سيادة الطفل وبناء شخصيته

 

يميل الطفل في الفترة الواقعة ما بين سن السادسة والثانية عشرة إلى الاستقلال عن أبويه، ولكن يجب ألا نظن بأن رغبة الطفل في الاستقلال هي استقالة يقدمها من عالم رقابة الأسرة..

فالطفل يحتاج إلى من يقول له (لا) باستمرار عند الخطأ.. شريطة أن تقال بأسلوب الود والحب والحنان والحزم .

إذ إنه عندما يتم الطفل عامه السادس يحاول أن يتعرف إلى ما هو خارج نطاق الأسرة ويرتبط بصداقات مع من هم في مثل عمره، ويستمد منهم تقاليده الخاصة.. ويحاول أن يؤكد استقلاله عن الأسرة.

كما أنه يرغب في اكتساب المهارات العلمية والعملية والفنية، التي تؤكد له أنه فرد مستقل قادر على الحياة في المجتمع، ولذلك نجده يميل إلى ترتيب ما يخصه، ونجده صارماً في تطبيق القواعد الاجتماعية، وصاحب ضمير متزمت في بعض الأحيان.

وبذلك تبدأ متاعب جديدة مع الطفل لأن التعامل معه في هذه الفترة ليس بالعملية السهلة. فكم تعاني الأسرة من محاولات الطفل ليغدو إنساناً مستقلاً..

إنه يحاول أن يؤكد باستمرار أنه قادر بمفرده على التمييز بين ما هو صحيح وما هو خاطئ. وهو يحاول دائماً أن ينال إعجاب المجتمع وحبه.. لقد أصبح في سن الدراسة، وازداد عدد أصدقائه، وأصبح أكثر معرفة بأبناء الحي وأبناء الجيران، ومن هذا المجتمع يختار الطفل ألوان السلوك التي يفضلها ويبدو ضميره في هذه الفترة صارماً للغية، إنها فترة تكون غاية في الحيوية بالنسبة لضمير الطفل رغم أن الآباء والأمهات لا يشعرون بذلك .

الدور الاجتماعي الجديد للطفل

يبدأ الطفل بالتمرد على أوامر الأسرة ويفتح باب النقاش على مصراعيه في مسائل بسيطة جداً، كالنظافة والقيام بالواجب المدرسي في مواعيد محددة وحسن التصرف مع الآخرين..

والحقيقة أن الطفل في عمره ما بين السادسة والثانية عشرة يبذل جهداً خارقاً مع نفسه ليراقب نفسه بنوع من الحزم. إنه يحاول أن ينجح بدوره الاجتماعي وأن يتعلم كيف يحترم الآخرين ويحاول أن يهتم بقوانين المجتمع، وتبدو هذه العملية شاقة بالنسبة للطفل، خصوصاً أن يقوم بها في اللحظات نفسها التي يقرر فيها الاعتماد على نفسه وعدم الرضوخ لأسرته .

إن هذه الأمور مجتمعة تسبب للطفل ألماً نفسياً بالوقت الذي تشعر الأسرة فيه أيضاً بالألم النفسي تجاه كثرة مناقشاته، وتماديه في عصيان توجيهاتها، والحقيقة لا يوجد مفر من تعامله بهذا الأسلوب رغم أن بعض الأسر ترى أن الطفل الذي تعود الاعتماد على نفسه يسعى إلى إثارة أعصاب والديه، وترى أسر أخرى أنها عندما توفر للطفل كل شيء يسعى إلى إثارة أعصابه أيضاً..

والحقيقة هي أن الطفل يسعى إلى الاستقلال عن الأسرة بينما يشعر بالوقت نفسه أنه بحاجة للاعتماد عليها، ومن بعض تصرفاته في هذا العمر ( قضاء معظم الوقت مع الأصدقاء في ركوب الدراجة.. إهمال نظافته.. عدم احترام مواعيد الطعام.. تحدثه بلهجة المتحدي.. محاولته احتلال مكان خاص بالمنزل يزدحم بنقيضين في وقت واحد.. نظام المجلات التي يقرؤها وفوضى في ملابسه التي يقلبها كيفما اتفق.. ).

أليس سلوك الطفل مزعجاً في هذه الفترة؟

تحليل ظاهرة السلوك المزعج عند الطفل

لقد درس علماء النفس هذه الظاهرة، أي ظاهرة السلوك المزعج عند الطفل خاصة في عمر السابعة، وكانت نتائج هذه الدراسة تؤكد أن الطفل يشعر في أعماقه أن الأب والأم يظلمانه، وأنه غير سعيد لأن هذا الأب هو والده وهذه الأم هي والدته.

لقد اختفت صورة البهجة التي كانت تملأ شعور الطفل في عمر الرابعة فخراً بالأم والأب، واختفت رويداً رويداً، وظهر بدلاً منها شعور بالانزعاج عند الطفل لأنه يرغب بالاستقلال.

ولا يعلن الطفل عن هذا الرأي بصراحة، ولكنه يظهر بسلوكه وينظر إلى والديه باعتبارهما سلطة قهر. وهذا الشعور يمكن أن تتذكره الأم تقريباً عندما تعود بذاكرتها حين كان عمر طفلها عاماً واحداً.

