طبيعة الضوء

 

 

أ – طبيعة الضوء The nature of light

1 – نظرية نيوتن الجسيمية لطبيعة الضوء :

قبل بداية القرن الثامن عشر كان الاعتقاد سائد بان الضوء عبارة عن جسيمات تصدر من المصدر الضوئي وتستحث حاسية النظر من خلال دخولها إلى العين وكان المنزعم لهذه النظرية هو اسحاق نيوتن والذي استطاع بهذه النظرية تفسير بعض الظواهر العملية المتعلقة بطبيعة الضوء منها التحقق من صحة قوانين انعكاس الضوء . وقد لاقن النظرية الجسيمية لطبيعة الضوء القبول من الكثير من العلماء في ذلك الوقت ولم تستطع أن تعطي التفسير الجيد لبعض الظواهر الضوئية مثل انكسار الضوء وتداخل الضوء .

2 – نظرية هيجينز Huggens :

خلال تلك الفترة (نيوتن مازال حياً ) فقد افترض هيجنز نظرية اخرى لطبيعة الضوءوهي أن الضوء عبارة عن نوع من أنواع الامواج وكان ذلك في عام 1678 م واستطاع أن يفسر ويحقق قوانين الانعكاس والانكسار باستخدام هذه النظرية . ولم تلقى هذه النظرية ترحاب علمي في بداياتها لعدة اسباب منها : أن جميع الامواج المعروفة قي ذلك الوقت (صوت ، ماء ، ... الخ) تنتقل خلال وسط مادي بينما الضوء يستطيع ان ينتقل إلينا من الشمس خلال الفراغ ، ومن ناحية اخرى إذا كان الضوء عبارة عن امواج فإن الكوجة يمكنها أن تنعطف حول العقبات ولذلك يمكن ان نرى حوالين الزوايا . ومعلوم الان بان الضوء له القدرة على الانعطاف حول الحواف وتعرف هذه الظاهرة بالحيود diffraction مع انه ليس من السهولة ملاحظة ذلك لان الضوء له طول موجي قصير . وكما ذكرنا سابقاً فلن هذه النظرية لاقت الفض من قبل الكثير من العلماء وخصوصاً بسبب سمعة نيوتن في ذلك الوقت وشهرته .

وأول تفسير يبين الطبيعة الموجية للضوء تم في عام 1801 م على يد العالم يونج Young الذي بين عملياً بأنه تحت شروط معينة فإن الضوء يتبع ظاهرة التداخل والذي هو عبارة عن اتحاد موجتين لهما نفس الطول الموجي ونابعين من نفس المصدر  ليكونا مناطق مضيئة عند حدوث التداخل البناء ومناطق مظلمة عند حدوث التداخل الهدام .

 هذا السلوك من التداخل لم تستطع النظرية الجسيمية تفسيره في ذلك الوقت لانه أن يتحد جسيمين ويلغي بعضهما البعض غير منطقي ، وخلال تلك الفترة استطاع عالم آخر هو فوكلت Foucalt أن يبين بأن سرعة الضوء في الزجاج والسوائل المفروض أن تكون أسرع منها في الهواء كما أن هناك تطور آخر في القرن التاسع عشر قاد إلى القبول العام بالمظرية الموجية للضوء .

3 – نظرية ماكسويل :

أهم تطور يتعلق بالنظرية الموجية للضوء كان العمل الذي قام به ماكسويل Maxwell سنة 1873م والذي بين بأن الضوء شكل من اشكال الامواج الكهرومغناطيسية ذات الترددات العالية ، نظريته تنبأت بأن هذه الامواج لابد أن يكون لها سرعة تساوي 3×10^8 م/ث والتي هي عبارة عن سرعة الضوء . واستطاع هيرتز أن يثبت ذلك عملياً سنة 1887 م وذلك بانتاج وإلتقاط أمواج كهرومغناطيسية كما بين بأن تلك الامواج الكهرومغناطيسية تسلك نفس سلوك الضوء من انعكاس وانكسار وكل خواص الامواج .

بالرغم من أن النظرية الكهرومغناطيسية استطاعت تفسير الكثير من خواص الضوء إلا أن هناك بعض الظواهر لم تستطع أن تعطيها التفسير المقبول إذا اعتبرنا أن الضوء عبارة عن أمواج ، من أهمها الظاهرة الكهروضوئية والتي هي عبارة عن تحرر إلكترون من المعدن عند تعرضه سطحه لشعاع ضوئي .وقد بينت التجارب بأن الطاقة الحركية للإلكترون المتحرر لا تعتمد على شدة الضوء المسلط وهذا بحد ذاته تناقض للنظرية الموجية التي تقول بأنه كلما زادت شدة الشعاع المسلط كلما زادت الطاقة المضافة للإلكترون المتحرر .

