
وأذكُرُ أنَّكِ كُنْـتِ طَرِيَّـة
وشاحاً على دَرْبِ رِيحٍ شقيةْ
تلمّيـن معطفَـكِ الفستقي
على كنـزِ قامَتِكِ الفستقيةْ
وقلتُ أنا : مرحباً .. فالتفتِّ
وأمطرتِ ثلجاً وناراً عَلَيَّـهْ
وكانتْ رموشُ النجومِ بعيداً
تُحاولُ جَرْحَ الغيـومِ العتيةْ
وكنتِ بِحَرْبَـةِ رِمْشٍ طَرِيٍّ
تُريدين جَرْحَ معاني التحيـةْ
وَسِرْتِ بَعِيدَاً ورأسكِ نَحْوِي
وفي النظراتِ معانٍ سخيـةْ
وشوقٌ بعينيـكِ أنْ ترجعي
كأشـواقِ لاجئةٍ يَافَوِيَّـةْ
* * *
وأعلمُ أن الهوى هبَّ صدفـة
كهبـة ريح على باب غرفـة
وأن الشبـاب بغير غـرام
كدارٍ من الماس من غير شرفة
فليتك تدرين معنـى الربيع
يُجَدِّل زهراً ليكرم صيفـه
ومعنـى أصابـع رمانـةٍ
ترفُّ على البرعم الطفل رفـة
ومعنـى السحاب يريق دماه
فيسقي الزهورَ ويصنع حتفـه
لأدركتِ معنى وقوفي الطويل
على باب دارك أول وقفـة
* * *
وخلفتُ ريفي الذي تكرهين
لأغرق نفسي بليل المدينـة
هناك وجدتُ وحولَ الشتاءِ
على صدرِها طينةً فوق طينةْ
وينهبُ مَنْ شـاءَ ألوانَـها
كنهبِ الخريفِ ستائرَ تينـةْ
تَعَرَّتْ كماسورةٍ من زُجَاجٍ
فألقيتُ فيها مُنَايَ الثمينـةْ
وكنتِ بِمعطفِكِ الفستقـيّ
تَسيرين عبرَ خيالي حزينـةْ
قِطاراً من العِطْرِ مَاضٍ يقولُ :
هبُونِـي مَحَطَّـةَ قلبٍ أمينةْ
فأسألُ قلبِي : ألستَ أمينـاً
فيهتف : داستْ عليَّ المدينـةْ
* * *
هنا في المدينةِ تَمْشِي النِّعَالُ
على كلماتِي .. على قِصَّتِـي
هنا الكلماتُ بغيرِ معـانٍ
توابيـتُ مَوْحُولَـةُ الجبهـةِ
وفي كلِّ زاويةٍ ألفُ حُـبّ
رَخِيصٍ كحاضريَ الْمَيِّـتِ
لِماذا جَنَيْتِ عَلَـيَّ لِماذا
رَمَيْتِ إلى وَحْلِهَا مُهْجَتِـي
سَئِمْتُ المدينةَ .. قَلْبِي يَموتُ
سآتِي إليـكِ .. إلى قَرْيَتِـي
أُعَلِّـقُ قلبِـي على لَـوْزَةٍ
فَوَانِيسُهَـا حُـرَّةُ الْمَنْبَـتِ
أنا عائدٌ هل تُرى تَذْكُرين
فتدرين ما السِّرُّ في عَوْدَتِـي
ضدَ ان يجرحَ ثوارُ بلادي سنبلهْ
ضدَ أن يحملَ طفلٌ - أي طفلٍ- قنبلهْ
ضدَ أن تدرسَ أُختي عضلاتِ البندقيهْ
ضد ما شِئتثم .. ولكن
ما الذي يصنعه حتى نبيٌ أو نبيه
حينما تشربُ عينيهِ وعينيْها
خُيولُ القَتَلهْ
ضدَ أن يُصبِحَ طفلٌ بطلا ً في العاشرهْ
ضدَ أن يُثمِرَ ألغاماً فؤادُ الشجرهْ
ضدَ أن تُصبِحَ أغصانُ بساتيني مشانقْ
ضدَ تحويل ِ حياض الوردِ في أرضي مَشانقْ
ضد ما شئتُم ... ولكنْ
بعدَ احراق ِ بلادي
ورفاقي
وشبابي
كيفَ لا تُصبِحُ أشعاري بنادقْ
لأنَّ العالمَ العربيَ قوادٌ بدون ِ نساءْ ..
