الذكرى الثلاثون على وفاة الشاعر راشد حسين

 

(1936 - 1977)

استشهد يوم 1/2/1977

       مـيلاد موتك مـوعـد  لم تخـطه               من قبلك الأحرار والشــرفاء

        وصــباح  نعـيك صيحة لن تنتهي             ما دام يسقط حولك الشهداء

                                                                                                          

 

أحيت إذاعة مونت كارلو الدولية الذكرى الثلاثون على وفاة راشد حسين بلقاء أجراه وديع عواودة مع الأديب حنا أبو حنا : للإستماع إضغط هنا

 

(1)

ضد أن يصبح طفل بطلاً في العاشرة
أمجد ناصر

لم اعرف راشد حسين، الشاعر الفلسطيني الذي قضى احتراقا بسيجارته في نيويورك منذ ثلاثين عاما، قبل أن اعرف محمود درويش. لأسباب كثيرة كان درويش هو واجهة الشعر الفلسطيني الذي يلفت نظر باحث عن القصيدة الجديدة، مثلي، أكثر من أي شاعر آخر من شعراء ‘’المقاومة’’ الفلسطينية. كان محمود درويش في ذروة تحولاته الجمالية والأسلوبية وبحثه عن معادلة فكرية تزاوج بين ما هو وطني بما هو إنساني، وتلك صيغة أخذت تنتزع لها أرضا في الشعر الفلسطيني الذي كـــان يــدور معظمه، آنذاك، في التصور المباشر لفكرة ‘’المقاومة’’، وراحت تتسع، هذه الــرقعة، مع تعرض شعــر درويش إلى التيــارات الفنــية والجمــاليــة المحتدمة في الشعرية العربية بعد مغادرته الأرض المحتلة وذهابه، على نحو خاص، إلى بيروت.
في بيروت ستكون تحولات درويش الفنية متسارعة، وهناك سيكتب معظم قصائده المطولة ذات النبرة الملحمية، وفي واحدة منها سأكتشف راشد حسين. من رثاء درويش لرفيقه الراحل إلى أميركا، والراحل فيها بسيجارة مشتعلة لم تفارقه، ستظل صورة راشد حسين منطبعة في ذهني:
‘’في الشارع الخامس حياني
بكى، مالَ على السور الزجاجيّ
ولا صفصافَ في نيويوك،
أبكاني
أعاد الماء للنهر
شربنا قهوة ثم افترقنا في الثواني
منذ عشرين سنة وأنا اعرفه في الأربعين
وطولا كنشيد ساحلي وحزين
كان يرمي شعره في مطعم خريستو
وعكا كلها تصحو من النوم وتمشي في المياه
ولأمي أن تقول الآن آه.’’
استطيع، طبعا، أن امضي في هذه القصيدة حتى نهايتها، فهي، من بين قصائد قليلة، منقوشة في ذاكرتي، وقد تفاجأ محمود درويش، ونحن نتعشى ذات يوم في لندن، بصوتي الذي راح يتلو، بنبرة حزينة، ثلاثة أرباع قصيدته التي كان قد مضى على كتابتها أكثر من عشرين عاما.
هناك، بالتأكيد، أكثر من صورة لراشد حسين في أذهان مجايليه، والقادمين بعدهم، في فلسطين المحتلة عام ثمانية واربعين، وقد لا تكون هذه الصور مرتبطة بمحمود درويش، إذ أن راشد حسين كان يكبر درويش بنحو ست سنين وبدا لكثيرين رائد ماسُمي ‘’شعر المقاومة’’ ولكن صورته مرتبطة في ذهني بدرويش وبقصيدته ‘’كان ما سوف يكون’’.
لاحقا، قرأت مختارات من شعره طبعت في بيروت لمناسبة وفاته الصاعقة محترقا بسيجارته في شقتته بنيويوك، ومن بين القصائد التي قرأتها في تلك الفترة أتذكر هذه القصيدة - النبوءة التي عنوانها ‘’ضد’’ ويقول فيها:
ضد أن يجرح ثوار بلادي سنبله
ضد أن يحمل طفل
أي طفل
قنبلة
ضد أن تدرس أختي عضلات البندقية
ضد ما شئتم.. ولكن
ما الذي يصنع حتى نبي أو نبية
حينما تشرب عينيه وعينيها
خيول القتلة.
ففي تلك القصيدة السابقة على تواريخ لاحقة ستسطرها حركة النضال الفلسطيني يرفض راشد حسين أن يصبح طفل ‘’بطلا في العاشرة’’، فليس من الطبيعي، في أي مكان آخر في العالم، أن يغادر الطفل ارض البراءة، أو ارض المشاغل الطبيعية، ليصبح بطل. ما الذي يدفع طفل لذلك؟
سنرى بعد عقود على كتابة راشد حسين لقصيدته تلك، اطفالا يجبرهم الاحتلال على أن يكونوا أبطالا في العاشرة، أطفالا يصعدون إلى البطولة بالحجر والديناميت والجسد الغض تاركين إلى الأبد طفولة لم تعش.
لا تمكن إعادة التاريخ إلى الوراء، ولا تغيير مسار الأحداث التي أتمت دورتها، ولكن يخطر لي وأنا اكتب هذه الكلمات في الذكرى الثلاثين لرحيل هذا الشاعر المتميز انه لو امتلك وعي درويش الجمالي وانفتح على تجارب الشعر العربي الحديث وانخرط في تياراته المتصارعة .. والاهم لو انه عاش أطول لكنا حصلنا على شاعر كان يمكن له أن يسهم، ليس في نضال شعبه فحسب، بل في تطور القصيدة العربية الحديثة.
لكن هذا غير ممكن. ما حصل قد حصل ولا مجال لتغييره، لذلك يبقى راشد حسين في ذاكرة فترته الشعرية وسجلاتها بوصفه الصوت الشعري المقاوم وفق معايير لحظته، وتبقى قصيدة ‘’كان ما سوف يكون’’ تذكرني بذلك الذي قال لرفيقه عندما التقيا في نيويورك بعد وقت طويل من فراقهما:
‘’ليتني كنت طليقا في سجون الناصرة’’!.
 

"صحيفة الوقت البحرينية"

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=2357

 

(2)

            في ثلاثينية راشد حسين -- بعض وفاء                                 

بتاريخ 1/2/1977 ..احترقت الشقة التي كان يقيم بها المتحدث الرسمي باسم وفد منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة ..الشاعر الفلسطيني " راشد حسين " في مدينة نيويورك ..وفي 4/2/1977 كان قد وصل جثمانه لثرى الوطن ليتوسد تراب مسقط رأسه ..قرية مصمص المحتلة عام 1948 .....وسط احتجاج الصحافة الصهيونية على عودة جثمانه إلى فلسطين ،، في ذكراه الثلاثين ..هذا بعض الوفاء ,,, القصيدة التي كتبت لحفل التأبين بصوتي ...
=============================


بعض الوفاء ..راشد حسين

يوسف الديك
**********

أمسنا غائمٌ مكفهرٌ .. مِحَنْ ..!!
..يومنا ، غارقٌ في مآسي الفِتَنْ
والسؤال الذي لم يزلْ .. منذ صبّ الندى قطره في الخليقة
على أي جرحٍ ..سنصحو غداً ..؟؟
وهلّ ستمرّ على الشهداء كما عودتنا الطيور الطليقة ؟!!
وكل البلاد منافٍ وقتلٌ
وفي عُرف هذا الزمان البذيء البلاد العدوة أضحت بلاداً صديقة ..!!

لصبحك راشد ألف قصيدة حبٍّ ..وثورةْ
لعينيك فينا ... اختلاجات شعرٍ

ستتركُ بين الضلوع اتقاداً ..
وفي القلب تصحو ثلاثون جَمرةْ

على أي جرحٍ سيمسي الوطن
على أي صوت ينام ؟
وتلك الطيور التي لم تعد ...
واصلت شوقها في المدى و الغمام ..!!

لقلبي أن يفضح الآن أسرارَهُ
خفقةً شاردة ..
ثم لا بأس ..لو بصدري انفطرْ ..!!

لعينيَّ أن تتكّحل فيكم هنا .. والوطن
دفعةً واحدة ..
نظرةً واحدةْ
ثم لا بأس ... لو فقدت النظرْ

آآآآآآه ...يا ..
بلادي التي أوجعتني اشتياقاً
كلّما زارني غيمُها ... يعتريني المطرْ

سلامٌ عليكم ..سلامٌ عليها ..سلامٌ على راشدٍ
وفي كل حرفٍ من سلامي ..قمرْ ..!!

*******************

30/1/2007

( القصيدة كتبت للمشاركة في حفل تأبين الشاعر راشد حسين في مسقط رأسه .)
 

 

(3)

30 عاما على رحيل الشاعر الفلسطيني راشد حسين بنيويورك

 بقلم : وديع عواودة

وافق أمس الجمعة الذكرى الثلاثون لرحيل الشاعر الفلسطيني راشد حسين في غربته بالولايات المتحدة الأميركية، بعد احتراق شقته ليلا في ظروف غامضة ومريبة خلال أحد شهور 1976.وكان راشد حسين الذي ولد في قرية مصمص في المثلث الشمالي سنة 1936 وتلقى تعليمه في حيفا والناصرة وأم الفحم، قد بدأ يقرض الشعر في سن مبكرة وأصدر ديوانه الأول وهو في العشرين من عمره.

وانضم لنشطاء "حركة الأرض" محرراً لنشرتها السياسية ومن ناشطي الحركة الشيوعية في الداخل، وقد تعرض للملاحقة والاضطهاد من قبل السلطات الإسرائيلية، وفصل من عمله كمدرس بعد عام واحد فقط من تعيينه.

 كما عمل محرراً لمجلات "الفجر" والمرصاد" و"المصوّر"  قبل أن يغادر البلاد لأميركا عام 1966.

