( 1 )

قال: إن أردتِ أن تأتي .. فأتي كُلكِ
قالت: ماذا تقصد بكُلي ؟
قال: أنتِ بقلبك وروحك وشعورك وأحاسيسك وجنونك
قالت: يا طماع !!
قال: بل أنا رجل لا يُحب الأجزاء !
قالت: يا شيطاني !!
قال: هكذا طبع الأطفال

قالت: أرى بعينيك مدينة حزينة .. لماذا ؟
قال: لأن تلك المدينة لم يغسلها فجر الصباح
قالت: أي صباح ؟
قال: الفرح
قالت: أمعقول هذا ؟!!
قال: عجباً لكِ .. ألم تشاهدينها حزينة !

قالت: هل وقعت بالحب من قبل ؟
قال: نعم .. ولكني لم أشعر بالوقوع !
قالت: كيف يكون هذا ؟ .. هل هي فلسفة !!
قال: لا ليست فلسفة .. بل هي الحقيقة
قالت: إذا أطلب تفسيراً لذلك
قال: يا سيدتي .. الرجل لا يقع في الحب أبداً !!
قالت: ويحك .. ما تقول ؟!!
قال: اهدئي .. ألا تريدين الحقيقة ؟
قالت: نعم .. قل
قال: الرجل مِنا لا يقع إلا في الزواج
قالت: والحب ؟!!
قال: يقفز فيه من مكان لمكان !!

قالت: أنت مجنون
قال: شُكراً جزيلاً
قالت: واللهِ إنك مجنون .. بحق
قال: تريدين أن تقولي " صريح " ، نعم فالصراحة عندكم هي الجنون !

قالت: أتعرف .. لم أقابل آدمياً مثلك .. رغم شدة وضوحك .. إلا أني لم أفهمك
!!
قال: لأني أشبه البحر
قالت: كيف يعني تشبه البحر ؟
قال: أنا موج يسكن وسط روح .. وروح تسكن وسط موج !
[ بعد أن ضحكت بقوة ] قالت: أنت فيلسوف ومجنون أيضاً
قال: وأنتِ بريئة إلى حد لا يُطاق !!

قالت: أعذرني .. لا بد أن أتبخر الآن !
قال: حسناً تبخري .. وسأحبس عطركِ في يدي
قالت: كم حبست عطراً قبل عطري ؟
قال: ملايين العطور
قالت: وما كان أجملهن ؟
قال: الذي لا ينتهي حتى أبدده
قالت: ولماذا تبدده
قال: لكي لا تخنقني أنفاس العطر الأخيرة
[ أرادت أن تقول شيءً ، فقاطعها ]
قال: تبخري الآن أرجوك .. وبسرعة
قالت: تريدني أرحل وبسرعة .. لماذا ؟!!
قال: لأني لا أهوى القطرات الأخيرة في قاع الكأس !
قالت: هل سأراك لاحقاً
قال: ربما ..
[ قرنت حاجبيها محدقة به .. فرد عليها بابتسامة بيضاء .. فمضت هي .. وهو مغمض
عينيه مبتسم ].



( 2 )



قالت: آسفة .. لقد تأخرت عن الموعد المحدد .
قال: لا تتأسفي لي أبداً .. إنما اعتذري وتأسفي لهذا المسكين [ ثم وضع كفه
على قلبه ] .
قالت: تعني قلبك ؟!!
قال: نعم .. فالمسكين هو الذي كان يصطلي بجمر انتظارك .
[ أشرق وجهها بابتسامة دلع ] وقالت: بجد .. أنا آسف كثيراً .
قال: يا سيدتي .. أنتِ في قلبي منذ البارحة .. تشعلين ليله بشموع التفكير .
قالت: كنت طيلة البارحة .. تُفكر بي .. لماذا ؟
قال: لأني اشتقت لكِ قبل أن يأتي الموعد ، ولما أتى الموعد اشتقت أنا والموعد
لكِ !


