القومية.

لكننا نظل نقاوم مثل هذه الضغوطات والمنزلقات الخطرة، وبدعم الكثير من الشباب اليزيدي المثقف وخصوصا من المقيمين في الوطن، رغم محدودية إمكانياتنا المادية لأننا لم نتلقى الدعم من اية جهة، لا حزبية ولا حكومية ولا عالمية. اننا بالتدريج نحقق النجاحات بتدعيم الوعي بخصوصيتنا الطائفية واستقلاليتنا عن المشاريع القومية الكردية واصالة إنتمائنا للأمة العراقية ولتاريخها العريق. ونأمل بهذه المناسبة ان تبادر الأحزاب العراقية والنخب الوطنية الواعية الى تفهم ابعاد ومخاطر هذه الحملة العالمية الجبارة من اجل تكريدنا وفصلنا عن عراقيتنا. نتمنى ان تبادر هذه الجهات والنخب المثقفة العراقية الى القيام بحملة وطنية مضادة من اجل التضامن معنا ومساعدتنا على التمسك بهويتنا الوطنية المهددة من كل الجهات.

يزيدية أم إزيدية

هنالك للأسف دعوة من قبل بعض القوميين ذوي الميول الآرية الى رفض تسمية (يزيدية) لتحل محلها تسمية (إزيدية)، باعتبارها هي التسمية الإيرانية الكردية الأفضل. رغم ما في هذا التحريف للتسمية من تجريح واستخفاف بمشاعر ابناء طائفتنا.

ان دعوة تسمية اليزيدية بتسمية جديدة (ازيدية) هو امر خاطئ ليس له أي اساس من الصحة. هذه الدعوة التحريفية نشأت منذ عدة اعوام اولا بدفع من الأحزاب الكردية الموالية لإيران وللنزعة العرقية الآرية الشاهنشاهية، ثم امتدت ثقافيا الى الأحزاب الكردية العراقية والتركية. وملخص هذه النزعة الآرية المدعومة غربيا، هي محاولة إرجاع كل التاريخ والميراث الديني والحضاري للمنطقة الى اسس عنصرية آرية معادية للشعوب السامية والتركستانية.. مثلا بخصوص إدعاء تشابهنا مع الزرادشتية ، اجتمعنا نحن في دبي عام 1991 مع بعض شيوخ الديانة الزردشتية (المجوسية) القادمين من الهند، وبعد نقاش طويل اقتنعنا بأن ليس هنالك اية تشابهات ايمانية او طقسية ونحن نختلف عن بعضنا مظهرا وجوهرا ، وهذا يدحض كل ادعاءات التكريد التي تصر على ارجاعنا الى الديانات الإيرانية والهندية الآرية.

ان كتاب (الذات الجريحة) يشرح بالتفصيل كيف ان هذه النزعة الآرية الغربية جعلت مثلا كل مصادر الحضارة العربية (آرية: اغريقية ايرانية هندية)، كذلك تم اعتبار كل التاريخ الحضاري العراقي في العصر الإسلامي ومعه الشخصيات العراقية المعروفة، كلها اعجمية ايرانية، باعتبار الناطقين بالعربية عرب بدو منقطعين عرقيا وحضاريا عن الميراث والتاريخ العراقي السابق للفتح الإسلامي! يبدو ان حملة التفريس والتعجيم والتكريد هذه قد شملت برحمتها في السنوات الأخيرة طائفتنا اليزيدية، ليس تاريخها وميراثها فحسب، بل حتى اسمها الذي تعتز به منذ قرون طويلة.

ان هؤلاء السادة القوميين يجب ان يعرفوا بأن اسم الطائفة ليس موضة معينة يمكنهم تبديلها حسب الأهواء ومصالح الأحزاب السياسية. فنحن (يزيدية) ونبقى (يزيدية)، ونعتز بإصولنا الدينية العراقية. ان اليزيدية في كل انحاء العالم مكان حجهم ومركز ديانتهم المقدس منذ الأمبراطورية الآشورية البابلية هو جزء من منطقة نينوى، وان اليزيدية مرتبطة بأرض العراق دينا وارضا وشعبا.

ان جميع الإستكشافات الأثرية التي جرت في مناطق سنجار والشيخان، وكل الآثار والمسكوكات واللقى الأثرية التي تم العثور عليها في مناطقنا، جميعها بابلية آشورية ولم يعثر حتى الآن على قطعة اثرية واحدة تدل على وجود ميديين او زردشتية او مجوسية او أي شيء يخص الحضارة الإيرانية. حتى الكتابة اليزيدية التي استخدمها اليزيديون لتدوين كتبهم المقدسة (الجلوة والكتاب الأسود)، مكتوبة بنوع من الخط الآرامي، وهي موجودة في متاحف اوربا.

علما بأن هذا التوجه المتأخر نحو طائفتنا لم يكن بأسباب علمية ولا دينية، بل بأسباب استراتيجية تتعلق بالمشاريع الخطيرة التي يتم طبخها في الكواليس الغربية والصهيونية بخصوص بلدنا العراق وعموم منطقة الشرق الأوسط.

بهذه المناسبة نحن نتمنى وندعو جميع المثقفين العراقيين وجميع الجهات الحريصة على وحدة العراق وشعبه بكل فئاته، وبالتنسيق مع المثقفين اليزيديين، من اجل تكوين المؤسسات الثقافية واللجان الدراسية الجادة والوطنية التي تحترم خصوصيتنا اليزيدية وهويتنا العراقية، من دون مزاودات قومية مهما كانت كردوية او عروبية.. فنحن يزيديون عراقيون وكفى..

الخلافات حول زعامة الطائفة

لتكملة المعلومات عن ماضي وحاضر اليزيدية نورد هنا مقطعا من حوار صحفي سبق وان اجريناه مع امير الطائفة يوضح به مسألة الخلاف حول زعامة الطائفة:

- ماهي قصة الخلاف حول إمارة الطائفة، فمن المعروف ان هناك فئتين متنافسين حول امارة الطائفة، أنتم شخصيا حيث تقيمون في المانيا منذ اعوام وكذلك هنالك ابن عمكم الأمير تحسين المقيم في سنجار في العراق..؟

ان هذه قصة يطول شرحها. تعود جذور الخلاف الى زمن والد جدي المرحوم (الأمير عبدي بك) الذي اوصى بالإمارة من بعده الى ولده إسماعيل بك، وهو جدي المباشر. ولأنه كان حينذك قاصرا ولم يبلغ سن الرشد فقد استلمت الإمارة اخته الكبرى (ميان خاتون) كوصية مؤقتة. ولكنها رفضت فيما بعد تسليم الإمارة الى اخيها وفضلت تسليمها الى إبنها (سعيد بك). بعد استفحال الخلاف انقسمت الإمارة الى إتجاهين، كل منهما مع طرف. انصار جدي (إسماعيل بك) في سنجار وانصار (ميان خاتون) في الشيخان حيث سيطرت على مزار (الشيخ عدي). بعد الحرب العالمية الأولى وسيطرة الإنكليز وقيام الحكومة الملكية تم دعم جدي ومناصرته بسبب رفضه للمطالب العثمانية بولاية الموصل. أخيرا تم الإقرار بأن يستلم جدي الإمارة الدينية والدنيوية، وان تكون لمنافسه (سعيد بك) حق الإشراف على المزار المقدس، وان يتم تقاسم عائدات المزار. ولكن الخلاف بالحقيقة لم ينته تماما، بل إنتقل الى ولديهما من بعدهما (بايزيد بك بن اسماعيل بك) و(تحسين بك بن سعيد بك). في اعوام السبعينات تدخل الرئيس صدام حسين شخصيا لحل الخلاف حتى توصلت المداولات في عام 1980 الى صدور مرسوم جمهوري موقع من الرئيس يقرر فيه تعيين عمي (بايزيد بك) اميرا للطائفة. وبعد وفاة عمي انتقلت الإمارة الى ابي (الأمير معاوية) ومنه انتقلت اليّ عام 1991. اما الأمير تحسين بك، فانه لا زال حيا ويشرف على مزارنا المقدس. وهو رغم مطالبته بالإمارة فإنه لا يمتلك اية وثائق رسمية بذلك.