كواكب ما لهُنَ سماء ْ
لأنَّ الشعرَ حينَ يكونُ شعرا ً فيهِ ... لا يُطْبعْ
ولكن
رغمهم ْ يُكتبُ أو يُسمَع
أقول لكُم بخطَّ يدي :
أنا ضدُّ الكلابِ الصيدِ
ضدًّ توافِهِ الخُلَفاءْ
أنا طفلٌ ببابِ الشامِ دونَ بكاءْ
ومصباحٌ صغيرُ السِّن ِ
ما في قلبِهِ نفطٌ سوى الشهداءْ
أنا ... قدرٌ ... فلسطيني
بخطِ يدي ..... أقولُ لكُم
أنا قدرٌ .. فلسطيني
تسيرُ ميتا
تسالُ في التليفونْ
هل ظلّ أصدقاء؟ ...
تكرَهُ أن تغازلَ النساء ْ
فاكثرُ النساءِ من هنا
وأنتْ
لا تزالُ تعشَقُ البنت التي جاءَت من الصحراءْ
تعيشُ في نيويورك
تكتبُ شعراً حينما تجوعْ
او حينما يموتُ الأصدقاءْ
وأصدقاؤُكَ انتهوْا
ماتوا يغازلون َ دولاراتهم
ماتو بلا أسماءْ
لذا ... تظلُ تكتبُ الشعرَ
تموتُ بالشعرِ
في مدينةٍ بدونِ أصدقاءْ
كما ينتهي كلٌّ حبٍ كبيرٍ بدمعهْ
تنتهي ...
تنتهي كل شمعهْ
ولكنني في دمشقَ
أكتبُ شعراً وحباً وحرباً
على ضوء شمعهْ
وأعرفُ ..
بعض شموعِ الحروبِ تموتُ بسرعهْ
لكنني في دمشقَ
وشمعُ دمشقَ عزيزُ الدموعِ
وكل الشموع التي في دمشقَ تحبُّ
وتعرفُ كيفَ تحبُّ
وكيفَ تعيشُ
تقاتل نار الغُزاةِ وتسهرْ
وكيفَ تضيءُ لحبري طريقاً على صدر دفترْ
وكيفَ تقاومُ زحفَ الحرائق ِ فيها لأكتُب أكثرْ
ولكنني في دمشقَ
وأعرفُ أني بدون ِ سلاح ٍ
سوى قلم يا دمشقُ
إذا نسي الحبر فيه فلسطينَ , نادي دمشقْ .
نعم يا دمشقُ
أراكِ مسافرةً في دمائي
بمليون حبٍ ... بمليون شعلهْ
رجالٌ
نساءٌ ... وأجملُ طفلٍ وأجملُ طفلهْ
جميعهُم يغسلونَ دمائي
أنا العربي الذي أتعَبَتْهُ المذله ْ
جميعهُم يغسلونَ دمائي
بأجمل ضوءٍ
وأبسَطِ حبٍ
وأطهر قلبٍ
فماذا أقول لهم يا دمشق بهذي القصائد ْ؟
دمائي سيول من الحبِّ
كيف أوزعُ حبي
سوى في الجرائدْ ؟
وداعاً دمشقُ
شموعُكِ رَغمَ الحرائق ِ
بل في الحرائق , أصبحنَ أكثرْ
وأصبحن أروع َ ضوءاً
وأكثرَ صبراً
على الحب والشعرِ والحربِ
أصبحنَ اكبرْ
نعم يا دمشقُ
سيزدادُ فيك ضياء جميع الشموع الكبيرهْ
وتكبُرُ كل الشموع ِ الصغيرهْ
وكل شموعكِ أكبرُ منّي ...
ولكنَ حبي كبير , وإن كانَ حبكِ أكبرْ .
ترى كيفَ أيامَ حربِك ... أيام حبكِ
حتى الحجارة الّفنَ شعراً وحباً
وأصبحنَ يقرأنَ كتباً
وحتى المرارةُ صارت كقطعةِ سكَّر.
نعم يا دمشق
شموعكِ تجعلُ حتى المرارةِ سكَّرْ.
وداعاً دمشقُ
أحبكِ أماً
أحبكِ أختاً
أحبكِ طفلا , أحبكِ طفلهْ
أحبك شعراً يذيبُ جميعَ الشفاه ليطبَعَ قُبلَه
ويصهر كل اللغاتِ
ليكتُبَ في وصف حبك جملهْ
نعم يا دمشقُ
أحبكِ يا أجمل الحبِّ لكنْ
أنا فيكِ صرتُ أعيشُ بسرعهْ
وبعض الشموع ِ تموتُ من الحبِّ
تبقي من الحبِّ دمعهْ
وبعض الشموعِ تسافرُ
لكن تظلُ دمشقُ
وتكبُرُ كل شموعِ دمشقَ
وداعاً
وداعاً دمشقُ
إلهيَ
كيفَ خلقتَ جمال دمشقَ
نضال دمشقَ ... وحب دمشقْ ؟
قالت : سألتُكَ بالغرام ِ الأول ِ أجميع قلبكَ لي , وكل هواكَ لي ؟
فأجبتُها : خطاً ظننتِ فموطني هو من فؤادي في المكان الأول ِ
قالت : أفيه حلاوة ٌ كحلاوتي ؟ أم أنّ فيه تعطُّري وتَجَمُّلي
فأجبتُ : لو ما كنتِ بعضَ جمالِهِ ما كنتِ في هذا الفؤادِ لتنزلي!