قالت: كلماتك تصيبني بدوار الغرور
قال: هكذا معشر النساء .. يفضلن الكلمة الوردية على الرغيف والماء !
قالت: لكن لكلماتك نكهة لم أذق طعمها أبداً .
قال: نعم صدقتي .. فأنا أُجيد فن الكلام أكثر من أي شيء آخر !!
قالت: ولكن قلبي يقول إن قلبك ( طيب ) .
قال: وهل قلبكِ دائماً يصدقُ معكِ ؟!!
[ رفعت عينيها للأعلى .. وعضت شفتيها ] ففالت: في هذهِ الأمور .. نعم يصدقُ
معي .
قال: ولكن يا سيدتي .. انتبهي من دنيا كلامي جيداً .
قالت: ولماذا ؟
قال: لأنه ليس من حقي أن أحلم وأرسم لغيري أحلام .. إلا بكلمات وردية فقط !
[ عبس وجهها .. واحمر جبينها ]
فقال: آسف يا سيدتي .. تلك الكلمات الوردية لم تُبعد الشقاء عني ، فكيف سأبعد
بها الشقاء عنكِ !!

قالت: لماذا تقول هذا الكلام التعيس عن نفسك ؟!!
قال: لأن وجه الحقيقة هُنا تعيس !!
قالت: مجنون .. مجنون .. مجنون .
قال: نعم .. أنا الجنون بروعته وبمعانية .. يشقيك درب شخصيتي كلما طال .
قالت: كلمني عن حياتك الخاصة .. أريد أن أعرف خصوصياتك .
قال: ما هذهِ الجرأة الجميلة .. منكِ ؟!!
قالت: إحجامك جعل من طبعي جريئة .. وربما سأتبعك في عالم الجنون . [ ثم
ابتسمت ].
قال: أرجوكِ .. لا تُفتشين جيوب معطف التفاصيل .
قالت: بل سأبحث في جيوب المعطف من الألف إلى الياء !
قال: أخشى أن تجدين ما يُحزنكِ يا سيدتي .
قالت: أنا معك أتلذذ بهذا الحُزن !!
قال: لي قلب أيتها الأنثى .. أوسع من هذه الزرقاء [ فـ أشار نحو السماء ] ..
كأنه قلب لكل الناس
ليس لي وحدي ، يشرب قهر كل الوجوه السوداء ، ويغرف للمحزونين العطاء ، أتعبته
الليالي بسوطها
تركض خلفه ، وكأنه أدمن جروح الليالي والهم والنكد !
قالت: يال الله .. كُل هذا يسكُنك ؟!!
قال: بل هذا فتات من سلة !!
قالت: كيف إذاً أنت إلى الآن حي ؟!!





( 3 )

قالت: كيف إذاً أنت إلى الآن حي ؟!!

قال: يا سيدتي هذه هي حياتي لو نسيت وتناسيت .. هذا هو ثوب الشقاء الذي في
لِبسه تجملت ..
يا سيدتي .. كم مقبلات في ألهنا واعدني .. مضن وأنا في أطلالهن استظللت ..
يا سيدتي .. أنا فوق الذي قُلت عانيت !!
قالت: واللهِ إن في داخلك مدائن كبيرة من الأحزان .
قال: يا سيدتي إن كان سماعك لخصوصياتي أحزنك لهذهِ الدرجة .. فعلمي أن سماعة
لم يُحزنكِ مثلما أحزنني أنا .
[ آسفة ] همستها بحزن كبير .. وعينيها في عينيه .
قال: ألم أقل لكِ " أخشى أن تجدين ما يُحزنكِ يا سيدتي " في جيوب المعطف ! [
وابتسم في وجهها ] .
[ كذلك هي .. ابتسمت في وجهه ]
قال: بل أنا الـ الآسف .. لأنني أنا الذي أحزنتكِ .. وليس العكس .
قالت: لا .. أنا الذي أصر على أن يفتش في تفاصيل جيوب المعطف .. رغم تحذيرك
لي !
[ رفع عينه اليمنى وحاجبها ] وقال: صحيح .. لما أصررتِ على ذلك ؟!!
قالت: اللذة .. والتجربة .
قال: وأي لذة في الأحزان ؟!!
قالت: اللذة في جنونك أنت لا في الأحزان !
قال: وهل في جنوني لذة ؟!!
قالت: ألم ترى كيف صنعت لذة جنونك بي ؟!!
قال: لا .. لم ألاحظ شيء حتى الآن !!
قالت: هل تريد أن تقتلني .. حتى تشاهد ذلك الأمر !!
قال: لا تتعجبي مني أرجوك .. فأنا عانقت الضما .. حتى استساغته شفاتي !!