مطالب وحقوق اليزيدية

 

يمكن اعتبار هذه المطالب والحقوق الخاصة باليزيدية، نموذجا للتعامل المطلوب مع باقي الفئات العراقية المختلفة. ان المبدأ الذي يتوجب اعتماده من قبل النظام الوطني الديمقراطي المقبل في التعامل مع الفئات العراقية، يتلخص بالتالي:

- من ناحية، يتوجب الاعتراف بخصوصية كل فئة عراقية سواءا لغويا او مذهبيا او دينيا، ورعايتها رسميا واعلاميا وثقافيا. يجب عدم التخوف من الاعتراف بالخصوصيات الفئوية والمحلية لأنها دليل غنى وخصوبة الأمة العراقية.

- ومن ناحية ثانية مكملة للاولى، يتوجب تجنب المغالاة والتطرف في التأكيد على هذه الخصوصيات الفئوية لحد اعتبارها متناقضة مع حقيقة الانتماء المشترك للعراق وتاريخه وميراثه الغني المتنوع. نعم ان المغالاة بالخصوصية كثيرا ما ادى الى تبرير طروحات التخلي عن الهوية العراقية والانتماء الى هويات اقوامية ودينية خارجية وتمجيد الطروحات القومية الانفصالية وما يسمى بحق تقرير المصير، وغيرها من الشعارت التي يدعو الغرب الى تطبقيها علينا وهو نفسه الرافض لتطبيقها على اوطانه!

نعم ان مبدأنا في التعامل مع الفئات العراقية مثل كل المبادئ الاخرى التي نؤمن بها، قائم على اساس "المنهج الوسطي" الذي يعني اختيار "الموقف الوسط" بين موقفين متطرفين: بين انكار الخصوصيات ومحاولة الغائها .. والمغالاة بتضخيم الخصوصيات وجعلها منافية للهوية الوطنية.

اما بالنسبة للمثال اليزيدي، فان الذي يميز هذه الطائفة عن باقي الفئات العراقية انها لا تمتلك مطالب فئوية خاصة بها، بل ان مطالبها هي جزء من مطلب الديمقراطية والحقوق المدنية التي تشمل عموم الشعب العراقي. ولكن مع هذا يمكن تسجيل المطالب التالية التي تمكنا من تحديدها من خلال متابعتنا لطروحات اليزيدية والحوارات التي اجريناها مع مختلف الشخصيات المعنية:

1 - اليزيدية يطالبون الدولة العراقية باعادة اراضيهم التي صادرتها اوائل الثمانينات في مختلف انحاء محافظة نينوى وخصوصا في الشيخان وسنجار. الغريب ان الاجهزة المعنية سبق لها ان قيدت اليزيدية في السجلات الرسمية بانهم "عرب"، لكنها مع هذا ظلت تشكك بنقاوة دمائهم! لهذا راحت بين حين وآخر تصادر املاك العشائر اليزيدية لتمنحها لعشائر "اكثر نقاءا" من الناحية العروبية! من الجدير بالذكر ان الكثير من العشائر العربية المجاورة مثل الجبور والدليم والبومتوت قد رفضت بكل شيمة هذه السياسة العنصرية وابت الاستيلاء على اراضي اشقائهم اليزيدية.

2 - اليزيدية يطالبون الاحزاب والحركات القومية العروبية منها او الكردوية او الآشوروية، بالكف عن حشر طائفتهم في طروحاتهم القومية العرقية، وتشويه تاريخهم من خلال اضفاء الصبغة القومية العرقية المتعصبة التي تفصل اليزيدية عن التاريخ الوطني العراقي. ان اليزيدية بحاجة الى الاعتراف بهم كفئة دينية عراقية اصيلة تجتمع في داخلها كل تنوعات الأمة العراقية لغويا ودينيا وتاريخيا، فهم لغويا يجمعون التأثير السرياني والعربي والكردي ، ودينيا يجمعون الميراث الديني العراقي بكل تنوعاته ومراحله: عبادة الكواكب العراقية ثم المسيحية والمانوية البابلية ثم التصوف الاسلامي. انها ديانة عراقية رافدينية اصيلة بكل ما للكلمة من معنى.

3 - اليزيدية يطالبون الدولة والمؤسسات العراقية المعنية وكذلك الاحزاب برفع الحصار الثقافي والاعلامي المفروض على طائفتهم منذ اجيال طويلة من دون باقي الطوائف، ومن اجل التعريف بهم اعلاميا وثقافيا باعتبارهم فئة عراقية مثل باقي الفئات. ان تاريخ اليزيدية للاسف مليء بالمعاناة وحتى المجازر التي قامت بها بعض الاطراف الدينية والاغوات الاكراد المدفوعين من قبل العثمانيين من اجل الاستيلاء على اراضيهم واملاكهم بحجة انهم كفرة يعبدون الشيطان. لهذا فان اليزيدية الآن هم اكثر من باقي الطوائف العراقية بحاجة الى عناية خاصة من قبل المؤسسات والاحزاب للتعريف بهم ورفع الغبن التاريخي عنهم وابعاد التشويهات والمواقف السلبية التي لفقتها العقليات المتعصبة والطامعة باملاكهم. ويتضمن هذا المطلب، عدا التعريف بميراثهم وطقوسهم واحتفالاتهم في الصحافة والراديو والتفزيون، ان يتم كذلك السماح لهم، مثل باقي الفئات العراقية، بتكوين المنتديات الاجتماعية والمؤسسات الثقافية الخاصة بهم من اجل التعريف بأنفسهم وبحقيقة معتقداتهم ومن اجل تعزيز التقارب والتعايش والحوار مع الفئات العراقية المختلفة.

4 - اليزيدية يطالبون مثل باقي الفئات العراقية، بان يتم تمثيلهم في النظام الديمقراطي المقبل في مختلف مؤسسات الدولة والجيش والبرلمان، طبعا من دون اللجوء لنظام المحاصصة على الطريقة اللبنانية، بل بطريقة عرفية على النمط السائد في باقي الانظمة الديمقراطية.

5 - اليزيدية يطمحون ان تتحول بغداد الى عاصمة (دينية - ثقافية) لليزيدية العراقيين وباقي يزيدية العالم. ويعني هذا المطلب ان يقام في بغداد (مركز ثقافي - ديني) خاص بالعناية بشؤون اليزيدية من كل النواحي الدراسية والدينية والاجتماعية والتنظيمية. بالحقيقة ان هذا المطلب الوطني يأتي بالانسجام مع الفكرة المطروحة بالتأكيد على تحويل بغداد الى عاصمة وطنية (دينية - ثقافية) لجميع الطوائف الدينية العراقية، مثلما كانت ايام عصرها الذهبي في الفترة العباسية، ومثلما كانت قبلها (بابل) التي فيها "تبلبلت" الالسن وتنوعت الافكار والاديان.

