منذ طفولتي و أنا أبدو كأراجوز لا يعرف البكاء أبدا ... لم تزل أمي تردد على
مسامعي قولها ( أنتِ الوحيدة من بين أخوتك التي لم تؤذني ببكائها يوما ) كنت
حينما أجوع أدخل يدي في فمي و لا أعلن ذلك معزوفة بكاء كبقية أخوتي .. على حد
قولها ..

،،،
في اليوم الأول لي في المدرسة .. شاهدت طرف عباءة أمي التي أدخلتني و رحلت
بسرعة تاركة إياي أقابل هذه الأفواج البشرية لوحدي ... ارتعبت حقا و أنا أرى
طالبات الصف السادس كعمالقة لا يعرفن الرحمة ... أحسست بالخوف و رغبة بالبكاء
.. لكنني لم أذرف دمعة .. فلماذا أبكي و مامن أحد هنا لـ يكفكف دمعي ... ربما
أيضا تضربني الطالبات العملاقات .. أو يسخرن مني .. لا أعرف كيف جرى باقي
اليوم .. لكنه مضى على أية حال ...



في الصف الرابع سقطت من إحدى الطاولات و أنا في طريقي إلى النزول منها بعد
أعمال شغب قمت بها مع جوقة تحترف اللعب ... أحسست بألم فظيع في خاصرتي ..
فظيع حد الصراخ .. لم يبدُ على عينيّ أي أثر للبكاء .. رغم وجوه الطالبات
التي تحلقن حولي و بدأن يحدقن في وجهي و بالتحديد داخل عيني الصغيرتين و
كأنهن يفتشن عن حلوى صالحة للقضم في الفسحة ... في حلقي غصة تريد أن تفتح
الطريق لسيل دموع .. أحكمت قبضتي و سددتها نحوها لترتد داخل قلبي بعنف و تحرق
بعض الشعيرات الدموية المرتجفة هناك .. لم أرغب بأن أكون فاكهة الفصل ذلك
الأسبوع .. فهناك ألسنة لا ترحم و أياد صغيرة تجيد التلويح بالهواء حينما
يكون الأمر متعلقا بالسخرية و التشفي ...

،،،

في البيت .. كثيرا ما كنت أسمع جملا تقول بأن البكاء عيب .. و أن البكاء
للضعفاء و الأطفال ... و بنزعتي نحو تحقيق المثالية كنت أغمض عيني عن أي
ارتعاش يظهر فيهما ... قد ينذر بقدوم ماء متجمع كخط صغير في حواف أحداقي ..
بأيدٍ صغيرة أسارع لتجفيف أي أثر لدموع وشيكة .. أمسح أنفي الأحمر ببودرة
بيضاء تخص أخي الرضيع ... لست ضعيفة و لا طفلة ... لا أريد أن أبكي .. لا لم
أبك أصلا ..!



بعد عدة سنوات .. في الخامسة عشرة من عمري تحديداً .. بدأت حالة غريبة
تنتابني حينما أشاهد فتيات ينتحبن وحيدات في الزوايا... فهذه رمتها معلمتها
التي تحب بنظرة قاسية ... و أخرى تبكي لبضع درجات خسرتها في امتحان ما ... و
الأدهى من كل ذلك .. أولئك الفتيات اللاتي يبكين و هن يغلقن الصفحة الأخيرة
لإحدى الروايات الملتهبة ..! لم يدر بخلدي يوما أن كلمات مرصوفة على أوراق
بكماء تسبب البكاء ..!


كنت أمارس دور المحقق لأحصل على سبب بكاء أي فتاة أضبطها متلبسة بهذا التدفق
الذي أشعر بسخونته ... لم أكن أعلم لماذا أفعل ذلك .. ربما لأنني أريد أن
أجرب طعم البكاء الذي لا أعرفه .. أحس بأنني نسيت كيف يأتي و كيف يحدث ..
تداهمني نوبات أود فيها أن أصرخ بقوة و أصرخ و أصرخ .. لكنها أبدا لم تنتابي
حالة من بكاء ...



في المرحلة الثانوية و في أحد المساءات البائسة نُعيت إلينا ابنة خالي ..
الفتاة التي ملكت القلوب بابتسامتها و مرحها الكافيين ليبكي عليها كل من
يعرفها عشرات السنين ....