وعرف راشد كمؤسس لشعر المقاومة الفلسطيني الملتزم في الداخل، وأصبح أحد رموزه لدى الجماهير التي حفظت قصائده وتغنت بها.

 وكان الآلاف من أبناء شعبه من جهتي الخط الأخضر قد شاركوا في تشييع جثمانه في مسقط رأسه مصمص، التي رفعت على مدخلها لافتات مهيبة تقول "الوطن يرحب بابنه العائد"! و"راشد يرحب بضيوفه الكرام".

 قرية الراشدية


ودعا الشاعر سميح القاسم في تصريح للجزيرة نت إلى تكريم الراحل بشكل مميز واقترح تسمية قريته "الراشدية" أو إطلاق اسمه على شارع وادي عارة.

وقال القاسم إن راشد حسين هو مؤسس لمرحلة مهمة من مراحل الشعر العربي في فلسطين، لافتا إلى أن قصيدته قدمت مناخ المواجهة الفلسطينية الصهيونية على الصعيد الشعري، وأضاف "أقصد المواجهة الحياتية اليومية بحكم تورطه في الحياة المشتركة بشكل قوي وعميق".

وأوضح القاسم أن اغتراب راشد حسين أبعده عن بؤرة الحدث لكنه تحول إلى قصيدة حزينة ومؤثرة جدا، منوها بأن الحالة الشعرية رافقته في المنفى بقوة، "فلم يستعر مناخا شعريا جديدا بل اصطحب مناخه الشعري وحافظ عليه".

وحول تميز تجربته الشعرية قال القاسم إن قصيدة راشد حملت وجعا استثنائيا وتوقع أن يأتي زمن يقوم فيه النقاد بمعاينة تجربة راشد بقراءة جديدة تلقي الضوء على مواقفه الوطنية والقومية والإنسانية الراقية.

 وأشار إلى أن راشد حسين "لم يجامل المناخ الغوغائي الدهمائي فاحترم قصيدته ووعيه وموقفه وعروبته وإسلامه وفلسطينيته وأمميته، رافضا العنصرية رفضا قاطعا، ولديّ على الأقل أصبحت مفاهيمه الإنسانية وسيلة استفيد منها وأدافع بها عن الأمة في العالم، حيث أقدم راشد نموذجا للقصيدة وللروح الشعرية التقدمية والأممية في الشعر العربي".

أعراب النهاية


ولماذا غادر راشد حسين ومحمود درويش البلاد فيما بقي سميح القاسم، سألناه فقال الأخير إنه يفضل عدم الدخول في هذا الموضوع معتبرا إياه مؤجلا إلى ما بعد رحيلهم جميعا من هذا العالم

وأضاف "ومع ذلك ألفت لضرورة رؤية تفاوت الظروف فرحيل راشد ليس كرحيل محمود وينبغي التنبه للتفاصيل".

 وذكر أن هذه مسألة رؤيوية تاريخية بعيدة المدى "وأنا مع الرؤية عابرة القارات والأزمنة".

 ودعا القاسم إلى إنصاف تجربة راشد عبر دراسة جديدة لشعره تركز على خصائص نتاجه الاستثنائي.

وكان الكاتب اللبناني إلياس خوري استذكر رحيل راشد حسين فقال في مقاله "أعراب النهاية" إن الشاعر الفلسطيني الذي مات محترقا بسيجارته المشتعلة في شقته النيويوركية، لم يعد إلى وطنه، مات غريبا ووحيدا.

 ويضيف خوري "طيف راشد حسين يقترب من طيف محمد الماغوط. شاعران كتبا النهاية بجسديهما. الأول احترق والثاني تورّم فيه القهر والانحلال. الأول لم يعد إلى وطنه، والثاني لم يعد وطنه إليه. حكاية واحدة عن حرب تصنع الخراب. مثلما تحطم لبنان يجري تحطيم العراق اليوم. ويأتي يهوذا معلنا براءته من هذا الدم الذي لايزال يُسفك منذ ألفي عام".

 

" موقع الجزيرة "

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/899572F3-3E2D-4732-AEC7-36C7F1E99C8E.htm

 

(4)

إلــى راشد حسـين: الـــوطـــنُ الّـــــذي يسـكـُنـُنا 

رأفت جمال حسين*


ماذا تَبَقّى ؟!
غيرَ أغنيةٍ ..
على أطلالِكَ تَبكي ..
وحمامَةٍ بَيْضاءَ مَذْبوحَةْ !
ماذا تَبَقّى غَيْرَ أشياءٍ خَريفِيَّةْ ..؟
وريشاتٍ ..
وأُرجوحَةْ ...
ماذا تَبَقّى غَيْرَ أغراضِ الصَّلاةِ ؟!
وأنينِ مِئْذَنَةٍ على أَنْقاضِ مَسْجِدِها ..
وحُنْجُرَةٍ ..
مَجْروحَةِ الأوتارِ،
مَبْحوحَةْ ...؟
٭٭٭
كمن يتهيَّأ للصَّلاةِ اكتب إليك..
حافِيَ القدمين، مُتوضِّئاً وافترش أمامي مساحة بيضاء كما لو أنّها سَجّادة أُعِدَّت للصّلاة!!
في الذكرى الثلاثين لمغادرتك..
يتحرَّشُ الغضب بأبجديتي، فيخطو قلمي أولى خطواته على هذه المساحة البيضاء، الخاضعة كامرأة عارية أمام رجل تشتهيه!
تشتهيك المساحات البيض المُعدَّة للكتابة.. ولكنني اخذلها إذ أقابل شهوتها وغريزتها الأدبيّة الملتهبة، بفُتور لا ادري كُنْهَهُ، أنا الذي يحقُّ لي أن استعير من غادَة السّمّان عبارتها الرائعة "أنت رجل يشعل أبجديتي بالجنون" لأخاطبك بها، مُضيفاً بأنَّك الرّجل عينه، الذي يشعل جنوني بالأبجدية...
لستُ ادري لِم أقدمتُ على جَرْفِ عَدَدٍ لا بأسَ به من المساحات البيض قبل أن أتشبّثَ بهذه الورقة.. ربما كنت أريد لك نصًّا يليق بك، لا بي وبمزاجي الأدبيّ.
فبعد ثلاثين عاماً مغتسلة بالحنين، الوفاء وأشياء أخرى جميلة، لا بُدَّ أن افصِّل لك نصًّا يكون على مقياس عظمتك. على عكس أولئك الذين فَصّلوا لك أكفاناً على مقياس حقدهم عليك.. وتوابيتَ حديدية غلَّفوها بالأزرق والأبيض.. على عكس ذاك النشيد النضاليّ: "بالأخضر كَفَّنّاهُ، بالأحمر كَفَّنّاهُ، بالأبيض كَفَّنّاهُ، بالأسود كَفَّنّاه"!!!
وأستميحك عُذرا إن كان حديثي قد اخذ منحىً آخر، فلستُ أخاطبك لمهاجمة أولئك الذين تنكَّروا لك ووضعوا على وجوههم أقنعة وكأنهم في سهرة تنكرية، ولكنني اردِّدُ مَعَ دَرْويشِنا "المسكين" محمود درويش بأنّنا "لم نَعُدْ قادرين على اليأس أكثَرَ مِمّا قد يئسنا".
٭٭٭
اشتَقْتُكَ..
يا مَنْ علّمتنا أن نشتاق لك!!
اشتقتك ..
أنا الذي لم أرَكَ يوماً، لم أحادثك أو احتسي برفقتك فنجان قهوة...
فهل يحقُّ لي أن أمارس طقس حنيني إليك، كأولئك الذين عرفوك ذات يوم مضى وكأنه لم يكن؟!
أتَعْلَمَ ؟! صباح اليوم، رَفَّت صورتك في مخيلتي عندما كانت السَّيّدة فيروز تُرَدِّد بلهجتها اللبنانية: "يا ضِعانُنْ راحوا ... شو ما صار لكن راحوا.." لتضيف فيروزُنا الرائعة فيما بعد: "مِشْ سامِعْ غِنِّيّة راحوا؟"...
كما لو أنها تستفزني لأذكرك اليوم، دوناً عن باقي الأيام، فهي لا تدرك بأنك شيء من أشيائي الثمينة!! ومعاذ الله أن انتقص من قيمتك إذ أصفك بأنك شيء لي، فصديقتي هي الأشياء..كصورتك القديمة التي علقتها لك بنفسي في احد أركان الغرفة، والتي حين دخلتُ ذات مرة إلى الغرفة ، انتابني شعور بان شيئا ما من أشيائي قد تَخَلَّفَ عن الحضور، أتفَقَّد المكان بدقة رجال المخابرات الذين لطالما تقصَّوْا آثار عطرك الفلسطينيّ النكهة!! فأصاب بذهول هستيريّ لاكتشافي غياب صورتك التي كانت تبدو لي كفيلم بالأبيض والأسود، من أفلام السينما الصامتة، فصورة أمّ كلثوم مكانها على جدار الغرفة، و صورة فيروز ومارسيل خليفة ومحمّد الماغوط وعبد الحليم وآخرين...
إلا صورتك التي ترجَّلتْ عن الحائط لا ادري إلى أين ذهبت؟! حينها شعرت كما لو أنني فقدت أحد أعضائي، ولكنني أستعيده مباغتة بعد أن وقع نظري على صورتك وقد وضعتها والدتي في مكان آخر...
٭٭٭
اشتقتك .. كعادتي في الأول من شباط من كل عام، فأفتش عنك في وجوههم جميعا، أولئك الذين عانقوك ذات مرة، وكانوا يحفظون ملامحك عن ظهر قلب.. فلا اعثر عليك سوى بوجه واحد يتراءى لي دوما، هو وجه الله سبحانه، والذي أظنك كنت صديقا له مثلي!
٭٭٭
ما الذي يلزمنا يا عمّاه كي نذكرك دون أن نبكي على رداءة حالنا؟!
ما الذي يلزمنا يا عمّاه كي نتلو أشعارك دون أن نُخفِيَ أوجُهنا خلف الأوراق خَجَلاً؟!
أناديك "عمّاه" عَلَناً، فلم استطع أن أتحكَّمَ بأبجديتي لأكونَ حِيادِيًّا في علاقتي معك حتى على الورق! ولِمَ الحِيادِيَّة أصلاً؟ وأنا الذي اعتبرك جنسيَّتي وانتمائي وإحدى دياناتي المقدَّسة؟! ولستَ عَمّي بِقَدْرِ ما أنتَ صَديقي وشاعري...