مقالات وتعقيبات صحفية عن اليزيدية

 

نورد هنا مقاطع من مقالات وتعقيبات خاصة بموضوع اليزيدية. والمقطع الاول هو جزء من مقال موسع عن تشويه التاريخ العراقي من قبل القوميين الاكراد. وهذا المقال واحد من عدة مقالات كتبناها واثارت العديد من ردود الفعل الايجابية والسلبية مع تعقيبات عشرات القراء والكتاب، كلها تتمحور حول عراقية او كردوية اليزيدية:

تشويه تاريخ اليزيدية*

نعم إن الحديث عن التاريخ والتراث يفقد تماماً براءته العلمية عندما يصبح جزءاً من مشروع سياسي قومي امبراطوري..

لايهم أن يتم اعتبار الطائفة اليزيدية كردية وأن كلمة "يزيد" هي "أزد"  الإيرانية وكل تراث هذا الدين أصله آري فارسي، بل ليقولوا إن العراق كله أصله آري أو صيني، ففي كل الأحوال كل شعوب العالم لها أصل ما من خارج الوطن قبل قرن أو قبل مليون عام.. ولكن أن يقال كل هذا من أجل أن يتم تبرير ضم سنجار وكل الموصل وكركوك وشمال العراق، بل حتى جزء من الوسط ابتداءً من الكوت فما فوق إلى مشروع ((كردستان الكبرى))، فإن الأمر يصبح مختلفاً ويتطلب التدقيق والحذر..

أنا شخصياً، لو أتى الأكراد وأقنعوني بأني أنا وعشيرتي أصلنا أكراد، سوف يكون الأمر طريفاً بالنسبة لي وسبباً لإغناء خيالي الأسطوري وميراثي الشخصي. لكن رد فعلي سوف يختلف وينقلب تماماً عندما أكتشف بأن الهدف من إقناعي بكرديتي هو ضم منطقتي إلى مشروع كردستان الكبرى!

دعهم يقولون إن كركوك تاريخياً وجغرافياً كردية، فنحن نوافق حتى أن يقولوا عن بغداد ومدينة الثورة وعن النجف، بأنها كردية.. ولكن أن يتباكوا ليل نهار في صحافتهم وفضائياتهم العالمية على كركوك ويطلقوا عليها (كركوك السليبة) و(قدس الأكراد) فإن الموضوع يصبح مختلفاً..

إننا لا نبالغ أو نصطنع الكلام. اتصلوا بأي طرف سياسي كردي، مهما ادعى العراقية وردد شعار "الحفاظ على وحدة العراق" واطرحوا عليه السؤال التالي:

- ماهي كردستان الكبرى التي تناضلون من أجل استقلالها وتوحيدها ؟

يجيب على هذا السؤال السيد (مامو عثمان) من خلال رده في هذه الجريدة (6 - 12- 2000)، إذ أطلق بكل بساطة على ولاية الموصل، أي شمال العراق كله، تسمية (كردستان الجنوبية). وهذه مقتطفات حرفية من كلامه:

((ولاية الموصل في الجزء الجنوبي من كردستان.. أما كردستان الجنوبية التي كان يشار إليها بولاية الموصل.. الأكراد في ولاية الموصل بعد إلحاقها في العراق.. الحقائق التاريخية التي تؤكد على كردية سنجار الأصلية، حالها حال المناطق الكردية الأخرى كركوك وخانقين وشيخان والتي يحاول النظام العراقي قسراً بترها من الجسد الكردستاني وما محاولة السيد مطر إلا خدمة لمحتلي كردستان)) !!

نعم إن كردستان محتلة من قبل العراقيين مثلما كان الفرنسيون يحتلون الجزائر.. نعم العراقيون مستعمرون مثل أي مستعمر آخر.. ولكي نتبرأ من هذه التهمة الاستعمارية الخطيرة علينا أن نتخلى عن ثلث العراق من الكوت حتى سنجار والمسمى بـ ((كردستان الجنوبية)).. فلا ندري في أي محل من الإعراب يمكن وضع شعار: ((الحفاظ على وحدة العراق..)) إنه ضحك على الذقون.. أليس كذلك ؟

إن هذا ليس كلام أقلية كردية متطرفة، بل هو كلام كل الأطراف الكردية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. لكننا نحن وأحزابنا لا نريد أن نثير مثل هذه الأمور، لأنها "أمور شخصية ومخدشة للحياء"، لا يمكن سوى الهمس بها تحت الطاولة وفي الأحلام الليلية.. فهذه عادتنا منذ أجيال وأجيال، كل مشاكلنا الحقيقية غير مسموح سوى الهمس المؤدب بها.. أما الدرس والبحث والحوار العلني والصريح فهذه أمور متروكة للسادة (الآريين) في العالم الغربي الكريم..

لقد احتجنا إلى سبعين عاماً من الانتظار كي يأتينا باحث أمريكي فلسطيني اسمه (حنا بطاطو) ويقنعنا بالأرقام والأسماء والبحث الدقيق الذي استغرق أكثر من عشرين عاماً، بأن هنالك في العراق مشكلة سياسية خطيرة اسمها (الدولة الطائفية). أما أحزابنا ونخبنا فللأسف إنها كانت مشغولة بالتحضير للمشاريع العالمية القومية والأممية والدينية الكبرى..

اليزيدية.. ايرانية هندية ام موصلية عراقية*؟!

سبق لنا في كتابات سابقة عديدة أن كشفنا بالتفصيل عن عملية التشوية الشاملة التي تعرض لها التاريخ العراقي بكل مراحله وتفاصيلة الثقافية والدينية والسياسية والإجتماعية. وكانت عملية التشوية هذه التي بدأت منذ بداية النهضة الحديثة في القرن الماضي، مدفوعة بنوعين من التأثيرات. اولها غايات غربية استشراقية من اجل تهشيم الهويات الوطنية لشعوب المنطقة وتقسيمها الى قوميات وطوائف متناحرة لتبرير المشاريع الإستعمارية والصهيونية. وثانيها دوافع طائفية عثمانية من اجل تقزيم التاريخ العراقي واعتبار العراقيين من اصول بدوية ومنفصلين قوميا وعرقيا عن ميراثهم الحضاري بأكمله، واعتبار كل الأعلام والمصادر الحضارية اعجمية فارسية، او في كل الأحوال قادمة من خارج العراق!!

وطبعا هذا التشوية شاركت به النخب المثقفة العراقية بكل حسن نية نتيجة التأثيرات القومية والطائفية والاستشراقية على العقل العراقي. ويمكننا ان نسمع ونقرأ هذا التشوية في كل حديث وفي كل كتاب وفي كل يوم.

التشويه العرقي للتاريخ

يبدو ان هذا الميل التشويهي التغريبي للتاريخ العراقي جذب في الأعوام الأخيرة الكثير من المثقفين الأكراد. صحيح ان هنالك عددا مهما من المثقفين لا زال يعتز بعراقيته وكرديته، لكن للأسف ان السيطرة والصوت العالي المدعوم دوليا وداخليا هو للمثقفين المتنكرين تماما لكل ما هو عراقي مهما كان واقعيا وحقيقيا. وحجتهم الكبرى هي الرغبة ببناء هوية قومية وتاريخ كردي متميز عن التاريخ العراقي.