أحببتُ فيك الكبرياءَ لأنها مأخوذةٌ من كبرياء ِ "الكرمِلِ"
قالت : لقد أحسنتَ ذكر الكرمل ِ هل في بلادك ثورتي وتدلُّلي؟
فأجبتها متبسِّما ً : أنسيتِ في حيفا تموُّجَ بحرِها المسترسل ِ ؟
هذا الدلال العبقريُّ سرقتِهِ لما اغتسلت بموجه المتدلل ِ
قالت : وأين ترى عذوبة نغمتي ؟ فأجبتُها في أغنيات البلبُل ِ
قالت : ودفئي في الشِّتا أوجدتَهُ؟ فأجبتُها : نيسان أدْفاُ منزل ِ
قالت : وأين وجدت عطر جديلتي فأجبتُ : في الريحان حول الجدول ِ
قالت : أتقسو هكذا يا شاعري ؟ إرحم. فقلتُ : رحمتُ لو لم تسألي
للحب نحو القلبِ دربٌ واحدٌ ولموطني في القلبِ مائةُ مَدخَلِ
وطني أحبُّ اليَّ رغمَ جفائِهِ من كل حسناءٍ تثير تغزُّلي
ألشمس تصعبُ في النهار جبينَهُ والبدرُ لولا حبه لم يَنْجلي
والليل يذبح كل صبحٍ فَجرَهُ قربانَ حبٍ فوق شط " المجدل "
قالت : غضبت فقلت : لستُ بغاضبٍ قالت : اذن خذني إليك وقبِّل ِ
شفتايَ من عطرِ الزهور سقيتُها ولَما هُما حلُمُ الزمان المُقبل ِ
يا شاعري أحببتُ مثلك موطِني أنا لستُ الا أخت زهر الكرملِ
الله لاجيء...!
الله أصبح لاجئاً يا سيدي صادر إذنْ حتى بساطِ المسجدِ
وبِعِ الكنيسة فهي من أملاكهِ وبِعِ المؤذِنَ في المزادِ الأسودِ
واطفيءْ ذُبالات النجوم فانَها ستُضيءُ دربَ التائهِ المتشرِّدِ
حتى يتامانا أبوهُم "غائبٌ" صادر يتامانا إذنْ يا سيدي !
لا تعتذر ْ ! من قال أنكَ ظالمٌ لا تنفعلْ ! من قال انك معتدي ؟!
حرّّرْتَ حتى السَّائماتِ غداةَ أن أعطيت "أبراهام" حقل "محمد"
فالخيلُ في قِممِ الجبالِ طليقةٌ تدنو ... لتصبحَ مُلكَ أمْدَنِ سيدِ؟
والأرضُ تقرئكَ السلام .. وقمحها شكرٌ تجمَّعَ في بحيرة عَسجَدِ !
أو لم تحرِّرْ عُنقَها من حارثٍ والثورُ يستشفي أمام المذودِ
فالعدلُ انت َ .. وكلُ طاغ ٍ يشتهي لصباحِ عدلكِ أن يكون بلا غدِ
انتَ الذي قتل الربيعَ .. فبَيدَري غضبٌ يهزُّ وثورةٌ لم تخمدِ
أنتَ الذي لغَمَتْ يداكَ حدائقي ونسفتَ موسمَ لوزها المتورِّدِ
ولكم نَفَيْتَ .. فقيل: أشرفُ حاكمٍ ولكم سَجَنْتَ .. فقيلَ: أعدلُ سيدِ
وجبلت "نُوَّايا" لنعبدهم وهم مستعبَدٌ يبكي على مستعبَدِ
وأردتني عبداً يُباعُ ويُشتَرى وأردتني يأسا ً يعيشُ بلا دَدِ
وصرختَ : أنتَ بقيةٌ من أمةٍ منشورةٍ بينَ المغارِ قاقعُدِ
ونسيتَ أنَّ لفيفة ً متروكة ً تكفي لتحرقَ .. أو تضيءَ لنهتدي!
لا تنفعل ! هذا الكلامُ بلا فم ٍ لا تنذعر ! هذا الكلامُ بلا يدِ
من أينَ هذي الارض ؟ إن ترابَها نارٌ .. فكيفَ حَمَلْتَ نار الموقدِ
من اين هذا القمح ؟ كيف سرقتَهُ وبذوره من دمعنا المتجمِّدِ؟
أنا لو عصرتُ رغيفَ خبزِكَ في يدي لرأيتَ مِنهُ دمي يسيلُ على يدي!