قالت: قلبي [ ثم سكتت ] .
قال: ما به ؟
قالت: يُسلمُ على قلبك !
قال: وقلبي [ ثم سكت ] .
قالت: ما به ؟
قال: يُلوحُ لقلبك !
[ غمزت لها بعينها ] وقالت: هل يُلوحُ بقوة ؟
قال: نعم .. ولكن !!
قالت: ولكن ماذا ؟!!
قال: رغماً عني .. لو أردت لن تملكينه !
[ بدهشة ] قالت: ولما ؟!!!
قال: قلبي ولن أرخصه لكل مُشتري .
قالت: ولماذا ؟
قال: لا يأخذكِ من جانب الود لِينهُ .. هذا هو أغلى ما ملكته في دنياي . (
يقصد قلبه ) .
قالت: أليس كريم هو ؟
قال: نعم هو مثل البحر .. مهما أعطى للسفينة فأنه يبخل على الذي يطلبه شربة
الماء !!
[ من غير رضا ] قالت: وهل هناك كلام خر !!
قال: وهو أيضاً ليس القلب الذي تنشدينه .
قالت: لماذا ؟
قال: لأنه لا ينفعك في واقع المُر معناه !
قالت: وهل بقي شيء آخر ؟
قال: نعم .. بقي .
قالت: هات يا فيلسوف دنياك !
قال: قلبي لن تستطيع أن تضمه أي " مدينة "
[ بصوت عالي ] قالت: ولـما ؟!!
[ بهدوء ] قال: لأنه يريد " مدينة " لا تشبه أي مدينة !






( 4 )



قالت له: لقد كنت أرتقب الدقائق والثواني .. حتى ألاقيك .
قال: سبحان الله .. كأنكِ تشعرين بالذي كنت أشعر به .. في الموعد الأول !
قالت: لا .. بل شوقي إليك اليوم .. أكبر من شوقِـك لي في ترقب ذلك الموعد
الأول .
قال: ربما !
قالت: يا بليد .. يا مغرور .. يا مجنون !!
[ قبض شفتيه ، وحدق بها مندهشاً ]
قالت: لا تتعجب من سلاطة لساني عليك .. لا بد من هذا الأسلوب معك !

قال: ولِما يا سيدتي ؟!!
قالت: لأنك تحتاج إلى أن تُصفع بكلمات قاسيات حتى .. تكون جدياً !
قال: واللهِ .. لو صفعتينِ بكلمات الأرض كلها .. لن أكون جِدياً إلا لما
أشتهي أن أكون كذلك


قالت: هل أنت مثلنا .. إنسان من دم ولحم وأعصاب وشعور وإحساس ؟!!
قال: نعم أنا إنسان طبعاً .. ولاكن من هواء .. و .....
[ قطعت حديثه .. ولم تدعه يُكمل ] فقالت: يا سخيف .. ألم أطلب منك أن تكلم
بجديه !!

[ صد عنها بوجههِ .. ولم ينطق بحرف واحد ] !!

[ أحست بشعور الندم .. وسقط الحزن بسرعة في قلبها قبل ملامحها الطيبة ..
تحركت من مكانها
وجعلت وجهها أمام وجههِ .. واقتربت منه أكثر ]

[ بنبرة المُذنب ] قالت: سامحني .. أرجوك سامحني .. أنا آسفة من أول ألِف
الذنب إلى يائهِ .
[ أَطرق برأسه نحو الأسفل .. ووضع يدهُ على جبينه .. والتزم الصمت ]
قالت: أرجوك لا تسكُت .. قل أي شيء .. لا تجعل سكون صمتك يُعذبني .
[ رفع رأسه وألتفت إليها .. ثم .. ] قال: أحقاً .. صمتِ يُعذبكِ ؟
قالت [ باندفاع ]: نعم .. صمتك يُعذبني جداً
قال: وهل صمتي يُعذبكِ أكثر .. أم سخافاتي .. يا سيدتي ؟

قالت: أرجوك .. أشعر بأنك دُنيا ثانية .. غير دُنيانا هذهِ التي نسكنها ..
فترفق بي ! ..
أنا أحاول أن أفهمك وأمزق هالت الغموض بيني وبينك .. وأنت للأسف .. كأنك
السراب ذاته !
قال: ماذا تُريدين مِـني الآن ؟
قالت: أشياء كثيرة كثيرة جداً .
قال [ مندهشاً ]: أشياء كثيرة كثيرة !!
قالت: نعم .. أشياء كثيرة جداً
قال: حسناً .. ما رأيكِ بالسماء ؟
[ رفعت طرفها للسماء ] ثم قالت: سمائنا جميلة وعظيمة .. ولونها رائع بحق .
قال: والذي جَمل السماء بعينيكِ ، وعظمها في قلبكِ ، وسحركِ بلونها ... أنا
لا أملك
إلا شيئين اثنين في دُنياي !!

