المسجد دوره ورسالته

 

يقول اللَّه تبارك وتعالى في قرانه المجيد: «إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين، فيه ايات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان امناً».

في هذه الاية إشارة إلى أن للَّه بيوتاً في الأرض، وهذه البيوت هي المساجد، وأن أولها وأهمها هو الذي ببكة أي (مكة) وهو المسمى البيت العتيق والمسجد الحرام، وفيه الكعبة التي يتوجه إليها المسلمون في صلاتهم من مختلف بقاع الأرض، يولون وجوههم شطرها، كما أمرهم اللَّه تعالى.

وميزة هذا المسجد على مساجد الدنيا بأسرها أنه يعطي لمن دخل إليه أماناً ما دام فيه «ومن دخله كان امناً» فلماذا فرض اللَّه تعالى للناس في هذا البيت الحرام الأمان؟ وهذا الأمان غير محدود بزمن معين ولا بأناس محددين. ذلك واللَّه أعلم لأن اللَّه سبحانه وتعالى أراد للحرم دوراً عظيماً على صعيد الأمة من حيث كونه المكان الوحيد الذي يحج إليه المسلمون من كل بقاع الدنيا لمؤتمرهم السنوي، الذي تعقد فيه شوراهم الشعبية والرسمية، لذلك وضماناً لحرية كل داخل إلى البيت في التعبير عما يريد وقول ما يقول دون أن يخشى بطش حاكم ولا جور سلطان وهذا الدور هو أهم أدوار المسجد الحرام في حياة الأمة السياسية والاجتماعية. وإذا كان هذا الدور الكبير للمسجد الأول في الأرض فإن المساجد الأخرى وكلٌ في نطاقه ينبغي أن يكون ذات الدور النسبي، فالمسجد الحرام على صعيد الأمة ومسجد المدينة على صعيد المدينة، ومسجد الحي على صعيد الحي وهكذا.

إذن أهم دور للمسجد بشكل عام هو أنه ملتقى المصلين فيه يؤدون صلاتهم جماعة واحدة وراء إمام واحد، وفيه يتشاورون في مختلف أمورهم وقضاياهم، وينظمون شؤونهم ويحلّون مشاكلهم ويتعاونون فيه عى البر والتقوى.

فالمسجد هو المركز الذي يعود إليه الجميع دون استثناء، لا سلطان لجهة عليه أياً كانت هذه الجهة، وإلا لتعذر قيام المسجد بدوره كجامع ورابط بين أفراد الجماعة المسلمة. وللعبت الحساسيات القبلية والعشائرية والحزبية والجهوية دورها. من أجل ذلك كانت المساجد للَّه فلا دعوة فيها لغير اللَّه عزّ وجلّ، وما قلنا عنه أنه للَّه فهو للجماعة كما قال علماء الأصول: «كل حق للَّه هو حق للأمة» وسبيل اللَّه هو السبيل الذي تعود فائدته على الأمة بأسرها. ومن هنا أطلق على المسجد اسم الجامع لأنه يجمع ولا يفرق، يحتضن الجميع ويجعلهم شركاء في المسؤولية والقرار. وقلما يستعمل المسلمون في أحاديثهم لفظ المسجد، إذ إن العرف جرى على استعمال كلمة الجامع، على سبيل المثال: الجامع الأزهر، ولم يجر في عرف الناس أبداً استعمال كلمة المسجد الأزهر دون إضافة وصف الجامع.

أما المساجد الثلاثة وهي المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى فلا حاجة لذكر صفة الجامع لها لأن واقع حالها منذ تأسيسها أنها تجمع وأن الناس يسعون للجماعة فيها، فأغنى واقع الحال عن ذكر الصفة.

فإذا كان دور المسجد هو جمع الأمة على مستوى تقسيماتها لعبادة اللَّه تعالى في أهم عبادة افترضت عليها وهي الصلاة: «الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقامه ومن تركها فقد هدمه» حديث شريف، فإن للمسجد رسالة اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية، ولكن ليقوم المسجد بهذه الرسالة ولتأديتها على أكمل وجه، فإن دور إمام المسجد هو الفيصل في ذلك، فإذا وجد إمام يتمتع بالصفات والشروط المطلوبة من علم وحكمة وحسن دراية وتصرف نشط المسجد وكان فعالاً. وإذا كان إمام المسجد تنقصه بعض الصفات والشروط فإن دور المسجد يتعثر، لذلك نؤكد على ما قلناه في بدايات هذا المقال لجهة تولية أمور المساجد أناساً لا يتمتعون بالكفاءة، ويدينون بالولاء للمخلوقين، قد أدى إلى إضعاف دور المسجد وتضييع رسالته بشكل عام، وليس بشكل مطلق.

إن إمام المسجد هو الرابط والمنسق للعمل والتعاون بين المصلين، الذين ينبغي أن يكونوا عبارة عن خلية عمل واحدة، وإلا لانتهت العلاقة عقب التسليم من صلاة الجماعة فيما بينهم.