٭٭٭
ارمق الساعة لأجدها قد قاربت على الثانية عشرة ليلاً، ليحِلَّ يوم جديد، هو الثاني من شباط، في مثل ذلك اليوم من العام 1977 لم تكن قد ووريتَ الثّرى بعد، لِذا، فكلها أيام مقدسة علينا أن نصومها، وان نقَدِّم قَرابين لَكَ بأقلامنا...
ثَمَّةَ تلاحم بين صوت الريح في الخارج وصوت الرائعة أم كلثوم وهي تُردِّد:
"سَوْفَ تَلْهو بِنا الحَياةُ وتَسْخَرْ فَتَعالَ أحِبُّكَ ألانَ أكْثَرْ" يُنَبِّهُني إلى أنّك قد تكون بُعِثْتَ اليوم من جديد، لِذا.. فاسمَحْ لي بان انْسَحِبَ صَمْتاً خارج هذه المساحة البيضاء التي أخاطبك منها، ولكن، بعد أن اصرخَ بوجوههم أولئك الذين تندرج اسماؤهم تحت عنوان "رفاق المرحلة"، ومنهم من تعدى هذا العنوان ليصبح من "أصدقاء المرحلة"، اصرخ ملء حنجرتي المبحوحة بان يُشهِروا أقلامهم وأوراقهم وليكتبوا... ليس لشيءٍ سِوى لأنَّك راشد حسين وليس آخر! وَدَعْ عَنْكَ لَومي بان لا أتحرَّشَ بِهِم فان اللَّومَ إغراءُ، وأصْدُقُكَ إذْ أخبِرُك بأنّني لَسْتُ ناقِماً عليهم، ولكن .. أَلَمْ تَقُل الشّامخة فيروز:"عَقَد المحبّة العَتَبْ كبير"؟!
وسَلامُ اللهِ عَلَيْكَ أينَما، كَيْفَما كُنْت...

*(مصمص)

 

" مؤسسة الثقافة الفلسطينية"

www.thaqafa.org

 

(5)

 

الشَّجـَرة التي اقـتـُلعـَت من تربتها


الدكتور عبدالقادر حسين ياسين *


في الأول من شباط عام 1977 ذكرت وكالات الأنباء، نقلا عن تقارير شرطة مدينة نيويورك، أن الشاعر الفلسطيني راشد حسين "مات مختنقاً نتيجة حريق شب في غرفته من عقب سيجارة". توفى راشد حسين ولم يكمّل عامه الحادي والأربعين، وقد خلف وراءه إرثاً كبيراً من الألم والحزن والمعاناة، من التحدي والمقاومة، هي إرث شعبه الفلسطيني الذي أحبه وطالما احترق بلهيب عذابه..
كانت حياة راشد حسين قصيرة إذا قيست بعمر الزمن، غير أنها حياة ضجت بعمق التجربة النضالية الفلسطينية بغزارتها وثرائها. فقد كان صوته أول صوت شعري ينطلق في الوطن المحتل في أعقاب نكبة عام 1948.. وحيداً في ساحة الكلمة، مشاركاً في كل هموم بقايا شعبه الذي وجد نفسه معلقاً على صليب العذاب…
ولد راشد حسين في خضم الثورة الفلسطينية الكبرى ضد الاستعمار البريطاني ـ الصهيوني في عام 1936. ولم يكد يودع أعوام براءته الأولى حتى وجد أن الوطن قد سحب من تحت قدميه كما يسحب البساط، حتى قريته الصغيرة، مصمص، تلك القرية المتربعة على تلال وادي عارة في المثلث الصغير، الواقعة على طريق طالما عبرته جحافل الغزاة منذ فجر التاريخ والتي استمدت اسمها من اسم أحد قادة الفرعون المصري رمسيس، حتى قريته هذه ما لبثت في عام 1948 أن تم تسليمها إلى القوات الصهيونية ضمن اتفاقيات الهدنة، شأنها في ذلك شأن بقية قرى المثلث الصغير، وهكذا و جد راشد حسين نفسه فجأة مواطناً عربياً يحمل جواز سفر ضده.
في الخمسينات كان شاعرنا يطوف القرى  الفلسطينية المحتلة يستلهمها وبقايا المدن يبكيها.. ثم يطلق العنان لحنجرته تنفث الأشعار في كل مكان من أرجاء فلسطين، في المثلث، في الجليل، في النقب.. كل القرى عرفته، كل الأزقة والشوارع والمقاهي.. ينشد.. يصرخ.. يصيح.. يبكي من غير دموع.
"يافا التي رضعت من أثدائها حليب البرتقال
تعطش.. وهي من سقطت أمواجها المطر
يافا التي كسرت الأيام فوق هذه الرمال
ذراعها تشل، حين ظهرها انكسر
يافا التي كانت حديقة أشجارها الرجال
قد مسحت، محششة، توزع الخدر!
وكنت في يافا أزيح عن جبهتها الجرذان
وارفع الأنقاض عن قتلى.. بلا ركب
وأدفن النجوم في الرمال والجدران
واسحب الرصاص من عظامها.. وأشرب الغضب.
ضد
ضد أن يجرح ثوار بلادي.. سنبلة
ضد أن يحمل طفل.. أي طفل.. قنبلة
ضد أن تدرس أختي عضلات البندقية
ضد ما شئتم.. ولكن
ما الذي يفعله حتى نبي.. أو نبيَّة
حينما تشرب عينيه وعينيها.. خيول القتلة
ضد أن يصبح طفلي بطلاً في العاشرة
ضد أن يصبح الغلام فؤاد الشجرة
ضد أن تصبح أغصان بساتيني مشانق
ضد تحويل حياض الورد في بيتي خنادق
ضد ما شئتم.. ولكن بعد إحراق شبابي
ورفاقي
وترابي
كيف لا تصبح أشعاري.. بنادق؟
إزالة وطن
لقد أزيلت أمام ناظريه ثلائمئة وخمسون قرية فلسطينية.. مسحت من الوجود.. أصبح أهلها غرباء في وطنهم.. وأخذ الحكم العسكري الصهيوني يطوق شعبه بالسلاسل.. ويحصي خطواته. وتمتزج مرارة راشد حسين بالسخرية حين يقول :
"حتى يتامانا أبوهم غائب
صادر يتامانا، أذن، يا سيدي
لا تعتذر من قال انك ظالم
لا تعتذر.. من قال أنك معتدي؟"
قبل أواخر الخمسينات كان راشد حسين قد أصدر مجموعتين شعريتين هما "مع الفجر" و"صواريخ". وعلى الرغم من الشعور بالإحباط الذي كان يلف الشعب الفلسطيني في تلك الأيام، فقد آمن شاعرنا بالفجر وأصر على الإيمان بأن الإنسان، في طبيعته، خير وطيب، وبان قانون الحب والإنسانية لا بد وأن ينتصر.
كان راشد حسين دائماً يرصد الأحداث في الخارج بحثاً عن بارقة أمل. وجدها في معركة السويس، وفي انبثاق حركة عدم الانحياز. وسارع شاعرنا إلى تأصيل هويته، فكتب قصيدة "أنا من آسيا" معبراً عن إيمانه الراسخ بأن المضطهدين سيهبون لمواجهة آلة "الحضارة" الغربية الفاشية المتمثلة أمامه بالصهيونية.
ومع ذلك، فقد تمسك راشد حسين بالسلام، وكره الحرب والقتل والدمار. كان يحلم بسلام عادل بعيداً عن الصهيونية، بعيداً عن القتل والاغتصاب، غير أنه كان يدرك في أعماقه بأن يده الممتدة لن تجد من يصافحها. ففي عام 1958 كتب يقول: "أننا لا نخشى أن نقول أن حبنا لشعبنا هو حب يمتد ليشمل كافة الجماهير في الوطن العربي.. أننا نشاركهم آمالهم في التحرر. وكعرب تحت نير الاحتلال، كفانا ما ذقناه من خبز أسود.. ربما تكون بعض الطرقات قد مدت بين قرية وأخرى، غير أن الغبي فقط هو الذي لا يدرك بأن ذلك لا يعدو كونه قطعة حلوى تستخدم لإغراء السذج والأبرياء...إننا نواصل الحياة في عالمين منفصلين.. ولو كان الحائط الذي يفصلنا من زجاج لكسرناه، ولو كان من صخر وأسمنت لهدمناه أو تخطيناه.. غير انه حائط غير مرئي".
وفي عام 1966 سافر راشد حسين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، واندلعت حرب حزيران عام 1967. وفي نيويورك بدأت مأساته الثانية. كان يدرك جيداً أن الولايات المتحدة لا تصلح لأن تكون مكاناً ملائماً لأقامته الدائمة. وقرر السفر إلى الدول العربية.
وفي عام 1972 حط رحاله في بيروت ولم يلبث أن غادرها في عام 1973، عائداً إلى منفاه الجديد، في مدينة نيويورك. وجد راشد حسين نفسه في مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية حيث عين مراسلاً لـ "وكالة الأنباء الفلسطينية" (وفـا)  في الأمم المتحدة، وهناك عرفته الأوساط الإعلامية الأمريكية والعالمية شخصية نشيطة متألقة... في نيويورك حل راشد حسين تلك المعضلة التي طالما شغلت باله ...معضلة الحرب والسلام، فقد وصل إلى اقتناع تام بأن العـدو الصهيوني لا يعرف لغة السلام .. نشط راشد في الكتابة ... ينشد.. يقرأ أشعاره ... يحاضر.. يتمزق.. لقد اختفت من قصائده تلك النبرة المشفقة الباكية.. واشتد عوده الشعري.
في قصيدته "الحب والغيتو" يتساءل راشد حسن : "إذا كان النازيون قد طاردوا اليهود إلى داخل أفران الغاز، فكيف يمكن أن يصبح هؤلاء اليهود أنفسهم قتلـة شعبه وجلاديه، يطاردونه إلى داخل أفران الحقد والكراهية...؟ لم يعد ثمة معيار لراشد حسين غير تحرير شعبه ووطنه من قبضة المحتل الصهيوني. ظل راشد حسن "ابن القرية" التي غادرها منذ عشر سنوات. وكان الحنين إلى العودة ينخر في جسده وقلبه، غير أنه كان يدرك جيداً استحالة ذلك. يقول أصدقاؤه إنه كان يسير في شوارع نيويورك كما لو كان يسير في أزقة قريته وحواريها،  يحيي الناس… يسألهم عن أحوالهم ... يبتسم ... يدعوهم إلى تناول  "المجدرة" (أكلة شعبية فلسطينية) غير أن أحداً لم يفهمه.
ويقول عالم الاجتمـاع والروائي اللبناني الدكتور حليم بركات أنه حين التقى راشد حسين في نيويورك لم يكد يعرفه.. "كانت عيناه أشبه بنافذتين مشرعتين تطلان على عالم اللاشيء.. لقد اختفى البريق منهما ، كما خفتت نبرة صوته.. أحسست بأنه كان يعيش في الماضي.. تطلع إلي وقال: اشعر بأنني شجرة اقتلعت من تربتها ... تتنفس هواء غريباً وتشرب ماء ملوثاً.. اشعر بأن كل شيء قد انتهى.. لو سنحت لي الفرصة لكي أعود إلى "الوطن" لما ترددت لحظة؟"
لقد حل راشد حسين معضلته الفكرية دون أن يحل معضلته الذاتية، تلك المعضلة التي لم يحلها إلا الموت، فقد وافقت سلطات الاحتلال الصهيوني بعد جهود مضنية، على السماح له بالعودة محمولاً، على الأكتاف، بعد أن اشترطت أن تدفع كافة النفقات في الخارج. وهكذا عاد راشد حسين إلى أحضان مصمص يلفه البنفسج من كل جانب، منتظراً ذلك اليوم الذي سيشهد فيه عبور فلول آخر الغزاة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السـويد .