4 – نظرية آنيشتاين :

لقد تم تفسير هذه الظاهرة بواسطة نظرية آينشتاين سنة 1905 م والتي بنيت على مفهوم ماكس بلانك Max Planck الذي افترضه سنة 1900 م والذي يقول بأن طاقة الموجة الضوئية تكون متجمعة في حزم طاقية تسمة فوتونات ، ولذلك يقال بأن الطاقة مكممة quantized وبناءاً على نظرية آينشتاين فإن طاقة الفوتون تتناسب مع تردد الموجة الكهرومغناطيسية

E = h f

h = 6.626*10^-34  j.s

ومن المهم أن نلاحظ بأن هذه النظرية احتفظت بكلا النظريتين الضوئيتين (النظرية الموجية والنظرية الجسيمية) وتفسير الظاهرة الكهروضوئية هو نتيجة لانتقال الطاقة من الفوتون المفرد الى الكترون في المعدن ، أي انه حصل تجاذب بين الالكترون والفوتون الضوئي وكأن هذا الالكترون اصطدم بجسيم وتبادل معه الطاقة ، وهذا الفوتون يسلك سلوك موجي لان طاقته تتحقق بالتردد .

بالنظر الى كل ما سبق فلابد أن نعرف بأن الضوء له ازدواجية طبيعية ، أي انه في بعض الحالات يعمل كموجة وفي بعض الاحيان يعمل كجسيم , فنظرية الامواج الكهرومغناطيسية تعطي التفسير الجيد لانتقال الضوء وتفسير ظاهرة التداخل . بينما الظاهرة الكهروضوئية والتجارب الاخرى المشتملة على تجاذب الضوء مع المادة أفضل تفسير على أن الضوء عبارة عن جسيمات . فالان هل الضوء موجات ام جسيمات ؟ الجواب على ذلك هو انه في بعض الاحيان يعمل كامواج وفي بعض الاحيان كجسيمات .

 

 

 

 

 

قصة الأشعة السينية x-ray

 

 

لعدة أيام متتالية من بداية شهر يناير لعام 1896م كانت "المانشتات" العريضة على الصفحات الأولى في صحف العالم الغربي تتحدث عن ما وصفته "باكتشاف علمي مثير" وأشارت تلك الصحف إلى أن صاحب ذلك الاكتشاف هو الفيزيائي الألماني ويلهلم رونتجن وأفاد بأن هذا الاكتشاف هو عبارة عن نوع جديد من "الضوء" قادر على اختراق الخشب واللحم والأنسجة اللينة ومعظم الأجسام المعتمة الأخرى .وذكرت الصحف أن البروفيسور رونتجن قد استطاع – باستخدام هذه الأشعة – تصوير عظام اليد البشرية كما قام بتصوير قطع من المعادن محفوظة داخل صندوق خشبي مغلق وراحت إحدى الصحف تعلّق :] إن هذه الصحيفة تؤكد لقرائها أن هذا الأمر ليس دعابة أو خدعة ولكنه في الواقع اكتشاف جاد لبروفيسور ألماني جاد [