إلا أنا .. أنا تلك الفتاة الغريبة التعيسة ... أغلقت غرفتي علي و بدأت أخربش
في ورقة خطوطا بلا نهاية ... دوائر متداخلة و طلاسم يتكرر فيها اسم الفقيدة
...
عاودتني الغصة .. أحسست بأنني سأنهار إن لم تخرج هذا اليوم بالذات ... قلبي
يتساقط فتتا و جوفي يحترق .. و لكن لا دمع يطفئ كل هذا .. و لا قطرة حتى ...
شعرت برغبة في الموت ذلك اليوم ... أحسست بأنني حمقاء ... و بائسة ... و
مريضة ربما ... و مفتتة من الداخل مؤكدا ..


في الغد ذهبت إلى المدرسة و كأن شيئا لم يحدث .. حتى أن صديقاتي نظرن إلي
بدهشة حينما دخلت الفصل .. كن يتوقعن غيابي أسبوعا .. فابنة خالي تلك كانت
أثيرة لدي ... ألوي عنقي بلامبالاة تخفي ورائها قلبا مصابا بالغرغرينا يريد
أن ينتزع من مكانه ... فما فائدة بقاء فتاة لا تحسن البكاء في مجلس عزاء
..!.. غير أني سأكون رمادا فيما لو ذهبت .. مشاعري لم تكن تحتاج لمزيد من
إيقاد و أنا هنا كعجوز فقدت ابنائها واحدا تلو الآخر لم تعد تحفل بأي مصيبة
ترميها الدنيا في وجهها ...



منذ ذلك اليوم أصبحت الأصابع تشير إلي خفية بأنني باردة الأحاسيس .. لا أحفل
إلا بنفسي .. قاسية .. متبلدة .. حتى أنني سمعت إحداهن تقول : أشك بأن لدى
هذه الفتاة جهاز عصبي .. ليست إلا كومة لحم و عظام ..
لم أتوقف لأعطيهم تفسيرا لكل ما يعتريني .. لن أستطيع تقديم أي عذر لنفسي ..
لن يفهموا ماذا يحل بي و هم يسكبون دموعهم كل يوم على أشيائهم الحزينة .. لن
يفهموا بأنني لا أعرف كيف يمكن أن أبكي أو أصنع مجرى لدموعي التي لا تنزل
أبدا .. ربما لو تفوهت بشيء من هذا لعادت تلك الفتاة و قالت : انظروا لهذه
المجنونة أيضا .. لن أشتري هذه القصة ولا بقرش .. من يصدق أن أحدا لا يمكنه
البكاء .. هاه !.. حتى التماسيح تبكي و أنتي هنا تبررين بلادتك المقيتة ..!



في الشهر الذي تخرجت فيه من الجامعة و حينما فاجأني أهلي بحفلة مباغتة و غرفة
مملوءة بالهدايا المزركشة و البالونات و الزينات الملونة ... ضمتني أمي بحنان
نحو صدرها و هي تقدم لي هديتها الرقيقة ... هنا تملكني شعور بأنني سأنتهي
تماما و مشاعري تتلاطم بقوة داخل جوفي ... أحسست بتشظي في عيني ... و
انكسارات متتالية تطرق قلبي ... لم أعد أعرف ماذا أفعل .. كيف أبكي ..

يا للسخرية .. هاهي أمي تبكي و هي تضمني لصدرها و أنا مدفونة في حضنها متبلدة لا
أعرف كيف أخرج مشاعري .. حتى كلمة شكر لم أعرف تصفيفها أمام أخوتي ... أريد
دمعة واحدة فقط .. والله واحدة و لا أريد غيرها ... جوفي خال تماما من أي شيء
سوى أحاسيسي التي تتراكم داخله بلا توقف ... أحس بالإختناق ... كيف أخبر
هؤلاء أنني أحبهم و بأنني ممتنة لهم .. و بأنني لا أستحق كل هذا .. لقد فقدت
القدرة على النطق تقريبا ... فنادرا ما تجتاحني تدفقات تعاسة بهكذا قوة ...
عندما قطعت الكعكة و هتفوا باسمي .. خرجت بسرعة و تركتهم يلتهمونها لوحدهم ..
و في أحد الغرف أجدني جالسة القرفصاء يداي تحيطان برأسي و أنا أهتف ( غبية ..
غبية .. غبية ..! )