المصدر :" صحيفة القدس العربي "

   http://www.alquds.co.uk

           " موقع صوت العروبة "                                                                                                                                                               http://www.arabvoice.com/modules.php?op=modload&name=News&file=article&sid=4268&mode=thread&order=0&thold=0   

 

 

(6)

 

شاعر الأرض: ثلاثون عاما على رحيل الشاعر الفلسطيني راشد حسين

من: تيجان أفندي

نظمت جمعية "ديرتنا" داخل أراضي48 أمسية خاصة، تولى عرافتها الإذاعي محمد يونس، احتفاء بالذكرى الثلاثين لرحيل الشاعر الفلسطيني راشد حسين، أحد أركان الأدب المقاوم. وذلك بمبادرة، مها مصالحة-زحالقة، مديرة قسم الثقافة في مجلس كفر قرع المحلي، وكان نائب رئيس المجلس المحلي، المحامي جمال أبو فنة قد رحب بالضيوف باسم السلطة المحلية. وتطرق الدكتور مصطفى كبها إلى راشد حسين الصحفي المبدع ولفت إلى أن الراحل كان من أفضل الكتاب في الصحف الفلسطينية منوها إلى إهمال شخصيته الصحفية وأضاف" كتب راشد المئات من المقالات في زوايا مختلفة منها " من أفواه الناس" و"كلام" موزون" و"الحكاية" ضمن صحف المرصاد والفجر والاتحاد ونشرات الأرض وفيها برز صحفيا متمرسا يتسم بالشجاعة والصراحة والأسلوب الساخر المؤثر وأضاف " تأثر راشد بكتاباته بحسنين هيكل. وأكد كبها الباحث بالتاريخ والأعلام أن راشد امتاز بالكتابة الناقدة اللاذعة والتصويرية ضد السلطات الإسرائيلية والمجتمع العربي أيضا لافتا إلى دفاعه عن الفكر القومي ومناوشاته مع الشيوعيين وأضاف" في قصائده ومقالاته كان راشد من أوائل المؤسسين للرواية التاريخية الفلسطينية ولا شك أنه من أبرز المعالم الثقافية في أراضي48 أبان فترة الحكم العسكري. وأشار كبها لحوارات راشد الساخنة مع مثقفين إسرائيليين فكان يؤكد لهم أن السد بين الشعبين ليس من زجاج أو الصخر بل أنه في القلوب تأكيدا على صعوبة هدمه وأضاف" بهذه المناسبة أرغب بضحد محاولات الغمز واللمز على راشد الذي يشاع أحيانا وكأنه نشط في صفوف حزب مبام وأضاف" راشد كتب وعمل في صحف مبام لكنه لم ينتم له ولدي نسخة العقد بين الطرفين وفيها يحفظ لراشح حق التعبير كما يشاء "

وقدم الشاعر.د فاروق مواسي محاضرة عن السخرية والمرارة في أشعار راشد حسين ونوه لأسلوبه الساخر على خطى الجاحظ والمازني والحكيم والشدياق وسواهم. وتلا مواسي قصيدته التي تلاها يوم الجنازة " يا راشد".
كما تحدث الأستاذ طلعت شرقاوي أحد أتراب راشد في مدرسة "الأميرية" في مدينة أم الفحم ومدرسة الجليل في الناصرة فلفت الى تفوقه وإبداعه في جيل مبكرة إضافة لكونه صديقا وفيا سخيا وأضاف" بعد تخرجه عمل مدرسا لكنه ما لبث أن ترك المهنة غير أبه باحتجاجات ذويه حرصا على الوظيفة". وتطرق شرقاوي للملاحقات السلطوية التي تعرض لها راشد حسين إلى أن رحل للولايات المتحدة كبعض المثقفين الفلسطينيين الذين خرجوا للبحث عن أفق جديد بالفضاء الواسع أمثال فوزي الأسمر ورستم البستاني وإبراهيم شباط. كما ألقى رأفت أغبارية الشاعر الشاب قريب الشاعر الراحل قصيدة "الغلة الحمراء".