لقد كان اكتشاف الأشعة السينية إحدى الصدف في التاريخ العلمي التي يسخرها الخالق عز وجل لعباده - بين الفينة والأخرى - ليكتشفوا أبعادا جديدة في دائرة معرفتهم بسنن الله في كونه الرحيب وتتسع تجربتهم البشرية علمياً وإدراكا فلقد كان رونتجن مهتماً بدراسة ما يطلق عليه اسم (أشعة المهبط) وهي عبارة عن الكترونات تنطلق من قطب كهربائي سالب الى قطب موجب تحت تأثير جهد كهربائي مرتفع ويتم ذلك داخل انبوب زجاجي مفرغ من الهواء وفي اليوم الخامس من نوفمبر لعام 1895 م وأثناء قيام رونتجن بتجاربه تلك عمد إلى جعل الغرفة مظلمة وغطّى الأنبوب بورق سميك اسود وسرعان ما خيّل إليه إن هناك ضوءاً صادراً من خارج الأنبوب ولما رفع رأسه ليتحقق من ذلك وجد صفيحة من الورق -المدهون بمادة كيماوية - في حالة توهج ، وكانت هذه الصفيحة قد وضعت صدفة على مسافة بعيدة من الأنبوب وفي الحال قام رونتجن بإيقاف الجهاز فاختفى توهج الصفيحة ، ولما أعاد تشغيله عادت الصفيحة من جديد إلى توهجها . ولم يكن هذا التوهج ليثير استغراب رونتجن لو إن الصفيحة كانت موضوعة في طريق (أشعة المهبط ) ولكن انبوب التفريغ كان محاطاً تماماً بالورق الأسود السميك ولذا فإن الامر كان خارجاً عن الأمور المألوفة والحالات المعهودة . وتوجه اهتمام رونتجن في الحال إلى هذه الظاهرة (الغريبة) ، فأخذ الصفيحة إلى غرفة مجاورة وأغلق الباب وأسدل الستائر ليجد ان الصفيحة تبقى متوهجة طالما كان أنبوب أشعة المهبط عاملاً  .

لقد كان رونتجن -عند اكتشافه لهذه الظاهرة - في الخمسين من عمره وكان له في ذلك الوقت إسهاماته وبحوثه العلمية المنشورة كما كان له في الساحة العلمية حضور ملموس ولذا فإنه سرعان ما أدرك أهمية هذه الظاهرة التي وقع عليها صدفة ، وبدأ عملاً حثيثاً لدراسة هذه الظاهرة ومعرفة طبيعتها وخصائصها . واستغرقت هذه الدراسة فترة سبعة أسابيع قبل ان يتقدم رونتجن في الثامن والعشرين من ديسمبر عان 1895 م ببحثه المعنون (حول نوع جديد من الأشعة ) . لقد كانت فترة السبعة أسابيع السابقة لنشره للبحث فترة حافلة بالجهد المضني والمثابرة المتواصلة ووصفت إحدى صديقات زوجة رونتجن تلك الفترة الحاسمة بقولها  [ لقد قالت السيدة رونتجن بأنها مرت بأيام عصيبة فقد كان زوجها يأتي إلى العشاء متأخراً وعادة ما يكون في مزاج عصبي وكان يأكل قليلاً ولا يتحدث ابداً وسرعان ما يغادر المنزل -مرة أخرى- إلى معمله  [.
لقد بين رونتجن إن لهذه الأشعة الجديدة قدرة على اختراق الكتب والحواجز السميكة من الخشب وكتب يقول [ ومن اجل الإيجاز فإنني سوف استخدم تعبير الأشعة ، ولكي ابرز هذه الأشعة عن غيرها فسوف أطلق عليها اسم أشعة اكس ] . ومن المعروف إن الحرف( X ) في اللغة اللاتينية هو الرمز الرياضي المستخدم للكمية المجهولة في علم الجبر ، وبالرغم من إن هذه الأشعة لم تعد الآن غامضة ، واتضحت طبيعتها وخصائصها إلا أنها احتفظت بالاسم الذي منحها إياه مكتشفها البروفيسور رونتجن      

وأوضح رونتجن بتجاربه أن هذه الأشعة الجديدة تختلف عن أشعة المهبط اختلافا جذرياً ، فالأشعة السينية تصدر من الأنبوب نتيجة لاصطدام أشعة المهبط (الالكترونات) بالمادة الصلبة الموجودة عن القطب الموجب للأنبوب كما هو موضح في الشكل.

 

توليد الأشعة السينية

إننا نعرف الآن أن سبب انبعاث الأشعة السينية يعود إلى أن الطاقة التي تفقدها الالكترونات عند اصطدامها بذرات المادة الموجودة عند القطب الموجب تهيج ذرات هذه المادة فتنبعث منها أشعة ذات طاقة عالية قادرة على اختراق المواد مثل الورق والخشب وغيرهما .