في زواج صديقة طفولتي و ابنة خالتي في نفس الوقت تركزت العيون علي .. فأنا من
سيكون المحطة القادمة للتكهنات و مضغة الألسنة ... لم أحفل بأي شيء من هذا
... سعادتي بزواج صديقتي تعادل حزني لفقدها حينما تبدأ حياتها الجديدة بعيدا
عني في مدينة قصية .. لن يكون هناك بعد الآن مزيد من الضحكات أو الحكايا
الشامتة أو حتى نقاشاتنا عن أفلام الكرتون التي ندمن مشاهدتها ... يرعبني أن
يتغير إنسان في يوم و ليلة .. فماذا لو كان قريبا من روحي ...

،،،


في اليوم التالي لزفافها أتت لرؤية أهلها .. كنت مع أهلي في ضيافتهم ننتظر
رؤيتها و الإطمئنان عليها بعد زفافها .. و حين دَخلَت .. شهقت أمها بقوة و
ركضتا نحو بعضهما و تعانقتا لعشر دقائق بلا انقطاع و هن يبكين و يبكين و
يبكين ... كل الموجودين انضموا إلى هذه المعزوفة بمقطوعات نحيب مختلفة ..
هزهم المشهد .. زلزلتهم المشاعر المتدفقة .. أبكاهم الحنين و الشوق و تمني
السعادة .. و من بين كل هذا الجمع كانت هناك فتاة أطرافها ترتعش .. تقف بعيدا
تنظر إلى هذا المشهد المؤثر .. تتسارع أنفاسها بقوة و قلبها يكاد يسقط أشلاء


ً ... كنت أنا تلك الفتاة الشاذة عن المجموع .. أحاول التربيت على قلبي الذي
لا يعرف كيف يعبر عن نفسه .. و أهدهد روحي المسحوقة تحت أقدام الجهل بكيفية
البكاء و التعبير عن المشاعر ... لم يكن أحد من بين هذا الجمع من هو أكثر
لوعة و سعادة مني ... و أيضا لم يكن من بينهم إمرأة تبدو متبلدة لم يبكها
التأثر بحرارة اللقاء سواي ..!!



لم تتوقف مشاكساتي لأخوتي يوما .. و كأني أهرب من خلالها عن جو الحزن الذي
يكبلني و الألم الذي ينحت نفسه على الجدران الداخلية لغرف قلبي ... أخي
الصغير كان فاكهتي دائما ... أشعر بانتصار حينما أوقع به خيبة من أي نوع ..
أو أجعله يبكي بلا سبب .. أحسست بأن الجميع لا يفهمني فلأكن قاسية كما أرادوا
.. ليكرهوني فلن أتمكن يوما من إفهامهم أنني امرأة مقدودة من بكاء لكنها لا
تبكي .. لأنها لا تعرف كيف تفعل ذلك ...

يقولون بأن زفافي الشهر القادم و لكنني لا أصدق شيئا من هذا .. أشعر بأنني في
حلم .. و لا أعرف لم تتحرك يد أمي بسرعة تحت عينيها كأنها تمسح شيئا متساقطا
منهما حينما تشاهدني ...
كنت أداعب طائر الكناري المعلق في قفص داخل غرفة المعيشة ... و أخي الصغير
يراقبني ... فجأة سأل ( رنا .. أنتي تحبين العصافير ؟ )
( نعم أحبها ..)
صمتَ بعد ذلك و طال صمته ..
استغربت سؤاله كثيرا .. هل يظن بأنني خالية من المشاعر .. حتى العصافير
البكماء ليس لدي أحاسيس تجاهها ... هل لاكني الآخرون بأقاصيصهم السخيفة حتى
لهذا الطفل الصغير ...!