وكان راشد حسين الذي ولد في قرية مصمص في المثلث الشمالي سنة 1936 وتلقى تعليمه في حيفا والناصرة وأم الفحم قد بدأ يقرض الشعر بسن مبكرة وأصدر ديوانه الأول وهو بالعشرين من عمره. عرف راشد كمؤسس لشعر المقاومة الفلسطيني الملتزم في الداخل، وأصبح أحد رموزه لدى الجماهير التي حفظت قصائده وتغنت بها. يشار إلى أن راشد حسين كان من نشطاء حركة الأرض ومحررا ً لنشرتها السياسية وقد تعرض للملاحقة والاضطهاد من قبل السلطات الإسرائيلية، وفصل من عمله كمدرس بعد عام واحد فقط من تعيينه. كما عمل محرراً لمجلة "الفجر" والمرصاد " والمصوّر قبل أن يغادر البلاد لأمريكا عام 1966 حيث نشط من أجل قضية شعبه إعلاميا وسياسيا إلى أن قضى جراء احتراق شقته في نيويورك.
وكان الآلاف من أبناء شعبه من جهتي الخط الأخضر قد شاركوا في تشييع جثمانه في مسقط رأسه، مصمص، التي رفعت في مدخلها لافتات مهيبة تقول  " الوطن يرحب بابنه العائد "  ! و " راشد يرحب بضيوفه الكرام ".
وأفادنا الكاتب الأديب حنا أبو حنا مع الفجر" كانت مجموعته الشعرية الأولى التي أبرزت مدى عمق الصلة بين راشد حسين وبين  قضية اللاجئين كما يبدو في قصائد " الخيمة السوداء" و"الام اللاجئين" و"أزهار من جهنم" وأضاف" في ديوانه الثاني " صواريخ" تتألق الروح الوطنية للشاعر. وأضاف "حينما اعتقلت عام 1958 توقفت عن كتابة زاويتي الأسبوعية في صحيفة " الاتحاد" –" وحي الأيام" أخذ راشد يعبئها بقصائد من لدنه موقعا باسم مستعار. راشد، وهو من الرعيل الأول من جيل ما قبل النكبة وبعدها ،شاعر نضجت موهبته بمرحلة مبكرة والمؤسف أنه رحل. وهناك كتب القصائد واستعاد نشاطه الأدبي الواسع وهو لا شك من أركان الحركة الأدبية الفلسطينية. راشد هو الحلقة الوسطى بيني وبين محمود درويش. "وقال أبو حنا أن قصيدة راشد تتميز بالرشاقة وبلغته المكتوبة على طريقة السهل الممتنع فالألفاظ بسيطة لكنها تصور لوحات جميلة سيما اللوحات الوطنية المهمة.ودعا الشاعر سميح القاسم لتكريم الراحل بشكل مميزة واقترح تسمية قريته "الراشدية" أو إطلاق اسمه على شارع وادي عارة. وقال القاسم أن راشد حسين هو مؤسس لمرحلة هامة من مراحل الشعر العربي في فلسطين لافتا إلى أن قصيدته قدمت مناخ المواجهة الفلسطينية-الصهيونية على الصعيد الشعري وأضاف " أقصد المواجهة الحياتية-اليومية بحكم تورطه بالحياة المشتركة بشكل قوي وعميق. في شعر راشد بدأت ملامح الأنسنة في المواجهة وغدت بين أنسان وأنسان بما يتعدى المواجهة السياسية والفكرية وانعكس ذلك في قصائده المتأخرة". وأوضح القاسم أن اغتراب راشد حسين أبعده عن بؤرة الحدث لكن اغترابه تحول إلى قصيدة حزينة ومؤثرة جدا منوها الى أن الحالة الشعرية رافقته في المنفى بقوة فلم يستعر مناخا شعريا جديدا بل اصطحب مناخه الشعري وحافظ عليه".
وحول تميز تجربته الشعرية قال القاسم أن قصيدة راشد حملت وجعا استثنائيا وتوقع أن يأتي زمن يقوم فيه النقاد بمعاينة تجربة راشد بقراءة جديدة يبقي الضوء على مواقفه الوطنية والقومية والإنسانية الراقية وأضاف" تميز راشد بأنه لم يجامل المناخ الغوغائي الدهمائي فاحترم قصيدته ووعيه وموقفه وعروبته وإسلامه وفلسطينيته وأمميته رافضا  العنصرية رفضا قاطعا ولدي على الأقل أصبحت مفاهيمه الإنسانية وسيلة استفيد منها وأدافع بها عن الأمة في العالم حيث أقدم راشد نموذجا للقصيدة وللروح الشعرية التقدمية والأممية في الشعر العربي".
ولماذا غادر راشد حسين ومحمود درويش البلاد فيما بقي سميح القاسم سألنا فقال الأخير أنه يفضل عدم الدخول بهذا الموضوع معتبرا إياه مؤجلا إلى ما بعد رحيلهم جميعا من هذا العالم. وأضاف" ومع ذلك ألفت لضرورة رؤية تفاوت الظروف فرحيل راشد ليس كرحيل محمود وينبغي التنبه للتفاصيل. طبعا هذه مسألة رؤيوية تاريخية بعيدة المدى وأنا مع الرؤية عابرة القارات والأزمنة".
ودعا القاسم إلى أنصاف تجربة راشد عبر دراسة جديدة لشعره تركز على خصائص نتاجه الاستثنائي. وكان الكاتب اللبناني ألياس خوري قد استذكر رحيل راشد حسين فقال في مقاله، "أعراب النهاية ":" الشاعر الفلسطيني الذي مات محترقا بسيجارته المشتعلة في شقته النيويوركية، لم يعد إلى وطنه. مات غريبا ووحيدا.
وقال الكاتب توفيق فياض وهو ممن كانت الغربة والمنافي نصيبه:"وشاء القدر أن أكون رفقة الشاعر محمود درويش في مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت حين أتاه الخبر تماما كما شاء حين مرّ بي ومحمود في حيفا مودعا وهو في طريقه إلى أمريكا عام 1966. بات عندنا ليلتها وكنا نسكن سوية.. وفي الصباح ودعنا إلى ميناء حيفا.. وارتحل.. وضع محمود سماعة الهاتف.. قال ودون أن ينظر إلي: تكسر صوته.. مات راشد حسين.. لقد احترق.. ثم أطرق طويلا، تاركا لغرته المناسبة على كفه المظللة لدمعه وهو يتمتم.. كنت أعرف يا راشد.. كنت أعرف.. فقد كانت النيران دوما تسكنك طيف راشد حسين يقترب من طيف محمد الماغوط. شاعران كتبا النهاية بجسديهما. الأول احترق والثاني تورّم فيه القهر والانحلال. الأول لم يعد الى وطنه، والثاني لم يعد وطنه اليه.

 

" موقع العرب "   http://www.alarab.co.il/view.php?sel=00010477

 

(7)

راشد.. ثلاثون على الرحيل

أحمد فوزي ابو بكر *

 

شجرة نمَت على وادي الملوك
رب زهر آدمي نما في حضنها
لم تكن مربط خيل للغزاة
لم تظلل ملكا في ظلها
آن ان تمسي صلاة دائمة

أجمل القتلى نبيّ غاضب
احرقته في الظلام المر
عين فريسية

شجرة نمت على وادي الملوك
حضنت زهرا تحدى خبط جند تتريّه
آن ان نذكرها.. آن ان تبقى صلاة ناعمة

أجمل القتلى.. عصافير قضت
تنسج الحلم غناء سرمديا
جعلت من لحمها نار البداية
دمها صار أكاسير النهاية

يا رمادا عربيا خالصا
نثروك حناء على قمم الجبال
بين زيتون القوافي.. فوق اكتاف الرجال
دهنوا منك الجباة السمر..
في ارض الشمال
زوجوك للنخيل
في القرايا النائية
آن ان تبقى صلاة واجمة
ومزامير شجية

شجرة نمت على وادي الملوك
أثمرت طلحا لابناء الرعاة
اطعمت زقومها للغاصبين
قتلوها.. احرقوها منعوا عنها الحياة
لفح الزهر لهيب الشجرة
اخذ الزهر حفيف الشجرة
حمل الزهر جذور الشجرة
زحف الزهر وغنى
في الجموع السائمة
شجرة نمت على وادي الملوك
آن ان تبقى صلاة ناعمة

(سالم – المثلث)

 

" موقع الجبهة "  http://www.aljabha.org/q/index.asp?serial=&f=3380692735

 

 

راشد حسين في ذكراه الثلاثين
فارس الشعر الـمقاوم والإنسان الـمعذَّب بالإنسانية

د. سامي مسلـم
مرت في بداية شباط الـماضي الذكرى الثلاثون لرحيل الشاعر الفلسطيني راشد حسين، الذي يعتبر أحد الرواد الأوائل لشعر الـمقاومة الفلسطينية في داخل الخط الأخضر بعد نكبة 1948. ومع أن هذا الشاعر الكبير كان مقلاً في كتاباته إلا أنه ترك تأثيراً كبيراً على جيل كامل من الشعراء والنشطاء السياسيين والأكاديميين الفلسطينيين والعرب. وقد لوحظ هذا الدور الـمؤثر له بالخضة الكبيرة التي أصابت في حينه الوسط الثقافي العربي والفلسطيني عند وفاته في مدينة نيويورك في الأول من شباط 1977، إثر حريق شب في شقته هناك. وقد أبّنه عدد من هؤلاء الـمثقفين بكتاب حرره الفنان والكاتب الفلسطيني كمال بلاطة بعنوان "عالـم راشد حسين" باللغة الإنكليزية
(The World of Rachid Hussein) الذي صدر العام 1979. وقد احتوى هذا الـمجلد مقالات ممن عرفوا الشاعر معرفة شخصية أو عرفوا شعره. وكان من بينهم إدوارد سعيد، ومحمود درويش، وكتبت الشاعرة والكاتبة سلـمى الخضراء الجيوسي، دراسة مطولة عن شعره. وقد رثاه محمود درويش بقصيدة "كان ما سوف يكون" الـمنشورة في ديوان أعراس (ص 11 ــ 31) والتي يصفه فيها:
ابن فلاحين
من ضلع فلسطين
جنوبي
بقي مثل دوري
قومي
فاتح الصوتِ
كبير القدمين
واسع الكف، فقير كفراشة
أسمر حتى التداعي
وعريض الـمنكبين
ويرى أبعد من بوابة السجن
يرى أقرب من أطروحة الفن
يرى الغيمة في خوذة جندي
يرانا، ويرى كرت الإعاشة
وبسيط .. في الـمقاهي واللغة
....
لـم ينشر سوى جزأين من أشعاره الأولى
وأعطانا البقية
....
والتقينا بعد عام في مطار القاهرة
قال لي بعد ثلاثين دقيقة:
"ليتني كنت طليقاً
في سجون الناصرة".
(أعراس، ص 16،17،18،23)