[ نظرت إليه بتعجب ] وقالت: مـا هُمـا ؟
قال: قلبي هذا [ فأخذ ينقر موضع قلبه بسبابتهِ ] .. وأحزاني [ قالها ومـد
ذراعية بشدة ] .
قالت: لكني معجبةُ بكِ بشدة !
قال: إعجابك هذا .. من غير ركائز حقيقية
قالت: ولماذا .. إعجابي بك .. من غير ركائز حقيقية ؟!!
قال: لأني أظنه وليد لحظات وجدانية لحظية .. لم يمتلك مدة كافية حتى يتبلور
ويتضح وينضج .
[ عضت على شِفتِها السُفلية ] ثم قالت: لكن إعجابي بكِ .. شُيد على مليون
ركيزة حقيقية !!
[ نظر إليها بملامح تفيض سماحة .. فابتسم ] وقال: هل أنتِ متأكدة من هذا ؟
قالت: نعم .. متأكدة .

قال: أعانكِ الله .. إذاً !!
[ بنوع من الغضب .. ثارت ] فقالت: أرجوك لا تعود لتلك السـ ... [ سكتت ووضعت
يدها على فمها ].
[ هز رأسه ] وقال: مابكِ ؟!! .. لِـما لم تُخرجيها ؟!! .. لِما لم تقولي: لا
تعود " لسخافتك " ؟!!
قالت: أرجوك .. لقد أتعبتني تعباً لم أشعر بمعاناته قبل اليوم .
قال: ومع ذلك التعب الشديد .. معجبةُ بي .. وبسخافاتي !!
قالت: هذا السؤال .. هو نصف معاناتي !

قال: هل رأيتِ .. كيف باقترابكِ مني .. تسللت إليكِ بعض أحزاني المتعبة .
قالت: نعم صدقت .. ألست أنت حزن المدينة !!

قال: أتدرين .. إني الآن أُفكرُ بتنفيذ عمل جنوني !
قالت [ مندهشة ]: عمل جنوني .. ما هو ؟!!
قال: أريد أن أقول لكِ .. شيء كبير !
قالت: قُل .. تكلم .. كُلي آذانٌ منصتة





( 5 )
 