و اليوم .. و قبل زفافي بإسبوع ..
أدخل غرفة نومي .. غرفتي التي سأفارقها إلى الأبد ... صوت خافت شدني .. أرهفت
السمع بحثاً عن مصدره .. و يدي تضيء أنوار الغرفة المظلمة ..
قفص جميل يحوي طائرين بلون السماء توسط المكان .. الدهشة تقلص من مسافة
خطواتي ... بطاقة كبيرة تحمل صورة طفل بديع تتكيء بلطف بجانب القفص ... أسارع
بفتحها ... ألمح حروفا مكتوبة بطريقة طفولية و بألوان متعددة و قلوب متناثرة
هنا و هناك ..

****************************
أختي رنا ...

هذي الهدية لك ..
أنا أحبك يا رنا ..
أحبك كثير مرة ... أحبك أكثر وحدة بعد أمي و أبوي ...
حتى أكثر من مدرس الرياضة و من صديقي عبدالله الحمدان ... و البلاي ستيشن ...
و من كل أفلام الكرتون ..
أنا ذاك اليوم جلست أصيح العصر و شافتني أمي و قالت لي ليش تصيح ؟ من ضربك
؟.. قلت لها ما أبي رنا تتزوج .. وشلون هي بتروح بعيد عننا .. ليش أنتم
تزوجونها ... وشلون ما عاد نشوفها دايم ... قالت لي أمي .. أنك بتصيرين
مستانسة ... و لازم كل بنت تتزوج ... بس أنا ما قدرت أسكت و جلست طول الليل
أصيح لأني أحبك و لا ودي تروحين عننا ... و بعد ودي تصيرين مستانسة مثل ما
تقول أمي ...
أرجوك تقبلين الهدية هذي .. أنا كان ودي أجيب شيء أكبر منها بس ما عندي فلوس
تكفي .. و هذي الفلوس اللي شريت بها العصفورين ذولي من مصروفي حق المدرسة
قعدت أجمعه من أسبوعين و ما كفى إلا كذا ...
سامحيني يا أختي الحبوبة عن كل شيء أنا أزعجتك فيه و إلا ضايقتك ..
ترى أنا مسكين و لا ودي تزعلين علي ...
أحبك كثير و أكره زوجك اللي بياخذك من عندنا ...

أخوك الحبيب
مصعب

**********************************


و بكيت ..
نعم بكيت ..
لا أعرف كيف تم ذلك بالتحديد ..
كل ما شعرت به هو أنني استسلمت لنوبة مفاجئة من الشهيق .. و أن عيني تنزفان
سلاسل رائقة ... أحسست بأن بركانا عظيما خامدا في روحي نشط للتو بعد هدوئه
آلاف السنين ... و أنا أشهق و عيوني لا تكف عن إخراج دموع طويلة ... بسرعة
تحول ذلك إلى نشيج .. نشيج قوي .. أحسست بجسدي كله يرتجف تحته بقوة و أنا
أغطي وجهي بيديّ .. كل شيء تم بسرعة .. أحاول كتم هذا الطوفان الذي غمرني ..
شهقات متتالية أخذت طريقها إلى الخارج بعنف .. مجرى تنفسي يحترق .. و دموعي
لا تتوقف .. فهاهو طفل صغير يطلق سراح بكاء توقف عن الخروج في عمر كعمره ...
و أنا أنشج أحسست بأنني يجب أن أتوقف عن كل هذا ... بدأت أبحث عن مناديل و
عندما وجدتها أخذت أضغط بها على عيني المحمرتين لكن ذلك لم يفعل شيئا بل
تعالت الشهقات بقوة أكبر و كأنها لا تملك من أمرها شيئا و نهرين صغيرين يجدان
طريقهما على خديّ .. بدا لي بأن ذلك لن ينتهي .. فهاهو بكاء إحدى و عشرون سنة
يخرج في لحظة و يتدفق بلا هوادة ... لا أعرف ماذا ينبغي أن أفعل حتى يتوقف
هذا النحيب ... قلبي سيخرج من مكانه و أعضائي تداخلت بانكماشي باحثة عبثا عن
وسيلة إيقاف ...
تماما كما كنت لا أحسن البكاء .. ها أنذا لا أدري كيف يتوقف هذا الشيء الذي
يغرقني بلا انقطاع ....

،،،

توجهت إلى مفتاح الضوء بالغرفة .. أغلقته ...
استلقيت على سريري باستسلام
و تركت العنان لدموعي
تواصل طريقها الذي وجدته أخيرا ..

 

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1