ومع أنني لست هنا بصدد تحليل أو دراسة قصيدة محمود درويش، إلا أنها تصف وصفاً دقيقاً ولـماحاً شخصية راشد حسين والحالة النفسية والعاطفية له وللواقع الذي كان يعيش فيه. فهي تشير إلى كثير من القلق لترك الوطن والخروج إلى الـمنافي لدرجة أن "سجون الناصرة" تصبح أوسع وأرحب من أرض اللجوء والشتات والـمنافي. وهو موقف معبّرٌ يذكرني بمقولة سياسية في موقع آخر للرئيس الراحل ياسر عرفات "إن ثلوج جبل الشيخ أدفأ من كثير من العواصم" مما يدل على وحدة وفرادة التجربة الـمشتركة للفلسطينيين أينما كانوا وأياً كانوا.
أصدر راشد حسين في حياته ديوان "مع الفجر" (1957) و "صواريخ" (1958). وهذا ما يشير إليه محمود درويش عندما قال "لـم ينشر سوى جزأين من أشعاره الأولى / وأعطانا البقية". و صدرت "البقية" بعد وفاته ممثلة بديوان "قصائد فلسطينية" (1982) و "أنا الأرض لا تحرميني الـمطر" (1982). وتعتبر الكاتبة سلـمى الخضراء الجيوسي الديوان الأخير "أفضل مجموعاته الشعرية" (د. سلـمى الخضراء الجيوسي، موسوعة الأدب الفلسطيني الـمعاصر، الـمجلد الأول، الشعر، بيروت: الـمؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1997، ص 195).
وبالـمصادفة، ودون انتباه للذكرى الثلاثين، كنت أقرأ "مع الفجر" عندما اطلعت على الخبر الصحافي الـمطول في ملحق "الـمشهد الإسرائيلي" الصادر مع جريدة "الأيام" الفلسطينية بتاريخ 20/2/2007، للصحافي وديع عواودة، عن إحياء تلك الذكرى بعنوان "ثلاثون عاماً على رحيل الشاعر الفلسطيني راشد حسين". وهي الـمناسبة التي دعا فيها الشاعر الفلسطيني سميح القاسم إلى تكريم راشد حسين إما بإعادة تسمية قريته "مصمص" بالراشدية نسبة إليه أو تسمية شارع عارة باسمه.
وبالرغم من وجود نقص كبير لدي في الاطلاع على أعمال وتأثير هذا الشاعر في تلك اللحظة، إلا أنني وجدت نفسي أبحث عن أعماله وعن سيرته لأستزيد. ووجدت نفسي كأني أعرف الرجل منذ زمن. فهو يتحدث بلغة جميلة بسيطة أخّاذة، وبأسلوب غنائي مميز في معظم قصائده عن أمور وطنية وقومية وأممية عرفتها وعشتها. فوجدت أنه قريب جداً مني وبالتأكيد من كل الناس الذين يجدون فيه شاعراً رمزاً معبراً عن مرحلة من مراحل النضال الوطني والقومي والأممي. كما وجدت فيه ذلك الإنسان الحساس، الـممتلئ بالعاطفة الإنسانية والتعاطف والتماثل تجاه الآخر ــ الفرد، وتجاه الآخر ــ الشعب، وتجاه الآخر ــ الأمة. فهو مسكون بهذه العاطفة الـمميزة التي تتدفق بها الـمشاعر القلبية، يتفجر الحزن، وتنساب الدموع مدرارة من جراء ما تصنعه القصيدة فينا. هذا ما نشعر به عند قراءة قصائده التي تتعرض لقضايا إنسانية محزنة. فقصيدة "من حولنا بصقت دماً" لها هذا التأثير. ويقدم الشاعر هذه القصيدة بالكلـمات التالية: "كانت لها أحلام، وكان لها حب، ثم أصابها الداء، فبصقت دماً، وهي هنا تتحدث إلى إحدى ملائكة الرحمة". (ديوان مع الفجر، ص 92). ونجد هذه الروح الإنسانية والـموقف الإنساني التضامني أيضاً في قصيدة "الكفن" في ديوان (مع الفجر) والتي يقدمها بالكلـمات التالية "ماتت زوجته فكان يعول طفلته وطفله وحدث له ما يرويه في هذه القصيدة" التي يقول في مطلعها "أريد قميصاً لطفلي الصغير / يكافح ريح الشتاء الوبيلة". (ص 96)
بعد قراءة راشد حسين، تبلورت لدي عدة انطباعات وملاحظات ونقاط وتصورات حول الـمواضيع التي كتب فيها وحول أسلوبه.

القرية
أولى هـذه الـملاحظـات أنني وجدت راشد حسين عاشقاً متيماً بقـريته وبشرقيته (أي كونه شرقياً)، وبفلسطينيته وبأمميته. نراه يتغنى بقريته "مصمص" الواقعة في الـمثلث الشمالي. هناك قصائد عديدة يبدأ بها التحية أو ذكر قريته، مكان انطلاقه إلى أي مناسبة. إنّ ذكر هذه القرية قضية تلفت النظر. فالقرية هنا تعبّر عن الخاص، عن أهمية الـمكان، وعن ضرورة الـمكان، عن الانتماء في زمن شهد التشريد واللجوء والنكبة، زمن طرد الشعب الفلسطيني من أرضه وداره وحقله وحلـمه، زمن الإقصاء الذي أسماه محمود درويش "في حضرة الغياب"، الذي يعني نفي الآخر من خلال الإقصاء والتغييب السياسي والجغرافي والكياني رغم الوجود الجسدي. هذا الإقصاء والتغييب حوّل الفلسطيني إلى لاجئ ومشتت ونازح ومنفي. فإن التمسك بالقرية، التي تشكل الوحدة الأولى للتعبير عن الانتماء الجغرافي والوطني، يصبح نقطة الـمرجعية أو الإطار الـمرجعي (point of reference ) في ظل ذاك الضياع الذي سببته النكبة العام 1948. وإن دراسته وحياته في مدن فلسطين الجميلة مثل حيفا والناصرة وأم الفحم ليست بديلاً عن قريته، مسقط رأسه. القرية هي الـمكان الآمن الذي يعج بالحياة بعيداً عن السجان والسجن لأنهم "في قريتي جميعهم يقدس الحياة" هكذا يبدأ قصيدة "حياتهم" التي يصف فيها بساطة حياة القرية وعدم تعقيدها حتى إنهم لا يعرفون الطائرات التي "ريشها حديد". (ديوان مع الفجر، ص 104). حتى وهو في السجن ينحاز إلى قريته. فهو يرى ضوء النجمة التي تسطع فوق السجن "كأنها تسبيحة صاعدة من قريتي". (ديوان مع الفجر، ص 72). والقرية هي الـملاذ الأمين الذي يلجأ إليه من السجان ومن ظلـم الحكام، ومن الـمدينة التي داست عليه. ففي قصيدة "الـموت والقهوة" يخاطب قريته بعد أن يطلب فنجان قهوة قائلاً "يا قريتي .. يا لحم جبهتي يا نجمة في بحر ظلـمة". (ديوان قصائد فلسطينية، ص 152). وهي، أي القرية، الـمكان الذي يلجأ إليه عندما يسأم الـمدينة. في قصيدة "رسالة من الـمدينة" يقول
"سئمت الـمدينة .. قلبي يموت
سآتي إليك يا قريتي"،
لأنه هناك يجد الأمن والأمان. (ديوان قصائد فلسطينية، ص 51).

الشرق
الشرق هوى راشد حسين الآخر. فقصائده تعبّر عن الانتماء للشرق كأنما يريد أن ينأى بنفسه عن الغرب، يريد أن يتمايز. الفكر في الدول النامية يذهب غرباً. والسلوكيات تقلد الغرب. ولكن راشد حسين يبحث عن الشرق وعن أمجاده. يذكّر باستمرار بالانتماء إليه. ولا شك في الخلفية الذهنية يوجد الخلاف بين الشرق والغرب. الشرق ممثلاً بالإتحاد السوفيتي والصين والثورة الفيتنامية والغرب ممثلاً بالإمبريالية الأميركية وغيرها من بلاد الـمستعمرين. فلا عجب إذاً أن نراه في قصيدة "إلى شرقية" يتوصل إلى النتيجة الحتمية بين التحرر من الاستعمار وحقوق الإنسان بشكل مباشر وصريح حينما يقول "إذا حرية الإنسان ديست / غدت قبراً لدائسها ولحدا" (ديوان مع الفجر، ص 118). وفيها يذكر هذه الشرقية بأنها من صلب الأنبياء، ذات تاريخ تليد. فإن والد ابنة الغرب ليس من ذهب وليس والد ابنة الشرق من قصدير يصدأ.
"أبِنت الغرب من ذهبٍ أبوها / وأنت أبوك قصديرٌ فيصدا". (ص 119).
وبشكل مباشر ودون مواربة يعلن أن حبيبته شرقية قد تكون تائهة لكنها بالتأكيد فاتنة. هذا ما يعبر عنه في قصيدة "الحبيبة" في ديوان (مع الفجر) حينما يقول في مطلعها "حبيبتي شرقية تائهة / لكنها فاتنة!" (ص 82) وهو يقسم "بالأطفال الشرقيين" وبأن "الشرق يريد ــ ككل الأرض ــ الحرية" ويندد بالإنزال الأميركي في لبنان العام 1958 حيث يرى أن هدف هذا الإنزال هو زرع الشرق بالأهوال. (قصيدة رسالة إلى (آيك)، قصائد فلسطينية، صفحة 104، 106، 107).
 

اللاجئ
لا شك في أن الـمواضيع الأخرى التي تحدث فيها راشد حسين كانت مواضيع حيوية ومعاصرة واتخذ فيها مواقف حدية غير قابلة للتأويل أو الجدل مثل موضوع اللاجئين الذي كتب فيه قصائد معبرة ذات رؤية سياسية واضحة مثل قصيدة "لاجئ وحمامة" التي يبدأ مطلعها بالتساؤل "هل مثلي لاجئة أنت؟" حيث يعرج على الديار الفلسطينية التي أخذت وسلبت لينتهي بالتمني أن لا تطير الحمامة لكي لا تصبح لاجئة مثله "مالك باكية مثلي / يا ليتك .. ليتك ما طرت". (مع الفجر، ص 45) لـم يعالج فقط اللجوء في داخل الوطن الفلسطيني الذي بقي هو فيه، فبقصيدة أشبه بالرؤيا عنوانها "أزهار من جهنم" (مع الفجر، ص 11) يصف الخيام السود والأغلال في ظل جهنم حيث "سجنوا شعبي وأوصوه بألا يتكلـم" إلى أن هذه الخيمة السوداء في الـمهجر لن تصير قصراً. والـموضوع نفسه نجده في الخيمة الصفراء. (مع الفجر، ص 17) يصف مأساة الفقر والذل التي وضعوا الإنسان الفلسطيني فيها وأوصلوه إليها. فيصور بقدرة فوتوغرافية انتظار الديدان لتأكل أخته الصغيرة. حيث يقول:
وهناك حول الخيمة الصفراء ديدان حقيره
كانت تراقبني بلا صوت كأيوبٍ صبوره
حتى ترى أيّ القبورسيحتوي أختي الصغيره.