قال: أريد أن أقول لكِ .. شيء كبير !
قالت: قُل .. تكلم .. كُلي آذانٌ منصتة

قال: بدأ عقلي يُحبكِ .
قالت مندهشة: ماذا .. بدأ عقلك يُحبني !!
قال: نعم .. كما أخبرتكِ .
قالت: وماذا عن قلبك .. ألم يُحبني هو الآخر .. أم أن حبك أنت في عقلك ؟!!
[ أبتسم ] ثم قال: يا سيدتي أنا عقلي هو الذي يُحب .. وقلبي يتلقى الحُب منه
.
قالت: لم أفهم .. فهمني أرجوك !
قال: أنا يا سيدتي .. وجدتكِ اشغلتي تفكيري .. وسكنتِ في بالي .. ولو نظرتي
في
أفكاري لتعجبتِ كيف أنتي تحتوينها !
قالت: وقلبك .. أليس لهو دور في الحُب ؟
قال: بلى له دور .. ولكن دوره لا يُخلق إلا بأمر عقلي .. فبعد أن يبدأ عقلي
يُحب
هنا يبدأ قلبي بنسج البساط الوردي لذلك الحبيب القادم .
قالت: في السابق كنت أقول عنك مجنون .. لمجرد قولها ،، أما الآن فأنا متأكدة
منها !!
قال: ولما تأكدتِ منها .. الآن فقط ؟!!
قالت: لأني أول مره .. أعلم بتلك الحقيقة .. حُب العقل قبل القلب !!
قال: وأنتِ ماذا عن عقلك أو حتى قلبك ؟
قالت: كلاهما ... مُحتار بك !
قال: ولما هذهِ الحيرة
قالت: لأنك تشبه البحر ، ولأنك رجل من هواء ، ولأنك حزن مدينة !!
قال: ألا تحبين البحر ؟
قالت: بلى .. ولكن البحر الصافي الهادئ .
قال: أنا أشبه البحر .
قالت: ولكنك تشبه في غموضه وصمته .. فقط !
قال: نعم صدقتي .
قالت: وأنت رجل من هواء .. يعني بلا موطن ثابت وبلا وجود حقيقي !
قال: نعم صدقتي .
قالت: وعينك فيهما حُـزن مدينة .. لم يغسلهما صباح الفجر !
قال: نعم صدقتي .
قالت: كُل هذا .. ولا تريد مني أن تتلبسني الحيرة والظنون ؟!!
[ بان الحُزن على ملامحه ..فجلس وأطرق رأسه نحو الأسفل .. ووضع يديه على رأسه
.. فجلست هي أيضاً .. وأسندت ظهرها وهي تتنهد حُرقة ].
((الصمت هنا ساد المكان ))
[ بعد برهة من الوقت .. رفع رأسه ونظر إليها .. ]
فقال: هل تستطيعين أن تحتملي رجلاً مثلي .. له مثل أوصافِ وطباعي ؟
[ نظرت إليه بحده كبيرة ] فقالت: وهل أنا مجبرة على أن أتحملك مثلاً ؟!!
قال: لو فرضنا أنكِ مجبرة .. هل تستطيعين أن تتحملي رجلاً مثلي ؟
قالت: نعم سأتحملك وسأحتويك .. وسوف أُجمل بك أيامي .. وسأغرس الفرح في شفاهك
.
قال: هل هي لغة الأماني أم لغة الغرور تلك التي تتكلمين بها ؟!!
قالت: أسمع يا مجنون: أنا جنوني أكبر من جنونك .. ولكن إلى الآن لم تلاحظ هذا
الشيء في علاقتي معك .
قال: بل لاحظت جنونك .. ولكني أريده يظهر كاملاً .. لكي أتلذذ بهِ !
قالت: تتلذذ بجنوني ؟!!
قال: نعم .. وأغمسه في كوب الشاي واحتسيه !
قالت: إذاً ماذا تنتظر ؟
قال: أخاف أن ..... [ ثم سكت ] .
قالت: تخاف من ماذا ؟
قال: أن تخذلي قلبي الذي تعشم فيكِ .
قالت: لِما .. تقول مثل هذا الكلام ؟
قال: لأني لا أريد أعيش ما تبقى لي من العمـر .. أيضاً في غربة زمن !

 


( 6 )


أقبلت من بعيد ، ترتدي معطفاً جلدي مُبلل ، تدلى من أكتافها حتى قدميها ..
بينما هو كان جالساً على تلك الطاولة ، أمامه فنجال قهوة وسيجاره يتمايل
دخانها صعوداً للأعلى ... والجو حيينها كان شديد البرودة ، والسماء يتساقط
منها المطر .

-قالت: مساء الخير
-قال: أهلاً .. مساء الجوع !
[ ضحكت بقوة .. وهي تضع يدها على فمها ، حانية رأسها للخلف ]

-قالت: آسفة .. لقد كان هناك حادث تصادم ، مما جعل حركة المرور بطيئة ، كما
أن وجود دوريات رجال الشرطة زاد من هذا التأخير .
-قال: لا عليكِ .. هذا هو طالعي معكِ من أول يوم عرفتكِ فيهِ .. تأخير في
تأخير ، ولم تأتي في مرة في الموعد المحدد بالضبط .
[ أطرقت برأسها للأسفل .. حيث شعرت بعتابه لها ]

-قال: أرجوك يا غادة .. أنا لست أقول هذا الكلام من اجل أن أُحرجك ، بل من
أجل أن تستشعري أهمية الحضور في الموعد المُحدد ، هل تعلمين أنه فات على موعد
لقائنا المتفق عليه ساعة إلا ربع !! .