رغم كل النوايا الحسنة ودعوات الوحدة الوطنية التي تعلنها القيادات الكردية، الا انه في التفاصيل ومن خلال ما نسمعه ونشاهده ونقرأه في الإذاعات والتفزيونات والصحف الكردية، نندهش من هذه الحملة الجبارة القائمة على قدم وساق من اجل التمايز عن كل ماهو عراقي. بل يبلغ الأمر حد تفضيل اعتبار اي ميراث كردي قادم من الصين ومن ايران ومن كل بقاع الأرض الا ان يكون قادما من العراق او من أي بلد عربي آخر. وتدعم هذا الإتجاه القومي التغريبي جهات ومؤسسات غربية وصهيونية تدعي الحيادية والأكاديمية والتضامن مع حقوق الأكراد، لكنها في الحقيقة تمهد لمشاريع طويلة الأمد من اجل الإعداد الثقافي والتربوي لحروب قومية ودينية ومذهبية سوف تفوق بكثير ما عاشته المنطقة من قبل..

العماء الآيدلوجي

يمكننا ان نتخذ من المقابلة التي اجرتها جريدة الزمان في (20 - 10 -2000/ ص18) مع الباحث (مامو عثمان) نموذجا ساطعا وقريبا على هذا التعصب الرافض لكل ما هو عراقي. اصر الباحث منذ اول المقابلة حتى آخرها (وهي تقريبا نصف صفحة من الجريدة!) على اعتبار الديانة اليزيدية (ايرانية هندية!!) بصورة منافية تماما لكل الوقائع التاريخية والدينية والأنثربولوجية، المعروفة والمتداولة.

انه من خلال هذه المقابلة الطويلة اختصر الديانة اليزيدية كالتالي:

((ان تسميتها متأتية من (يزدان) الفارسية.. وانها فلسفة دينية جاءت مع مجموعة فلسفات اخرى اهمها المترائية (الإيرانية).. ان المؤرخين اتفقوا على انها اصل الديانة الكردية وفلسفتها قدمت من الهند قبل الفي عام قبل الميلاد.. وانهم يقدسون العجل الذي هو عجل الإله مترا الذي هو الشمس.. الى آخره))..

بعد قراءة تلك المقابلة، فإن أي قارئ صاحب عقل وضمير، حتى لو كان جاهلا تماما بتاريخ اليزيدية، من المنطقي جدا ان يطرح التساؤل التالي:

- ان عدد اليزيديين في العراق يزيد عن الربع مليون (مع عدد اقل بكثير منتشرين في سوريا والقفقاس)، 90% منهم يقطنون في سنجار، وهناك اقلية في قريتي شيخان وباعذرى الواقعتان ايضا في الموصل لكن في شمالها الشرقي. جبل سنجار يقع غرب الموصل عند حدود سوريا، ويشارك اليزيدية فيه الكلدان والتركمان والعرب وغيرهم من العراقيين. وجبل سنجار هذا محاط من كل النواحي بمناطق ناطقة بالعربية، وان محافظة الموصل تشكل حاجزا جغرافيا شاسعا بين سنجار وكردستان. أي ان ليس هنالك اية علاقة جغرافية بين سنجار وكردستان، الا اذا اعتبر الموصل جزءا من كردستان! وهذه الفرضية التي تبدو ساخرة بالنسبة للمنطق، انها ابدا ليست هكذا هزلية بالنسبة للمخططات والمشاريع الاستراتيجية القومية الكردية.

من المعلوم ان منطقة نينوى هي واحدة من اعرق المناطق الحضارية ليس بالنسبة للعراق فحسب بل بالنسبة للعالم كله. هي مركز الحضارة العراقية بسلالتها الآشورية المعروفة. وان الموصل ايضا عاصمة شمال العراق وعموم منطقة الجزيرة طيلة العصور العربية الإسلامية، وقد قدمت الكثير من المبدعين والأعلام بمختلف الحقول ومن مختلف الإصول الدينية. وهي كانت مركزا للكثير من الحركات الدينية والمذهبية، ابتداءا من المسيحية (النسطورية واليعقوبية) ثم المذاهب الإسلامية مثل الخوارج وكذلك السلالة الحمدانية الشيعية.

السؤال الذي يطرح نفسه: لو افترضنا صحة ظن باحثنا بأن اليزيدية موجودون منذ اربعة آلاف عام.. فهل من المعقول ومن المنطقي ومن الواقعي ان لا يمسهم أي تأثير من كل هذا التاريخ الحضاري الموصلي (والعراقي عموما) الفعال والثري؟ هل من المعقول ان تأتيهم التأثيرات من ايران وحتى من الهند، ولا تأتيهم اية تأثيرات من المنطقة ومن تلك الجموع الحضارية التي تحيط بهم من كل النواحي؟

خلال اربعة آلاف عام لم يكتسب اليزيديون حتى شيئا موصوليا (اوعراقيا) واحدا يستحق الذكر في مقابلة اخذت تقريبا نصف صفحة وفي جريدة عراقية!!

نعم هكذا تعمي الآيدلويجة القومية عن رؤية الواقع والجغرافيا، وتدفع للتنكر لأبسط قواعد البحث العلمي والطرح الضميري الموضوعي..

النزعة القومية الآرية

ان المشكلة لا تكمن في خطأ المعلومات التي طرحها الباحث، بل المشكلة تكمن في تلك اليقينية المتطرفة والمطلقة التي طرح بها تلك المعلومات. وبالحقيقة ان جميع معلوماته هي اجتهادات شخصية وافتراضات من ضمن العديد من الإفتراضات التي لا زالت محلاً للجدال والبحث. وتاريخ اليزيدية مثل كل تاريخ فأنه عرضة للتشوية والتحريف والتفسير حسب الأهواء والمصالح. ومن المطلوب مراعاة الحد الأدنى من المنطق ومن الموضوعية في مناقشة مثل هذه الأمور.

الآن لنقم بجولة على التحريفات والتشويهات التي قام بها باحثنا الكريم وايراد النقاط الأساسية كما وردت في المقابلة:

- ((ان تسمية (يزيدية) من (يزدان) وتعني باللغة الكردية القديمة (الإله) ويزد وآزاد تعني بالفارسية القديمة (الإله) واليزيديون هم عبدة الآله...))!!

هنالك اصرار كردي على اعتبار تسمية (يزيدي) مشتقة من (يازدن) الفارسية. طبعا ليس هنالك أي مصدر، لا ديني ولا تاريخي ولا حتى شهادة واحدة تؤكد مثل هذه الفرضية. هنالك فقط الرغبة الكردية بإعطاء اصل فارسي (آري طبعا!) لهذه التسمية من اجل تفريس (أي تكريد!!) هذه الديانة. لو سألت أي يزيدي مؤمن وجميع رجال الدين يقولون لك ان تسمية (يزيدية) قادمة من (يزيد بن معاوية). وهذا ليس كلاما سطحيا عابرً وإعتقادا شعبيا ساذجا، بل هو ايمان حقيقي ويشكل حجر الزاوية في هذه الديانة. فهناك تقديس لهذا الخليفة لدى اليزيدية وافتخار بحمل الأسماء الأموية، فمثلا ان الأمير السابق لليزيدية اسمه (الأمير معاوية)... والعوائل المتنفذة والأميرية اليزيدية تعتبر نفسها منحدرة من الأمويين. ثم حتى لو افترضنا (مثلا مثلا!) ان هذه الديانة من اصول كردية، فهل من المستحيل ان تقدس اسم خليفة يحكم منطقة تعيش فيها.. الأكراد المسلمون انفسهم الا يحملون اسماء عربية اسلامية ويقدسون مذاهب وائمة يحملون اسماء عربية.. إذن ما هو العجيب ان تحمل طائفة تقطن في مجتمع اسلامي ومحيط اغلبه عربي اسما عربيا لابن مؤسس اول سلالة امبراطورية اسلامية في التاريخ.. وهي السلالة الأموية..؟!