الأطفال
الأطفال لدى راشد حسين يسكنون حيزاً مهماً في حياته وفي شعره. وقد غنى لهم أغنيات شعرية مأساوية قارن فيها بين الطفل الذي يولد عندنا، كيف يولد أميراً ويتحول تدريجياً إلى التخلف، والطفل الذي يولد عندهم، أي عند الغرب الثري، كيف يولد طفلاً عادياً ويربى ليصل إلى أعلى الدرجات. وهي قصيدة جميلة جداً ومعبرة جداً بعنوان "الجياد" التي يقول فيها:
في بلاد الآخرين
يولد الطفل صغيرا
...
وإذا الطفل الذي كان صغيرا
رجلاً يصبح ... إنساناً كبيرا
....
في قرانا يولد الطفل أميرا
....
قزماً يصبح .. إنساناً صغيرا
يشرب الوحل ويجتر القشورا
(ديوان قصائد فلسطينية، ص 57/58)
لذلك يكتب لأخيه فتحي، ولكل الأطفال، كما يقول، في قصيدة "فتحي وأشياء أخرى" ليؤكد له ذلك في ثلاث سوناتات معنونة فتحي والشمس، فتحي والعيد، فتحي والشرق. في هذه القصيدة يقسم راشد حسين أنه ما تجشم كل هذه الـمصاعب والأهوال وتحمل الآلام والسجن والعذاب إلا من أجل فتحي ومن أجل كل الأطفال، يقسم مثل الأطفال "لأجلك أنت للأطفال، صدقني لأجلك أنت". (قصائد فلسطينية، ص 56).
ولعل قصيدته "ضد" التي مطلعها "ضد أن يجرح ثوّار بلادي سنبلة" هي مغناة شعرية لبراءة الطفولة أمام وحشية الاحتلال التي تحول الطفل إلى ثائر ومناضل يحمل بندقية. فهو يصرح "ضد أن يحمل طفل ــ أي طفل ــ قنبلة ... ضد أن يصبح طفلٌ بطلاً في العاشرة" هو ضد كل ذلك "ضد ما شئتم ... ولكن / بعد إحراق بلادي / ورفاقي / وشبابي / كيف لا تصبح أشعاري بنادق؟!" (د. سلـمى الخضراء الجيوسي، موسوعة الأدب الفلسطيني الـمعاصر، الـمجلد الأول، الشعر، قصيدة "ضد"، ص 200 ــ 201) لقد كان بالفعل ناطقاً رسمياً باسم الطفولة الـمعذبة في فلسطين إثر نكبة 1948 وسفيراً لها من خلال الشعر، أوصل قضية الأطفال إلى كل من له آذان للسمع ليسمع.

العنفوان والتحدي
هذا الجانب الإنساني تجاه مأساة الأطفال، الذي يحول أشعاره إلى بنادق، يجري بشكل متوازٍ معه غضبه الـمفعم بالعنفوان والتحدي للجلاد الإسرائيلي. راشد حسين رفع راية النضال والـمقاومة للحكم العسكري الإسرائيلي الـمفروض على الشعب الفلسطيني. فقاوم بالكلـمة الـمكتوبة نثراً ومقالة أو بالكلـمة الـمكتوبة شعراً وأناشيد مقاومة، ضد هذا الحكم. فدخل السجن وتحدى الحكام الجدد الذين كبلوا الشعب بالسجن والأغلال والتصاريح. وكان أحد الذين أسسوا حركة الأرض في إسرائيل لتدافع عن حق الشعب الفلسطيني في الحياة الحرة الكريمة على أرضهم بعيداً عن الـمصادرة والتغييب والإقصاء. فقصائد مثل "خواطر سجين" "وإلى شعبي في الجليل" التي ألقاها في الذكرى الثامنة لـمجزرة كفر قاسم، "وهاكم ثائراً آخر" و "هتافات وسلاسل" و "من سجن الرملة" هي نماذج لشعره الـمقاوم الذي أسس لشعر الـمقاومة في فلسطين. فصرخاته التي يقول فيها (قصيدة قصة أول أيار، ديوان مع الفجر، ص 122 ــ 123)
حرية الـمسجون بالدم تشترى وبهدم أسوار السجن تحقق
صلب الأبيّ الحر ليس يضيره أن الـمسيح إلى الصليب الأسبق.
(هذه الصرخات) دوت في كل أرجاء الوطن الفلسطيني وعبرته إلى كل الأحرار والشرفاء في العالـم.
تصدى للحكم العسكري الإسرائيلي وكشف زيف ادعاءاته الديمقراطية وفضح عنصريته في أكثر من مناسبة. وهاجم منتقداً عنصرية ديفيد بن غوريون، الأب الـمؤسس لدولة إسرائيل، تجاه العرب واللغة العربية لأنه رفض استلام بطاقة الهوية الشخصية لأنها تحمل الأحرف العربية. فأنشد راشد حسين بفخر واعتزاز في قصيدة عنوانها "رسالة من سجن الرملة" وبصوت جهوري قائلاً:
"تبسمت وقلت لسجاني ــ بلغ دافيد "برعدية"
حتى الأحجار تحيِّينا ــ وتحب اللغة العربية ...
(قصائد فلسطينية، ص 144).

الغضب
هذه الروح الـمقاومة، حملت معها أيضاً غضباً حاداً على أبناء جلدته ممن خان وطنه. لكنه ظل رقيقاً لـم يطلب لهم أقصى العقاب. نرى ذلك في قصيدته "اعترافات والدة جاسوس" (قصائد فلسطينية، ص 126) التي تعتذر فيها عما فعله ابنها، الذي ربته تربية وطنية، لكنه انحرف عن الطريق الوطني، وتطلب معاقبته فقط.

الصراع الطبقي
لقد كان راشد حسين شاعراً مقاوماً ليس بالـمعنى السياسي فحسب وإنما أيضاً بالـمعنى الاجتماعي الاقتصادي فقد كان عضواً نشطاً في الحزب الشيوعي ثم في حركة الأرض التي كان أحد مؤسسيها، وبشكل عام في التوجه اليساري السياسي في فلسطين / إسرائيل. وقد وقف بشكل واضح مع العمال والفلاحين، وندد بالإقطاع والقيادات التقليدية التي فرضت نفسها على جموع الناس الـمساكين. وحيّا الأول من أيار، ونضال العمال والفقراء ضد الأسياد الجدد والقدامى، وعالج الصراع الطبقي والظلـم الاجتماعي، وجعل الأبناء يحاسبون آبائهم على أفعالهم. كل ذلك جاء شعراً جميلاً معبراً، أشبه بالشعر الغنائي منه بأي شيء آخر مما جعله قريباً من الناس معبراً عن همومهم. فكانت القصيدة تمور بالحركة والصخب والحوار كأنها من الـمسرح "التفاعلي" الذي يهتم بشؤون الناس ويتفاعل معهم ويحاورهم ويقربهم منه. فقصيدة "من بنت نائب" ليست قصيدة عادية (ديوان قصائد فلسطينية، ص 91) فهي تنتقد والدها لأنه يعمل لصالح النظام وتشرح له ما تعانيه من وجع وألـم وقلق حيال وضعها كابنة له، وحيال سلوكه كعبد للقيصر الجديد وتسأل والدها
لـماذا أنت لـم تثمرْ .. كبستاني الذي أثمر
لـماذا أنت لـم تكبر !!
لـماذا أنت دون الناس بين مزارع القيصر
وفي قصيدة "ثمن النيابة" (قصائد فلسطينية، ص 99) ينتقد بشدة القيادات التقليدية للشعب التي لـم تعرف كيف تقود أو تآمرت لكي تقود، ويعتبر تلك القيادات مسؤولة عن ضياع الشعب. يقول في هذه القصيدة:
الهبْ حروفك يا نشيدي ... واحرق تنابلة الوجود
هم ضيّعوا شعبي ... فأين بطولة الشعب الـمجيد؟ (ص 99)
وبتصوير هزلي سياسي ساخر ينتقد تلك القيادات قائلاً في قصيدة "اليوم جئت" التالي:

ومَنْ الزعيمُ أشاربان بوجهه؟
وملابس وعباءة شقراءُ ؟
ومَنْ الزعيم أمن يبيح إناءَه
للشاربين وفي قراه ظماء ؟ (قصائد فلسطينية، ص 8)

ولهذا نجد الصراع الطبقي والظلـم الاجتماعي والتضامن العمالي والفلاحي من بين القصائد الكثيرة التي أنشدها والتي حملت عناوين في هذه الـمواضيع بشكل مباشر ودون مواربة مثل "إلى عامل" و "حياتهم"، و "ثورة فلاح" و "قصة أول أيار" و "أغنية إلى مجهولة" التي يعلن فيها دون مواربة و "الـمهنة الأولى: فقير ... أملاكه: قلب كبير" (قصائد فلسطينية، ص 62) وفي أخرى يحدد هدف الفلاح في تحطيم "عيشته الـمرة". (قصائد فلسطينية، ص 104) وفي "هاكم ثائراً آخر" كيف يتحول الإنسان البسيط الشريف العفيف الذي يعمل ليشتري رغيفاً لعائلته إلى ثائر،
ثم لـما سجنوه
صار شيئاً آخرا
صار إنساناً شريفاً ثائرا
(قصائد فلسطينية، ص 125)

مناهضة الحرب
قد يكون راشد حسين من أوائل الشعراء العرب الذين كتبوا ضد الحرب في وقت مبكر من نضوجه الفكري والنضالي وهو لا يزال يافعاً شاباً. فقصائده التي أصبحت عناوين لهذه الـمناهضة للحرب تذكر بروايات عظيمة شبيهة كتبت ضد الحرب وويلاتها مثل رواية (كل شيء هادئ على الجبهة الغربية)، للكاتب الألـماني الشهير اريش ماريا لامارك، ورواية (الجندي الطيب شفيك) للكاتب التشيكي الإنساني ياروسلاف هاشيك. فقد كتب راشد حسين قصائد جميلة إنسانية ومعبرة عن ذلك في "رسالة ساخرة من الـميدان" من شاب جريح إلى والده يصف فيها ساحة الحرب بالقول
"الـمدفع الـمأفون يا أبتاه والفجر العتيق
والأذرع الـمتناثرات هنا، هنالك في الطريق
والليل والـموتى وأفواه الخنادق والحريق
يهدينكم حلوَ التهاني والتحية والسلام..."
والحقيقة هي التي أدركها جندينا هذا هي
"وننال الأوسمة على تيتم الأطفال الأنام". (مع الفجر، ص 15)
وفي قصيدة "الجندي والدودة" يصف مشاعر جندي جريح تقترب منه دودة مترددة فيطلب منها عدم الاستعجال ما هي إلا دقيقة و "ستنعمين بما يلذُّ لك من دمي" (مع الفجر، ص 25). وكذلك نرى هذه الـمناهضة للحرب في قصيدة "هدية للحرية" (مع الفجر، ص 135) و"ضد" التي ورد ذكرها أعلاه.