-غادة [ رفعت رأسها قليلاً .. وأخذت تنظر إليه بخجل ] ثم قالت: أعدك بأنها
سوف تكون المرة الأخيرة ، ولن تتكرر أبدا .
[ جمع شفتيه وحاجبيه .. وهز رأسه ] ثم قال: حسناً يا غادة .. سنرى مدى حقيقة
وعدك هذا .

-قال: ماذا تريدين أن تشربين .. أنا من سيقوم بدفع حِساب المشروبات فقط [
قالها مبتسماً ] .
-غادة: حسناً .. أعرف بأنك تنتظر أن أفي بوعدي . [ كانت هي قد وعدته أن تدعوه
على عشاء في نفس هذا المطعم ] .

-غادة: أرجوك .. لقد خنقني دُخان سيجارتك .. سبحان الله كيف تستطيع شُربها !!
[ على الفور أمسك بالسيجارة وأخذ يفركها حتى أطفئها ] ثم قال: آسف .. إن
السيجارة بالنسبة لي ليست إلا جسراً أنفث من خلاله تلك الزفرات التي تجتاح
صدري .
-غادة: كيف يعني جسراً ؟!!
-قال: حسناً .. تخيلي لو أنني كنت أنفث الهواء الذي في صدري بلا شُرب سيجارة
.. فقط أنفث بلا أن أُخرج دُخان .. حيينها ماذا سيقول عني الناس الذين
يُشاهدونني ؟!!
-غادة: مجنون !! [ ثم ضحكة ببراءة ] .
-قال: نعم .. سيقولون عني مجنون .. لذا جعلت من السيجارة جسراً أنفث من خلاله
تلك الهموم والزفرات التي تجتاحني من أثر متاعب الدُنيا .
-غادة: ولكنها مُضرة .. ورائحتها مُزعجة جداً .. ولا أطيقها أبدا !!
-قال: يا سيدتي .. مُضرة ، رائحتها مزعجة ، لا تُطيقينها ... هذا لا يُسمن
عندي ولا يُغني من تغيير !!
-غادة [ تمعر وجهها وساده قليلاً الحزن ] فقالت: أي نوع من الرجال أنت ؟!!
ألا تفهم ألا تشعر ؟!! ، أنا أريدك أن تكون رجل متكامل في جميع النواحي وبعيد
عن ما هو يؤثر عليك سلباً .
-قال: غادة .. أرجوك لا تشعريني بأنكِ تريدني أن أترك شُرب الدخان من اجل
أنكِ فقط لا تحبينه .
-غادة: بل أنا أريدك أن تترك السجائر من أجل أني أُحبك يا أبله !! [ قالتها
بكل اندفاع وجرئه ].

[ رجع للخلف .. وأسند ظهره على الكُرسي ، فأمسك بالجريدة وأخذ يقرئها ، وغادة
تُحرك رأسها يميناً وشمالاً ، تُريد أن ترى وجهه ، حيث حالت الجريدة بينه
وبينها ].

- ما بك ؟ ماذا جرى لك ؟ [ قالت غادة ] .
- قال: أبداً لا شيء .. إني أبحث ألقي نظرة على مقالي المنشور في هذهِ
الجريدة .
- غادة: صحيح .. دعني أرى مقالك . [ ثم أعطاها الجريدة وأخذت بقراءة المقال
بشوق ولهفة ].

أخذ يُحدق كثيراً في بخار القهوة الخارج من الفنجان ، ثم سحب سيجارة ولتقمها
بسرعة ، ثم أشعلها بنهم كبير ، فأخذ يسحب روح السيجارة من عقبها بشدة !! ، ثم
رفع رأسه وأطلق سحابة كبيرة من الدخان !!

أخذ يغرق شيءً فشيءً في قاع ذلك الفنجان ، حيث جرفه تيار التفكير العاصف إلى
أسفله ، وهو مستسلم لا يريد إلا أن يتعمق أكثر وأكثر في قعر الفنجان !

فجأة .. أستل من جيبه القلم ، وأخرج من جيبه الآخر كشكول صغير ، فتح صفحة
بيضاء جديدة ، وأخذ يكتب بشكل سريع ، وكأنه يخشى أن تتطاير الأفكار من فلك
رأسه .

نظرة إليه غادة ، وأخذت ترقبه بشيء من التعجب ، مدت رقبتها تريد أن تقتنص شيء
مما كان يكتبه فلم تستطيع لأن الخط لم يكن واضح لصغر حجمه .