ثم ما معنى هذا الإصرار (التكريدي) على تحدي مشاعر المتدينين اليزيديين وإغصابهم حتى على تغيير لفظ اسم دينهم بدل (يزيدي) الى (ازدي) لكي يتطابق مع التفسيرات الغربية (الآرية) المقدسة!

- ان رغبة الباحث بتجنب الإشارة الى كل ما هو عراقي او عربي تبلغ مداها اللاعقلاني عندما يقول: (( لنا اقوال فلسفية كثيرة يعود مصدرها الى الشيخ عادي))، طبعا من دون أي ذكر لهوية هذا الشيخ. ويبدو ان هناك تعمداً بتغيير اسمه الى (عادي) لكي يبعده اكثر ما يمكن عن لفظه العربي الأصلي. والحقيقة المعروفة ان هذا الشيخ اسمه (عدي بن مسافر) وهو متصوف مسلم مولود في بعلبك في الشام (1162 م) ويعتبر مؤسس الطريقة الصوفية (العدوية) في الموصل التي منها تميزت (اليزيدية) كتيار روحاني مغالٍ. الشيخ (عدي بن مسافر) هو لبناني وينسب اليه كتاب (الجلوة) المقدس لدى اليزيدية. ثم هناك ايضا الشيخ (الحسن البصري) الشخص الثاني المقدس في هذه الديانة وهو فقيه عراقي بصري ويعتبر شيخ التصوف وتيار المعتزلة. كل الأمراء والنخب الدينية اليزيدية تعتبر نفسها من احفاد هذين الشيخين. وهذه الحقيقة الثابتة والمعترف بها من قبل الجميع، وحدها كافيه لأن تعتبر اليزيدية ديانة نابعة من اصول شامية عراقية، وليست ايرانية هندية!

- ((ان الديانة اليزيدية عرفت قبل ألفي عام قبل الميلاد (أي قبل اربعة آلاف عام!!)، وهي قديمة كقدم الأقوام الكردية التي عاشت مناطق كردستان.. وهي كفلسفة دينية جاءت مع مجموعة فلسفات اخرى اهمها "المترائية الإيرانية" وهي تعني عبادة الشمس.. ومترا هو الشمس ))!!

من المعلوم ان عبادة الشمس ديانة عراقية صميمة. وان الإله (شمش) احد كبار مجمع الآلهة العراقية في بابل ونينوى. ويوجد رمز الشمس في جميع الجداريات العراقية. و(شمش) هو الذي منح حمورابي قوانينه الشهيرة، لأنه اله النور والعدل والحقيقة. علما بأن هنالك بعض العوائل الدينية المتنفذة في اليزيدية يطلق عليهم تسمية (الشمسانية). وحتى الآن يطلق على راعي الكنيسة المسيحية في العراق والشام تسمية (شماس) وهي تسمية موروثة من كهنة معابد الإله (شمش).

اما كان من المعقول جدا الاعتماد على هذا الميراث العراقي الموصلي السنجاري، بدلا من القفز آلاف الكيلومترات للبحث عن مصادر هندية وإيرانية؟

- ((ان المؤرخين اتفقوا على ان اصل الديانة الكردية (اليزيدية) وفلسفتها قدمت من الهند قبل الفي عام قبل الميلاد..))

لا ندري من هم اولئك المؤرخون الذين اتفقوا على هذه الحقيقة العجيبة والمطلقة؟ فما هو ذنبنا نحن إذا كان بعض المؤرخين الغربيين يصرون على اعتبار كل شي في تاريخنا اعجمياً ايرانياً اغريقياً هندياً .. أي انه آري! المسيحية ديانة اوربية والتشيع ايراني ومصادر الحضارة العربية الإسلامية جميعها آرية (يونانية وايرانية وهندية)، فما يضر اذا هم ايضا اعتبروا كل ما هو يزيدي وكل ماهو كردي عراقي (آري هندي اوربي)..

- ((ان (طاووس ملك) يعني الإله الأعلى مصدر الشمس رمز الخير..))

لا ندري من اين اتى باحثنا بمثل هذا التفسير لهذه التسمية الواضحة للعيان ولا تحتاج الى أي عمق فلسفي ولا استشهاد بمصادر (غريبة موثوقة).. ان (طاووس ملك) تعني بكل بساطة وحسب تفسير اليزيديين انفسهم (الملاك طاووس) الذي يعتبرونه رئيس الملائكة. علما بأن اليزيدية يقدسون طير(الطاووس) ويرسمونه في كل مكان مثل الصليب لدى المسيحيين. ويعتقدون بأنهم ورثوه من ايام ابراهيم الخليل. ويقول امير اليزيدية (انور معاوية) ما يلي بخصوص الطاووس: ((ان الطاووس صورة اثرية خالدة من زمن البابليين والآشوريين)) (من يرغب بمزيد من التفاصيل عن اليزيدية ليراجع كتابنا - الذات الجريحة - ص 402 و452).. ونجد هذا الرمز موجوداً في الكثير من الآثار العراقية. هناك من يربط بين تسمية (طاووس) وتسمية (تموز) اله الخصب والذكورة..

خلاصة الميراث العراقي

كما سبق لنا ان بينا في كتابنا المذكور، إذ اعتبرنا الديانة اليزيدية من اكثر الأديان العراقية التي احتفظت بداخلها بجميع الميراثات الدينية واللغوية التي عاشها العراق ومنطقة الموصل بالذات. لقد شبهنا اليزيدية بقصر فخم مظهره اسلامي مزين بنقوش عربية وعبارات كردية، لكن لو ازلنا هذه الأصباغ لأكتشفنا تحتها طبقة من نقوش مسيحية بأيقونات وصلبان وبلغة سريانية، وتحتها ايضا طبقة من جداريات آشورية وكتابات مسمارية ومنحوتات آلهة النهرين.. حتى نصل الى طبقات اعماق التاريخ الديني البدائي القديم..

ان اليزيدية لاتحمل فقط تنوعات ميراثنا الديني بل حتى تنوعات ميراثنا اللغوي والسكاني: العربي الكردي السرياني.. انهم اشبه ببعض العشائر الممتزجة بين العرب والأكراد والتركمان وغيرهم، مثل البيات والجبور وربيعة.. اليزيدية يتكلمون العربية والكردية ويرتدون الأزياء العربية والسريانية. وتراهم يقدسون ديرا سريانيا في سنجار هو (دير مار عدي) احد حواري السيد المسيح. ويحتفظون بأقدم مكتبة كلدانية مكتوبة على رق الغزال باعتبارها مكتبتهم المقدسة. وهم يشتركون مع المسلمين بالصيام والختان وتقديس القرآن وبعض رجالات الدين. ويشتركون مع المسيحيين بتقديس الكثير من الطقوس والمناسبات، مثل عيد الفصح والقيامة والتعميد بالماء وقطع الخبز وزيارة الكنائس والحج لمزار الشيخ عدي المقدس ايضا لدى المسيحيين العراقيين. وهم ايضا مثل الصابئة العراقيين يقدسون الكواكب البابلية السبعة التي تحمل أسماء آرامية، مثل يوادئيل واسرافيل وميكائيل ودبرائيل وشمنائيل ونورائيل..

كل هذه المعلومات التي نجدها في كل الكتب التي تتحدث عن اليزيدية تجنبها باحثنا الكريم ومعه للاسف الكثير من القوميين الأكراد الذين يجهدون ليل نهار في حملتهم الشعواء من اجل إزالة كل اثر عراقي من التاريخ والميراث.