النضال القومي ضد الاستعمار
إن مناهضة الحرب وأهوالها لـم تكن تعني بأي حال من الأحوال مناهضة الحرية والنضال ضد الاستعمار خاصة في الوطن العربي الذي كان يراه راشد حسين من وراء سياج الوطن الذي وضعت فيه إسرائيل شعبنا الفلسطيني، إلى حين مغادرته إسرائيل إلى الخارج إثر حرب 1967. لقد كانت الـمنطقة العربية، أو الوطن العربي الكبير، يمور بتحركات وانقلابات، وثورات، بدءاً من النكبة التي قلبت الأمور رأساً على عقب في الـمنطقة العربية، ومروراً بثورة 23 يوليو الـمصرية، والإنزال الأميركي في لبنان، وإعلان حلف السنتو، وبالثورة في العراق. وقد شهد حرب تشرين 1973 وهو في سورية. وقد سجل راشد حسين تاريخ هذه الأحداث وتطوراتها ليس بعين الـمراقب وإنما بفعل الـمشارك من خلال شعره الذي امتلأ حيوية نضالية، ونضالاً حيّاً إلى جانب الجماهير الـمقهورة التي تناضل من أجل أن ترفع رأسها وتتخلص من ربقة الاستعمار والهيمنة. وهي أشعار مليئة بالانتقاد والإدانة والفضح للـمشاركين، عرباً وأجانب، إلى جانب الاستعمار وبالدعوة إلى الثورة على الأنظمة العربية. ولعل أبلغ القصائد كانت تلك الرسالة التي أرسلها إلى الرئيس الأميركي ديوات ايزنهاور بعنوان "رسالة إلى (آيك)"، وهو اسم الكنية للرئيس الأميركي الأسبق (قصائد فلسطينية، ص 102 ــ 107) والتي ينصح فيها الرئيس الأميركي في النهاية:
"فاترك لبنان لأهليه .. اترك لبنان
كي ينعم طفلك كالأطفال بألعابه
ويفاخر أبناء الجيران بأثوابه
يا مستر آيك
اترك لبنان".
وتشير قصائد راشد حسين إلى الثورة في العراق العام 1958 والأحداث التي مرّ بها العراق إلى مدى انعكاس هذه الأحداث وتأثيرها على شعبنا الفلسطيني في إسرائيل أو وراء الخط الأخضر. ففي قصائد عديدة يغني بصوت عالٍ إعجابه وحبه لأهل العراق قائلاً لهم
"أحبك يا بغداد اسماً مقدسا/
وشعباً نبيلاً ردَّ عنك الهزائما
لقد كدت أبكي حين قالوا: تمردتْ/
ولولا قيودي كنت آتيك هائما"
رأيت جليلي راقصاً ومثلثي/
وعكا تغني حولها الـموج حالـما
تحييك يا بغداد حيفا وبحرها/
وكرملها يهدي إليك النسائما
يحيّي نخيل الرافدين صنوبرٌ/
يقيم على سفح الجليل مسالـما
(قصائد فلسطينية، ص 114 ــ 115)

فهو يحيي العراق في عدة قصائد مثل "قصيدتان من العراق" و"حيّ العراق" ويحيي ثورة لبنان في "حكاية النار" التي تعكس مع بعض التغيير في الأسماء الوضع الراهن في لبنان (قصائد فلسطينية، ص 108، 111، 117)
أما دمشق فلها مكانة خاصة في قلب راشد حسين. فهي التي لجأ إليها لفترة قصيرة بعد خروجه من إسرائيل. وعاش فيها وعايش حرب أكتوبر (تشرين) 1973 من هناك. وهناك كتب قصائد جميلة عن توقعاته من حرب تشرين، وقد أسماها يوميات دمشق وحدد تاريخها من 6/10 ــ 6/11/1973، حيث يقول
لأنني ما جئت سائحاً
أنا فلسطين
ومن حبي ... أنا أيضاً دمشق
(قصائد فلسطينية، ص 23)
وكتب فيها أيضاً "دموع دمشق" وصور الروح النضالية لأطفال دمشق (أطفال دمشق) وأنشد "نشيد الحب" لدمشق وسمّى قصيدة أخرى "الحب كله يسهر في دمشق" وفي دمشق أيضاً عمل وساهم في إنشاء جمعية الدراسات الفلسطينية كما عمل في القسم العبري من إذاعة دمشق.

التضامن الأممي
لـم يشغله انهماكه في قضايا شعبه وأمته عن اهتمامه وانشغاله بقضايا التحرر من الاستعمار والتضامن الأممي ونصرة الشعوب الـمكافحة. ففي أشعاره مكان واسع وواضح وجلي للثورات كلها في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية. وقد خص باتريس لومومبا الثائر الكونجولي وأول رئيس لجمهورية الكونجو الـمستقلة، الذي قتل من قبل الـمرتزقة الأجانب في العام 1960، بقصيدة عنوانها "ساعي البريد" شبهه فيها بالـمسيح وصوره كساعي بريد يوزع الحرية، جاء فيها
افريقيا ملغومة ... تشوي الشتاء على الحطب
افريقيا ملأى دما ... افريقيا ملأى غضب
لا وقت فيها للبكاء على نبي قد ذهب
...
من يُبلغ الشهداء نصر شعوبهم/
إن نحن لـم نرسل شهيداً آخرا
...
بالأمس أعطينا مسيحاً هاديا /
واليوم نعطيهم مسيحاً ثائرا.
(قصائد فلسطينية، ص 86 و 87، 90)

السخرية
كان راشد حسين يتمتع بروح ساخرة وبقدرة وصفية كاريكاتورية عظيمة، ساعدته في مواجهة الأوضاع الـمأساوية الصعبة بعد نكبة 1948 وقيام دولة إسرائيل وإخضاع الشعب الفلسطيني إلى الحكم العسكري الإسرائيلي. وقد كتب د. فاروق مواسي مقالة مهمة بعنوان "السخرية والـمرارة في شعر راشد حسين" (الصفحة الإلكترونية "الحقائق" ((Alhaqaeq.net وعلى
(arabiancreativity.com) شرح فيها هذه الـمقدرة وأبعادها وتأثيرها على شعره وعلى حركة الشعر في داخل الخط الأخضر. والسخرية والـمرارة فنٌ صعب لا يستطيعه إلا من ملك روح الدعابة وتمتع بروح مرحة، وتمكن من خفايا اللغة، وتميز بالـمقدرة على التواصل وإقامة العلاقات مع الناس. صحيح أن سخريته لاذعة لكنها ليست ثأرية أو تهدف إلى تشويه الآخر. ولذلك أبدع فيها وأجاد.

الحب
لا بد من القول هنا، أن راشد حسين لـم يكن فقط شاعراً سياسياً أو شاعر مقاومة. كان شاعر حب بامتياز حيث شكلت قصائده في هذا الـمجال، مجموعة غنائية غزلية ليس فقط بالـمحب من البشر وإنما امتدت لتحول الـمكان، إلى فتاة جميلة حسناء أو حورية تحب ويتم الهيام بها. وأعتقد أن قصيدته "عكا والبحر" نموذج عن هذا الحب لـمدن فلسطين، حيث تتحول عكا إلى عروس يتغنى بها بمغناة حفظت عن ظهر قلب من كل الأجيال ومطلعها:
حلـم الرعاة ورقصة الريحان والأرض الندية
وسنابل القمح الخجولة في ملاءتها البهية
ورحيق أزهاري، وأحلام الشباب العسجدية
هي كل ما عندي ... فهل ترضى بها عكا هدية (مع الفجر، ص 111)
ومع أن شعر الـمقاومة والتحدي غلب على طابع وصورة راشد حسين إلا أن جولاته مع شعر الحب لا تقل حميمية أو أهمية أو عاطفة، مثل قصيدة "رسالة من خطيبة" (ص 66) و "من عصبية" (ص 78) و "يومياتها" (ص 160) (ديوان قصائد فلسطينية). فهي تروي قصص حب عذري، وتعبر عن مشاعر جياشة دافئة بأسلوب شعري وبلغة جميلة وخفيفة غير معقدة، وبأسلوب ممتلئ بالصور والحركة، بالفرح والأمل، وبالحزن والقلق والغضب.
كانت العرب سابقاً تقيس شاعرية الشاعر في بيت من الشعر في قصيدة. وكان بيت واحد في قصيدة كافياً لتقول للعرب إن هذا الشاعر هو أغزل العرب أو أبلغها أو أرقها أو أشجعها ... الخ ولو أردنا أن نبحث في شعر راشد حسين لوجدنا من هذه الأبيات الكثير. فقد استحق عن جدارة أن يكون فارس الشعر الـمقاوم الذي أسس للأجيال اللاحقة أرضية خصبة لاستمرارية النضال.

 

موقع جريدة الأيام

http://www.al-ayyam.com/znews/site/template/Doc_View.aspx?did=52085&Date=3/26/2007

 

 

1