-غادة: ماذا تكتب ؟
-قال: ســــكــوت
-غادة: سكوت !!
-قال: سكووووت بليز !
-غادة: لن أسكت .. قل ما كنت تكتب ؟
-قال: غادة .. أرجوك دعيني لا تشردي أفكاري من رأسي .
-غادة: لا .. سوف أشردها .. قل ما الذي تكتبه ؟
-قال: يوووووه ، غادة ألا تسمعين الكلام ، هل كلامي صعب عليك فهمة ؟!!
-غادة: لن ادعك ، لن ادعك ، هيا قل ما كنت تكتب ؟

نظر إليها لحظات ، ثم أطبق الكشكول الصغير وأدخله إلى جيبه ، ووضع القلم إلى
جانب فنجال القهوة ...
-قال: هل هو الدلال الأحمق أو طيشك اللامسؤول ؟!!
-غادة: نعم !! [ بدهشة ]
-قال: لما أصررتِ أن تغتالين تلك الأفكار التي جاءتني على استحياء ، بعد أن
راودتها عن نفسها أكثر من ثمانين مرة !! ، هل تعلمين أن تلك اللحظات هي أجمل
وأعظم ما قد ينغمس به الكاتب ؟ ، هل تعلمين يا غادة أنكِ ارتكبتِ حماقة لا
تغتفر عن معشر الكُتاب ؟!!
- غادة: آه من جنونك !! ، وهل هذهِ الحالات تعتريك دائماً ؟
- قال: أحيان و أحيان .
- غادة: وهل لها زمن معروف أو مكان محدد ؟
- قال: لا .. هي تأتيني أين ما تريدني ، في الوظيفة في المطعم في السوق على
السرير حتى في الحمام !! [ فأخذ يضحك ].
- غادة: وماذا تفعل حيين وصولها ؟
- قال: لا شيء ، فقط أسلمها نفسي وأكون مُلكاً لها حتى أنهل منها ما يأتيني
من رضاها عني !
- غادة: وهل تجد سعادتك حيينها ؟
- قال: يا غادتي .. لا يهمني إن جاءتني فرحاً أو حزناً ، المهم أعيش تلك
اللحظات بعمق ملامحها وطبيعة تفاصيلها وماهية روحها .
- غادة: ومن ثم ؟
- قال: أحسب الذي لي والذي عليّ .
- غادة: ومن ثم ؟
- أكون قد كوّنت رصيداً من الصدق والجنون .. أترقب نثره !

تناولت غادة ذلك القلم الذي تركه هو بجانب فنجال القهوة ، فوضعته بين عينيها
وأخذت تنظر إليه ...
- غادة: لما قلمك هذا حالة ؟!!
- قال: ما به ؟
- غادة: لما هو هكذا .. بدون غِطاء ومتكسر طرفه الأسفل ؟!!
- قال: لا يهم هذا .. إياك أن تغترين بالمظهر ، فالقلم مادام الحبر في جوفه ،
فهو لا يزال على قيد الحياة ينبض ، ويستطيع أن يقدم أشياء كثيرة !
- غادة: حسناً .. ولما لا تحمل قلماً جميلاً ذو قيمة ؟
- قال: قيمة القلم فيما يخرج منه ، فيما يخطه ، فيما يحمله من فِكر ، فيما
يتناوله ، فلا فرق عندي بين قلم صنعته شركة عالمية أو شركة مغمورة ، الأهم
روح القلم .
- غادة: ولكن شكل قلمك يدعو للسخرية ويدعو للتهكم عليك وعليه !!
- قال: لا يهمني .. ما دمت أستطيع أن أتنفس من خلاله وأكتب ما يجول في صدري
وخاطري ، ثم كيف تردين مني أن أشتري قلماً من ماركة عالمية ؟!!
- غادة: لماذا .. ألا تستطيع أن تشتريه ؟
- قال: لا .. لا أستطيع ، لأن سعر ذلك القلم قد يكون بسعر عشرة أو خمسة عشر
كتاب !! ، وهذا قمة الجنون عندي !!

أخذت غادة تضحك بشدة كبيرة ، وعاود هو يشرب قهوته وينفث الدخان للأعلى !!

 

!
!


متشرد ورق

مسعود

 

 


 

Hosted by www.Geocities.ws

1