دور المؤسسات الصهيونية

يبدو ان موضوع اليزيدية يستحوذ على اهمية كبيرة وتشترك فيه معاهد كردية وعالمية كثيرة. وتقوم هذه الأطراف القومية بشن حملة شعواء في بلدان المهجر وبين الجاليات اليزيدية من اجل محاربة كل اليزيديين الرافضين لمثل هذه الطروحات القومية. لكن ابناء الطائفة اليزيدية وعلى رأسهم الأمير (انور معاوية) لا زالوا يدافعون منذ اعوام عن الأصالة العراقية لليزيدية ويؤكدون على إنتمائهم العريق الى الحضارة الآشورية العراقية.

ان هذه الحملة الجبارة لتكريد تاريخ اليزيدية وميراثهم، في الحقيقة ليست نابعة من اية غايات اكاديمية ولا دينية، بل انها اهداف استراتيجية خطيرة: ان الغاية ليس تكريد اليزيدية بحد ذاتها بل الغاية الواضحة وغير المعلنة هي تكريد منطقة سنجار.. لماذا..؟!

لأنه إذا تم اعتبار منطقة سنجار جزءا من كردستان، وبما ان الموصل تفصل سنجار عن كردستان، فإنه من المنطقي جدا ان يعني هذا ان الموصل بكاملها سوف تكون جزءا من كردستان.. اننا لا نقول هذا الكلام بصورة تخمينية واجتهادية.. يكفي لأي قارئ ان ينظر الى اية خارطة تمثل (كردستان الكبرى) والموجودة في كل مكان وفي كل كتاب وفي كل برنامج قومي كردي، سوف يجد ان شمال العراق كله (ولاية الموصل) وشمال سوريا حتى خليج الأسكندرونة هي جزء من هذه الخارطة الأمبراطورية التوسعية!

رغم هذه الحقيقة المرة، فإننا على يقين بأن هنالك الكثير من الأكراد من ذوي العقل النير والضمير الوطني الحي يدركون خطورة مثل هذه المشاريع القومية المدفوعة من قبل المؤسسات الغربية والصهيونية المتلبسة بثياب الأكاديمية والتباكي على الأكراد، من اجل ان يبقى وطننا وعموم منطقة الشرق الأوسط ساحة للحروب والدمار والجوع والتشرد، لكي تبقى إسرائيل الى لأبد هي القوة الكبرى المهيمنة على المنطقة.

تحريف التاريخ

إن هذه الدعوة بضم شمال العراق وجزء من وسطه، بالإضافة إلى شمال سوريا التي يسمونها (كردستان الغربية)، مصحوبة بحملة إعلامية تشترك بها ما لا يحصى من الصحف والفضائيات ومراكز الدراسات في كل أنحاء العالم. والمشكلة أن الصحافة العربية والعراقية كعادتها تشارك بصورة فعالة في حملة التكريد هذه من دون أن تدري، وبكل طيبة وطنية! إنها حملة جبارة أشبه بجحافل جراد تلتهم من دون رحمة الأخضر واليابس. لم يتركوا شيئاً بعيداً أو قريباً إلا وحرفوه وجعلوه كردياً آرياً:

يقول السيد مامو عثمان، في رده الشهير: ((لا تنس بأن فلسفة الديانة اليزيدية تواجدت منذ آلاف السنين في وقت لم يكن هنالك مكان باسم- عراق - في المنطقة. ولا تنس أيضاً بأنه لا توجد حضارة باسم الحضارة العراقية في التاريخ وكان الأجدى بك أن تتحدث عن حضارة وادي الرافدين)).

قد يبدو غريباً لغير العارفين بحقيقة الخطاب التاريخي الكردوي، أن يرفض باحثنا اسم العراق ويفضل عليه تسمية (وادي الرافدين).. فما الفرق بين التسميتين؟! نعم هنالك فرق كبير بالنسبة لهؤلاء القوميين.. لأن تسمية العراق تعني القبول بحقيقة أصالة وديمومة العراق الحالي، أما ( وادي الرافدين) وطبعاً ليس (بلاد الرافدين) فإن هذا يعني منطقة عامة ومفتوحة وليس وطناً محدداً. أي إن (وادي الرافدين) بالنسبة للكردويين منطقة تضم العراق الحالي حتى بغداد، والباقي هو (شمال وادي الرافدين) الذي كان ولا زال جزءاً من كردستان، ويسمونه (كردستان الجنوبية).. نعم نينوى وعشتار ومردوخ وآشور بانيبال وسمير اميس والحمدانيين والجليليين وكل تاريخ شمال العراق، هو تاريخ كردي !!!

نريد أن نسأل أولاً أي شخص له دراية ولو محدودة بتاريخ الأكراد وكردستان: هل هنالك اسم كردستان قبل آلاف السنين.. ألم تتفق كل المصادر على أن اسم كردستان عرف لأول مرة في زمن السلاجقة في القرن العاشر الميلادي ؟

ثم كيف يسمح الضمير بالتنكر لحضارة وتاريخ بلد مثل العراق وهو أعرق وأقدم بلد في التاريخ مع مصر.. طبعاً هذا الكلام عن عدم وجود عراق قبل أن يأتي الإنكليز، أصبح النشيد الوطني المقدس الذي يردده القومجية ليل نهار قبل الأكل وبعد الأكل..

ثم لماذا هذا التركيز على عدم وجود اسم العراق منذ القدم. كم بلداً في العالم يحمل نفس اسمه الحالي منذ ألفي عام مثلاً.. كل بلدان العالم تقريباً حملت أسماء مختلفة حسب الحقب التاريخية وتغير السلالات الحاكمة.. فرنسا مثلاً حتى القرن العاشر اسمها بلاد الغال.. مصر نفسها لم تحمل اسم مصر منذ القدم كما نتصور.. بل حملت أسماء عديدة حسب الفترات. واسم "مصر" قد أطلقه الشاميون وأشاعه العرب فيما بعد. أما الرومان فقد اختاروا لمصر اسم ( إيجبت) الذي لا زال شائعاً في العالم كله.

أما بالنسبة للعراق، فإنه أيضاً حمل أسماء عديدة : بلاد سومر واكد، بلاد بابل وآشور، بلاد النهرين، ثم العراق الذي أشاعه العرب..

من المعروف أن طبيعة الأوطان وهويتها لا تتحدد حسب الاسم، بل حسب التاريخ. لهذا نطلب من السيد مامو وكل الذين ينكرون الوجود التاريخي للوطن العراقي ويعتبرونه وطناً ((مصطنعاً))، أن يراجعوا تاريخ العراق منذ سبعة آلاف عام وحتى الآن، ليكتشفوا الحقيقة التالية:

- إن هذه البلاد التي تسمى الآن (عراق)، من نينوى حتى الخليج، ظلت متوحدة سياسياً وحضارياً ولغوياً منذ سبعة آلاف عام وحتى الآن.. أقول وأكرر إن هذا الوطن ظل متوحداً سياسياً وحضارياً ولغوياً حتى في ظل فترات السيطرة الأجنبية.. حتى القوى الخارجية كانت مضطرة إما أن تحتل العراق كله أو تتخلى عنه كله.. والسبب بكل بساطة لأن طبيعة الرافدين، من نينوى حتى الخليج، تحتم على أية دولة أن تسيطر على كل العراق وإلا فمن المستحيل السيطرة على النهرين وتنظيم المياه ودرء الفيضانات.. والعراق مثل كل بلدان الأرض عانى من وجود مناطق وسلالات متنافسة في الشمال والجنوب، مثل سلالات بابل وآشور. نفس الشيء موجود في تاريخ مصر وإيران والصين وفرنسا وإيطاليا، المنافسة بين الشمال والجنوب، بسبب بعد المسافة واختلاف الطبيعة والجوار. لكن الشيء المهم بأنه خلال الثلاثة آلاف عام التي سبقت الميلاد، ظل العراقيون يتكلمون لغة واحدة هي (الأكدية) بخطها المسماري وبلهجتيها الآشورية والبابلية (مثلما الآن الموصلية والجنوبية). وظل العراقيون أيضاً يعتنقون نفس الدين القائم على (تقديس النجوم) ورموزها الإلهية. في العصر الميلادي أصبح العراقيون بأغلبهم مسيحيين نساطرة مع أقليات يهودية وصابئية، وتحولت لغتهم الأكدية إلى الآرامية (السريانية) لغة العراقيين كلهم ما يقرب الألف عام. أما بعد الفتح العربي الإسلامي فقد بدأ العراقيون يتوحدون هذه المرة بالإسلام والعربية، من نينوى حتى البصرة..

هل ننسى أنه حتى في الفترة العثمانية كانت ولايتا البصرة والموصل تابعتين لوالي بغداد.. وإن تمسك الإنكليز بالموصل ليس من أجل عيون العراقيين بل لأنه واقع تاريخي جغرافي كان من المستحيل التنكر له أو تخطيه.

ابناء الطائفة يدافعون عن طروحاتنا:

نعم اليزيدية عراقية والنبي ابراهيم ليس اميرا كرديا!

لقد فوجئنا بالرد القاسي وغير الموضوعي ضد مقالة الكاتب سليم مطر. وللأسف ان صاحب الرد المنشور في 1 - 12 - 2000 والمدعو (ميرزا حسن الدنادي - المانيا) يقدم نفسه كمدافع عنا نحن اليزيدية بينما هو يشوه صورتنا بسبب عدم تحليه باللياقة الأدبية المطلوبة.

ان هنالك تناقضا كبيرا في طرح السيد ميرزا لأنه من ناحية يتفق مع جوهر مقالة سليم مطر: (نعم انها ديانة عراقية سومرية وليست ايرانية هندية)، ومن ناحية اخرى لا يكف عن كيل الاتهامات التكفيرية للكاتب، ويعتبر تفسيره: (تفسير الكتاب المأجورين الذين حاولوا تزييف الديانة الأيزيدية)!!

من اهم اعتراضات السيد ميرزا على الكاتب سليم مطر: انه يذكر اسم الأيزيديين بـ (اليزيديين)، ويربط ذلك بـ (يزيد بن معاوية)...

نقول نعم، ليس اسم (الأزيدية) الإيراني هو الصحيح، بل اسم (اليزيدية) العراقي هو الصحيح والسائد والمعروف بين ابناء الطائفة. وعلى السيد مرزا الذي يدعي معرفة الطائفة ان يراجع جيدا كيف ينطق اهله وعشيرته إسم الطائفة. والا كيف يسود هذا الاسم على لسان جميع الناس وفي كل المصادر التي تطرقت لليزيدية بما فيها المصادر الأجنبية. نعم ايضا ان اسم (اليزيدية) حسب إيمان اهل الطائفة يعود الى الخليفة الأموي (يزيد بن معاوية). من المعلوم بأنه ليس هنالك للطائفة نص مكتوب متداول بل نصوص شفاهية يحفظها رجال الدين ويطلق عليها (علم الصدر)، حيث يتم تقديس اسماء ابراهيم الخليل وآدم والشيخ عدي بن مسافر. وبين جميع الأسماء المقدسة في اليزيدية ليس هنالك اسم واحد مجوسي او هندي آرى رغم كل جهود القوميين المستكردين. وفي (علم الصدر) يقال حرفيا: (يزيد بن معاوية الذي حكم الدولة الأموية في الشام)، وهنالك تراتيل دينية مقدسة تسمى (قول يزيد). ثم ان العائلة الأميرية للطائفة منذ قرون وحتى الآن تؤمن بأنها أموية قريشية..

- ان السيد مرزا مثل كل دعاة تكريد وتفريس الطائفة واسمها وتاريخها ضاع في تخريجات عديدة متناقضة ومختلفة، وفي كل مرة يدعي انها هي التخريجة الصحيحة المطلقة:

في المرة الأولى يقول ان اصل اسم اليزيدية مكون من: (ايزي) و(خودا)، ومرة ثانية يقول انه: (ايزي) و(دي)، وفي كل مرة يدعي بأنه التفسير العلمي الصحيح الأوحد!! وطبعا هنالك ايضا تخريجات قومية عديدة متداولة منها (ازدي) الفارسية بمعنى الله، وكذلك مدينة (يزد) الإيرانية، التي سبق وإن ذكرها الباحث (مامو عثمان) في مقابلته المعنية. وكل هذه التخريجات العجيبة الغريبة تهدف الى نفي اسم (اليزيدية) العراقي المعروف والمتداول وتحريفه لفظا ومعنا من اجل ان يلائم الإدعات القومجية التفريسية الآرية..

- ومن الطروحات الطريفة التي يدافع عنها السيد مرزا، قوله بأن العائلة الأميرية للطائفة ينتهي نسبها الى (مير براهيمي آدما) ((احد الأمراء الذي كان يحكم مناطق سكنى اليزيدية في كردستان تركيا))!

والحقيقة ان أي يزيدي يمتلك الحد الأدنى من التعليم يعرف ان المقصود بـ (مير براهيمي آدما) هو النبي (ابراهيم الخليل حفيد آدم) لأن الطائفة تعتبر نفسها من احفاد ابراهيم الخليل والمنحدرين مباشرة من آدم. فكيف اصبح ابراهيم الخليل اميرا كرديا؟!

- يعترض السيد مرزا على قول الكاتب سليم مطر بأن امير الطائفة اليزيدية السابق هو (الأمير معاوية)، وينفي تماما مثل هذه القول ويعتبر ان امير الطائفة هو (تحسين بك سعيد بك)..

ان هذا النفي المطلق والسخرية الفجة من كلام الكاتب سليم مطر باعتباره اخترع تماما هذا القول، هو خلاصة اسلوب السيد مرزا في اعتماده المعادلة الإطلاقية التالية: (النفي المطلق والتأكيد المطلق للمعلومات حسب المزاج والمصلحة)، من دون أي نسبية في رؤية الأمور وعدم القبول بأن هنالك ايضا نصف حقائق وليس فقط الحقائق المطلقة.. فمن المعروف لكل متابع لوضع الطائفة اليزيدية بأن هنالك مشكلة منذ اجيال طويلة اسمها ( إمارة الطائفة). هنالك عائلة (الأمير تحسين بن سعيد بن علي بن حسن بن علي بك الكبير)، وهنالك ايضا عائلة (الأمير انور بن معاوية بن اسماعيل بن عبدا بن علي بك الكبير) والأمير (انور معاوية) مقيم منذ اعوام في المانيا ويمارس دوره في رعاية شؤون الطائفة في العراق وفي المهجر. هاتان العائلتان تتنازعان حق قيادة الطائفة منذ القرن الماضي. لهذا ان الكاتب سليم مطر لم يخطأ عندما اعتبر (الأمير معاوية) هو الأمير السابق للطائفة.