ولاحظ رونتجن أن هذه الأشعة تخترق العضلات البشرية ولكن العظام توقفها كما لاحظ أن هذه الأشعة تؤثر في الألواح الفتوغرافية ولذا فإنه في اليوم الثالث والعشرين من يناير لعام 1896م ألقى رونتجن محاضرة عن اكتشافه المثير وقام باخذ صورة  بالأشعة السينية لعظام يد عالم الأحياء الألماني رودلف فون كوليكر الذي تبرع بيده لهذه المهمة وأبرزت الصورة عظام اليد بشكل واضح وبعد أربعة أيام من وصول أخبار هذا الاكتشاف إلى أمريكا تم –باستخدام هذه الأشعة- تحديد مكان رصاصة في فخذ أحد المرضى . وهكذا دخلت الأشعة مجال الطب كوسيلة فعالة لاكتشاف الأجزاء الداخلية من الجسم ، وأحدثت ثورة في مجال تشخيص الإمراض ومشاهدة حالة الأسنان والعظام ومعالجة الكسور ، وذلك لأن الأشعة السينية تخترق بسهولة الأنسجة اللينة ، أما الأجسام الصلبة مثل العظام فإنها تمتص هذه الأشعة وتوقف قدراً كبيراً منها .ولذا فإن اللوح الفوتوغرافي –الموضوع خلف الجسم- يبرز العظام بلون أبيض سحابي وتبدو مناطق الأنسجة التي تنفذ عبرها الأشعة بشدة عالية سوداء . وأما الأجسام المعدنية الصلبة مثل الرصاص فإنها –إن وجدت في الجسم- تظهر ناصعة البياض لكونها قد امتصت الأشعة السينية تماماً وتمكنت من إيقافها قبل أن تصل إلى اللوح الفوتوغراف

لق استقطبت تجارب رونتجن اهتمام العلماء والفيزيائيين وتمخضت عن نشاط بحثي وتطبيقي كبير ، وفتحت آفاقاً جديدة في دنيا التطبيقات الحياتية للفيزياء ولذا فإنه عندما بدأت مؤسسة نوبل بمنح جائزتها في علم الفيزياء في عام 1901م كان رونتجن هو أول فيزيائي يتسلّم هذه الجائزة .

إننا نعرف ألان أن للأشعة السينية خصائص الضوء نفسها فهي عبارة عن موجات كهرومغناطيسية تخضع لخصائص الحيود والتداخل وتنتقل بسرعة الضوء والفارق الوحيد أن أطوال موجاتها أقصر من أطوال موجات الأشعة فوق البنفسجية ، وهكذا احتلّت الأشعة السينية مكانها المرموق في شجرة "العائلة الكهرومغناطيسية"

ومن المهم أن نذكر هنا أنه إضافة إلى مزايا الأشعة السينية في الكشف عن الأسنان والعظام وكسورها وتحديد مواقع الأجسام الصلبة مثل الشظايا أو الرصاص في الجسم ، فإنها تستخدم أيضاً في علاج الأورام الخبيثة والقضاء عليها ، كما أن لها تطبيقات صناعية واسعة مثل قياس سمك المواد والكشف عن عيوبها ومراقبة الجودة والنوعية في صناعة السبائك المعدنية والقطع المستخدمة في السيارات والطائرات وغيرها . وتستخدم الأشعة السينية أيضاً في مراقبة حقائب المسافرين في المطارات بحثاً عن أسلحة أو قنابل ، ولها تطبيقات عدّة في مجالات الأبحاث المختلفة كمعرفة التركيب الذري للعناصر . وقد كان للأشعة السينية الدور الرائد في إرساء دعائم علم فيزياء الجوامد إذ انه باستخدام الأشعة السينية أتضح وجود تناظر معين في بعض أنواع الجوامد (البلورات) وكانت تلك بداية انطلاقة جبارة في دراسة خصائص الجوامد والركيب البلوري .

وفي الواقع أن الأشعة السينية تسهم اسهاماً فعالاً في كثير من المجالات التطبيقية والبحثية وحتى مجال الرسم الفني اقتحمته هذه الأشعة فاستخدمت للتعرف على أساليب الرسامين والتمييز بين اللوحات الحقيقية واللوحات المزيفة ، وكم من قضية استطاع القضاء أن يجد لها حلاً باستخدام الأشعة السينية ، وذلك لأن الألوان المستعملة في اللوحات القديمة تحتوي على كثير من المركبات المعدنية التي تمتص الأشعة السينية ، وأما الألوان المستعملة في اللوحات الحديثة فهي مركبات عضوية تمتص الأشعة السينية بكميات أقل . ويوجد حاليا في أكثر المتاحف العالمية أجهزة أشعة سينية مصممة لتصوير اللوحات والتحف الفنية لغرض دراستها والتحقق منها

المرجع : الفيزياء للأدباء    د.خضر محمد الشيباني

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1