ويمكن للأسرة أن تتعرف إلى هذا الشعور عندما يبلغ ابنها الخامسة عشرة. إن الطفل في هذه الفترة من العمر يكون غاية في الحساسية، وغاية في الرغبة في المناقشة على أي أمر سواء أكان جاداً أم تافهاً.

وقد تشعر الأسرة من خلال سلوك طفلها أنه لا يهتم بتوجيهاتها مطلقاً، ويعتبرها ظالمة في أسلوب التعامل معه، مما يثير ضيق الأسرة وتوترها وقلقها.

ولكن علينا أن ندرك أن الطفل هنا لم يفسد تماماً، وأن أملنا به لم يخب بعد لأنه يحاول أن ينمو، والنمو عملية شاقة بالنسبة إليه، وهو يحاول من خلال المعارضة والمناقشة أن يختار لنفسه طريقاً.

إن الطفل يحاول أن يتفهم القيم التي يؤكدها والداه ويستوعبها في داخله، ولكنه يحاول إنكارها في تصرفاته المباشرة محاولاً في هذا الإنكار تأكيد استقلاليته .

دور الأسرة في تشجيع الطفل على الاستقلال التدريجي

علينا أن نبتسم له لأنه يحاول أن يعلن عن وجوده، فالابتسامة للتخفيف من التوتر الذي يسببه لنا، والتغاضي عن سلوكه ليس هو الأسلوب الصحيح في التعامل معه، لأن هذا يؤذيه تماماً، ويشعر في أعماقه بأنه بحاجة للمراقبة والرعاية.

وإذا لم يجد من يوقفه عند حده فسيحاول المزيد من التصرفات المزعجة.. لذلك لا بد من إيقافه عند حده لإرضائه نفسياً، لأن اللوم هنا يؤدي وظيفة هامة بالنسبة للطفل، إنه دليل على الاهتمام به إنه يمتلك في هذه الفترة ضميراًٍ حساساً، ويتقبل التوجيه في أعماقه، ويشعر أنه لا بد من أن يقول له أحدهم هذا خطأ وهذا صواب، وأن يقول له قم بواجبك الدراسي، وأن يحترم نظام المنزل، وأن يكون مهذباً مع الآخرين وأن يحرص على نظافته..

إن الرقابة والتوجيه والتنبيه واجبات أساسية بالنسبة للأهل، وعلى الأسرة ألا تتغاضى عن أي سلوك غير مهذب يصدر عن الطفل، لأنه سيحاول دوماً جذب الانتباه إليه، وسيحاول أن يؤكد أنه بحاجة إلى رقابة الأسرة باستمرار .

علينا ألا نتحدث مع أطفالنا بلهجة مملوءة بالكبرياء، أو أية لهجة تشعره بأنه محتقر، فالطفل بحساسيته البالغة قادر على التقاط لهجة المتحدث، لذا علينا باللهجة الهادئة المملوءة بالثقة البعيدة عن اليأس التي من خلالها لا يشعر الطفل بفقدان ثقته بنفسه، أو يتعقد أنه لا يمكن له أن يكون إنساناً ناجحاً في المستقبل.

وللوصول لذلك لا بد وأن نضع له قواعد يلتزم بها التزاما تاماً، كمواعيد الطعام والاستحمام النوم والترتيب، والتعبير عن غضبه بطريقة مهذبة.

وعند خروجه عن هذه القواعد لا بد من تنبيهه بلهجة من الحنان والصداقة والحزم ،وقد يتلكأ الطفل قليلاً ليرى هل سننسى ما ننبهه إليه أم لا، لذلك لا بد من متابعة التنبيه والتنفيذ الصحيح للتوجيهات وعدم التراجع عنها .

وبالمقابل علينا أن نترك للطفل مجالاً أن يختار طريقه بشيء من الاستقلال، فيختار ملابسه، ويتناول كمية الغذاء التي تناسبه، ويقلد رفاقه في طريقة اختيار ملابسهم.. الخ.

والطفل يكره أسلوب المناورات التي يقوم بها الأب والأم لمقاومة رغباته، فهو يحب أن يكون إنساناً واضحاً، فلماذا لا نكون واضحين معه؟ لذلك لا بد أن نؤكد له استقلاله ورقابتنا في الوقت ذاته، وهذه لا شك معادلة صعبة بعض الشيء، ولكن ما أن نبدأ بها حتى نجد أن ممارستها تتيح لنا فرصة تربية إنسان على الطريقة الصحيحة، وعندما تعترضنا الصعوبات لا بد من استشارة الاختصاصي، ولا بد أن نتذكر دوماً أن التربية تحتاج إلى صبر وتأن .

ويقول الإمام المجدد الشيرازي الثاني (أعلى الله مقامه):

(الجيلُ الجديدُ كافٍ في حملِ مشاعلِ الإسلامِ والصلاحِ، فإنَّ الشبابَ كالنهرِ، إذا فسُدَ منه قسمٌ، كان الباقي صافياً، يُستفادُ منهُ في مختلفِ مرافقِ الحياةِ).

Hosted by www.Geocities.ws

1