خلاصة القول، ان الكاتب سليم مطر قد نجح تماما في هدفه المبتغى من مقالته هذه عن اليزيدية: انه فرض حتى على اعتى القوميين المتعصبين ان يعترفوا بأن اليزيدية: (ديانة عراقية سومرية وليس ايرانية هندية).

ونحب ان نكشف للقراء الكرام زيف إدعاء السيد مرزا بأنه (يفتخر بعراقيته) لأن الذي اغضبه في مقالة سليم مطر هي بالضبط هذه (الروح العراقية) الرافضة لكل المشاريع القومجية سواء منها العروبية او الكردوية، المنافية لوحدة الهوية العراقية ارضا وشعبا. فمن المعروف ان السيد مرزا من انصار الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة السيد جلال الطلباني الذي صرح منذ خمسة اعوام بكل علنية وجرأة داعيا ((تركيا الى ضم ولاية الموصل))، على امل انه من خلال التحالف مع تركيا يمكن (مستقبلا!!) تحقيق مشروع كردستان الكبرى التي تدعي بأن ولاية الموصل ومعها سنجار أي كل شمال العراق وكذلك شمال سوريا جزءا من امبراطوريتهم العظمى التي سوف تمتد من الخليج حتى البحر المتوسط!!

الباحث مروان حسن الموصلي، - جريدة الزمان – 9-12 - 2000

امراء اليزيدية براء من تهمة العمالة!

عزيزنا الباحث العراقي (ر. خ) ، مع تقديرنا لجهدك الواضح لأن تحتكم الى الموضوعية والتمسك بالوطنية العراقية في موضوعك المنشور عن اليزيدية (جريدة القدس 12 - 3 - 2001)، الا انك للأسف قد فشلت في بعض المقاطع بالحفاظ على اتزانك العلمي بسبب الضغوطات والمغريات الكردوية التي احاطت بك اثناء وجودك في شمال العراق في المنطقة المحمية من قبل حلف الأطلسي.

فمن المؤسف انك وقعت بمطب هذه الطروحات الشيفونية المتعصبة. فمنذ البداية اصررت على رفض اسم (اليزيدية) العربي وهي التسمية الرسمية الشائعة للطائفة، لتحل محلها (الأيزيدية) التي يستعملها دعاة التكريد ويسعون لفرضها على طائفتنا بالعنف والتهديد. يكفيك ان تراجع جميع المصادر الأجنبية والعربية التي كتبت عن طائفتنا منذ اكثر من قرن وحتى الآن، كلها تطلق علينا تسمية (يزيدية)، ولكن فجأة ظهر علينا منذ بضعة اعوام القومجية الأكراد ليفرضوا علينا تسمية جديدة مع تخريجات خيالية ترجعنا الى آلهة ايران والهند!!

من المؤسف ايها الباحث الكريم انك تبنيت التشويهات الشخصية ضد امراء طائفتنا، وبصورة قاسية يمكن ان يحاسب عليها القانون. فلا ندري كيف سمحت لنفسك ان تقذف رموز الطائفة اليزيدية بمثل هذه الشتائم والتهم الجزاف بالعمالة والخيانة لطائفتهم؟ هل نسيت بأن اولئك الأشخاص الكردويين اصحاب هذه الشتائم والتهم لا يعبرون الا عن انفسهم وعن القيادات الكردوية التي تدفع لهم الأموال لشراء ذممهم. ثم ان مركز لالش التابع للقيادة الكردوية لا يمثل ابدا طائفتنا بل يقوده بضعة موظفين حزبيين يهتمون بتجارة البيرة اكثر من الديانة. وهل نسيت ان اليزيديين الموجودين في الإدارة الكردية لا يتجاوزن الـ 10% من يزيديي العراق وان باقي التسعين بالمئة يعيشون في سنجار وبعشيقة وبغداد والذين يبلغون حوالي الربع مليون، فهل يصح اتهام كل هؤلاء بالعمالة للنظام وخيانة الطائفة اليزيدية لمجرد انهم غير مرتبطين بالقيادات الكردوية المبجلة والمقدسة؟!

ثم يا استاذ اننا نستغرب هذه الطروحات العجيبة الغريبة التي بدأت تجتاح الساحة العراقية مؤخرا والمدفوعة من قبل القيادات الكردوية: اعتبار كل ماهو عراقي بعثي!! وبالتالي اعتبار كل ارتباط بالعراق وتاريخه وحضارته هو ارتباط بالنظام العراقي والحزب الحاكم.. فما هي جريمة امير الطائفة اذا كان قد كتب مقالا عاماً (1969) في مجلة عراقية عن ثقافة وتقاليد اليزيدية؟ وماهي الجريمة اذا كان امراء الطائفة يفتخرون بانتسابهم للسلالة الأموية، فهل الوطنية والشرف غدت حكرا على الذين يعلنون انتسابهم الى العرق الكردي الآري؟ مع اعتزازنا باشقائنا الأكراد الذين ينتسب اليهم قسم من طائفتنا. فنحن مثل كل طوائف شمال الرافدين فينا مختلف التنوعات الأقوامية المنتشرة في المنطقة: عرب واكراد وسريان، بل هناك ايضا اصول تركمانية وارمنية.. لكن ابناء طائفتنا في كل بلد يعتزون بانتمائهم لبلدهم من دون الدخول في الصراعات السياسية والعرقية السائدة. لهذا فنحن يزيديوا العراق نعتز بأنتمانا للعراق بكل تنوعاته الأقوامية ونرفض تماما الدخول في الصراع بين التيارات العروبية والكردوية، فنحن عراقيون اولا وأخيرا.. فلماذا يا عزيزنا الباحث ترفض لنا هذا الحق وتتهمنا بالعمالة لمجرد اننا نرفض الدخول بلعبة القيادات الكردوية التي تريد ان تغير حتى اسمنا لمجرد انه عربي ومرتبط باسم الخليفة يزيد بن معاوية ؟!

ثم ماهي جريمة الأمير الحالي (انور معاوية الأموي) ان اعتز بميراثه العراقي الآشوري البابلي، ورفض الدعاوي التكريدية؟

اخيرا اننا نطرح عليك وعلى كل من يدافعون عن طروحات القيادات الكردوية، هذا السؤال الضميري: هل تعتقد ان هنالك فرقا بين سياسة الإدارة الكردوية لشراء ذمم المثقفين العراقيين، وبين سياسة السلطة في بغداد، بنفس القصد؟ ان جواب هذا السؤال يحتاج الى الكثير من الجرأة والصراحة والتروي.. مع تقديرنا الصادق لجهودك ايها الباحث العراقي الأصيل ونحن على يقين بأنك قد وقعت بهذه الأخطاء عن حسن نية، وانك من المؤكد سوف تصحح هذه الأمور في كتاباتك القيمة القادمة..

* شاركنا بكتابة هذا الفصل الباحث العراقي وامير الطائفة اليزيدية انور معاوية الاموي.

* كتب هذا المقال الامير انور معاوية وتم نشره في عدة صحف في لندن والسويد.

* عن هذا المقال راجع جريدة الزمان اللندنية (3 – 1- 2001). الجدير بالانتباه ان صاحب هذه الجريدة السيد البزاز هو من

الموصل وهو ايضا احد كبار اعمدة الاعلام العروبي الرسمي في العراق، ولكن في لندن تحولت جريدته للاسف الى مركز اعلامي

اساسي للبرزانيين الداعين الى اعتبار ولاية الموصل جزءاً من كردستان الكبرى؟!!

* نشرنا هذا المقال الرد في الزمان (25 – 11 – 2000).

 

Hosted by www.Geocities.ws

1