فعلى صعيد العلاقة الاجتماعية يشكل المصلون في المسجد من أهل الحي أو المحلة شريحة اجتماعية واحدة لها مشاكلها المعروفة، والناتجة عن سوء أداء الأفراد أو المجموعة، لذلك من السهل على أهل المسجد أن يتركوا لحل مختلف الإشكالات الاجتماعية بالتعاون فيما بينهم، وإذا كان هذا الدور في المجتمعات الحديثة تلعبه جمعيات وهيئات أهلية متخصصة فإن المسجد قد لعب هذا الدور في المجتمع الإسلامي، وينبغي أن يعمل على تنشيط هذا الدور، لا سيما لجهة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح ذات البين، ولا بد هنا من الإشارة إلى ضعف حركة إصلاح ذات البين في المجتمع الإسلامي المعاصر حيث تكثر الخلافات والمنازعات والخصومات حتى بين المصلين أنفسهم، ولا تجد من يسعى لإزالة الخلافات وتقريب وجهات النظر إلا ما ندر.

كذلك يمكن للمسجد أن يلعب دوراً كبيراً بواسطة جماعة المصلين في إصلاح العلاقات الأسرية وإزالة الخلافات الزوجية، والتعاون لجهة ضبط بعض حالات الجنوح والتفلت التي تحصل من قبل المراهقين والشباب.

على الصعيد الثقافي لا تجد خلافاً حول دور المسجد التوجيهي والتربوي والتثقيفي فقد عرف المسلمون المسجد مدرسة دائمة تلقى فيه الدروس على اختلاف التخصصات الفقهية واللغوية والفلسفية، وتقام فيه المناظرات والحوارات وتناقش المسائل على اختلافها، والأنشطة التي يمكن القيام بها على الصعيد الثقافي والفكري والتربوي كثيرة جداً ولكنها أيضاً محكومة بدور الإمام النشط وخلية المصلين الذين يشكلون لولب العمل والنشاط.

أما الدور السياسي فهو من صميم رسالة المسجد خصوصاً وأنه مركز ممارسة الشورى بين المسلمين التي أشارت إليها الاية الكريمة، يقول تعالى: «وأمرهم شورى بينهم» والمقصود بأمرهم في الاية الكريمة هو شأنهم العام الذي تعود اثاره على الجماعة المؤمنة مجتمعة، وبسبب ذلك يحق لكل من يتأثر من الشأن العام أن يساهم في قراره وأن يبدي فيه رأيه وليس هناك مكان يملك الإنسان فيه حرية كتلك التي تكون في المسجد حيث لا سلطة ..... وما سوى ذلك...

أما على الصعيد الاقتصادي فيلعب المسجد دوراً تحريضياً كبيراً يستطيع من خلاله أن يؤثر في حركة الاستهلاك، والتنمية، والتوجيه الإنتاجي من ربط حركة الاقتصاد بالمفاهيم الإيمانية باعتبار أن الاقتصاد هو عود المجتمعات وأن الإسلام قد ركز تركيزاً كبيراً على الدور الاقتصادي في حياة الأمة عبر ترشيده لحركتي الزهد والإنتاج حيث دعا إلى أعلى مستوى من الإنتاج كما يستفاد من الايات والأحاديث النبوية، ومنها قوله (ص): «إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»، ومنها أيضاً دعوته إلى أفضل مستوى من الإتقان: «إن اللَّه يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه». هذا بالإضافة إلى ما ركز عليه الإسلام من تضحية وإنفاق وبذل وزهد وإعراض عن الشهوات.

إن دور المسجد في مجتمعنا الإسلامي عظيم وهو دور لا يتعارض مع دور الدولة، كما قد يتبادر إلى أذهان البعض منا، بل على العكس من ذلك هو دور يتكامل مع دور الدولة ومؤسساتها، إن لم نقل إنه يؤسس ويمهد لها.

ولكن لما كانت الدول والأنظمة السياسية متغيرة وغير ثابتة وتطرأ عليها مختلف التقلبات، فإن هذه التقلبات والتغيرات ينبغي أن لا يكون أثرها على المجتمع المسلم إلا في أدنى حدوده، وذلك لا يكون متيسراً إلا بوجود تنظيمات أو مؤسسات مجتمعية أهلية ذاتية الإرادة والقرار والتمويل تستطيع الاستمرار في الحركة إذا طرأ على الاخرين ما يعطل حركتهم. وإن أكثر المؤسسات ثباتاً واستقلاليةً في مجتمعاتنا الإسلامية هي المساجد. عندما تقوم على الأسس السليمة ولا تكون خاضعة للضغوط أو الأهواء أو الجهات وعندما لا يعمل على تفريغها من مضامينها وتعطيلها حتى لا تكون حجر عثرة في وجه ذي السلطان الجائر.

 

Hosted by www.Geocities.ws

1