ألشمس لم تجزع ْ لمصرعِه ولا غابَ القمرْ
والأرضُ لاهي زُلزِلَتْ أسفاً ولا نزل المطرْ
والدمعُ راودَ مثقلتيٍ حيناً وعادَ فما انهمرْ
لكن بكى قلبي لمصرعه أحسبُه انفطرْ
هل تعرفينَ الكوكبَ المُحمَّر في كبد السماءْ
والوردة َ اليبضاء كيف تخضبتْ بدم ِ الحياءْ
فوحق حبك هكذا كانت تلطخهُ الدماء ْ
وعيونه كالنرجس النعسان ِ أغمضها المساءْ
وأهلت أكداس التراب فويقَ جثتِه الصغيرهْ
لكنني لم أستطع إخفاء عزَّتَهُ الكبيرهْ
نظراته وجبينه لم يبرحا نفسسي الكسيرهْ
وضميره ؟ يا ليته أعطى لقاتله ضميره ؟!
الدودة العمياء صار طعامُها من مقلتَيهْ
أكلتْ طريَّ إهابِه والجوعُ يَقتُلُ طفلتيهْ
ديدان هذي الأرض أشرفُ من يدٍ مُدّت اليهْ
يا ليتها قُطِعَت ويا ليت السما . عطفتْ عليه !
بالله يا ريح المساء اذا رحلتِ مع الغروب ْ
ورأيت أمّ التعس ِ تنتظر المشرَّد ان يثوب ْ
تساءلتْ هل سوق يرجع أم رمته يد الخطوبْ
فتمهلي قبل الجواب وإن يكن هو لن يؤوبْ !
واذا ألحّت بالسؤال ِ لتخبريها بالحقيقهْ
قولي لها : خلفتُهُ في حضن والدة , رفيقهْ(1)
وإذا بكتْ وتأوهَتْ وتخيَّلتْ شبح الحقيقهْ
فَلتصمتي يا ريح اجلالا لموقفها دقيقهْ
واذا رأيتِ بناتَه يلبَسنَ أثواب الطهارهْ
فتوسلي للدهر ألاّ يُلبس الايتام عارهْ
واذا رأيت بصدر زوجته من البؤ س ِ شرارهْ
فتلمَّسي قلب التعيسة واطفئي يا ر يحُ ناره
قولي لهنَّ عن الفتى وشبابِه كيفَ انكسَرْ
من غير أن تبكي السماء عليه أو يبكي القدرْ
لم يرثِهِ الشعراء في شعرٍ ولا نزل المطرْ
والشمس لم تجزَع لمصرعه ولا غاب القمرْ ؟!
(1) الارض
ما الذي ظل من الثورات ِ, من أجمل أحلامي القديمة
غير آثارِ وليمهْ
ونجومٌ فوقَ أكتافِ الذينَ امتهنوا شرحَ الهزيمهْ ؟!
ما الذي ظل سوى جيش ِ مقالاتٍ حبالى
بحسابات ِ بنوكٍ
وتفاسيرَ لتبريرِ الجريمهْ؟!
ما الذي ظلَّ سوى مطربةٍ , ان ولولت حيفا ويافا
عرقَ البنكُ دنانيرَ من القدس ِ القديمة ؟!
ما الذي ظل َّ سوى أن تبدأ الثورةُ من أول ِ حرف
ما الذي ظل سوى قتل الجريمة ؟!!
تولد الثورةُ في عينين من دون ِ وطن
تولدُ الثورةُ فلاحاً بل أرض ٍ
وبوليسا ً له أرضٌ
وأرضٌ كُلُ ما فيها انسجنْ
تولدُ الثورةُ لمّا يعرفُ الاميُّ والكاتبُ والأعمى الحقيقهْ
فيصيرَ الحرفُ من دون ثمنْ
ويصيرَ الصدقُ من دون ِ ثمنْ
ولهذا يا رفاق
أن تعبانٌ من التخدير من كلِّ خطاباتِ المماليكِ العربْ
ومن الربِ الذي يسكُن في سبع ِ سماواتٍ طباقا
ذلك الربُ الذي لم نبق ِ له
غيرَ تحريم ِ الخنازيرِ وتحليل ِ الذهب ْ
أنا تعبانٌ من الربِ الذي حوله جدي بياع جنان ٍ وجواري
والذي من أجل ِ حرقي
سوفَ العمرَ في جمع ِ الحطبْ
ولهذا ياعرب
أصبحَ الصبرُ تعبْ
فاغضبوني واغضبوني واغضبوا
تشتهي الثورةُ لحظاتِ الغضبْ
ثُمَ ماذا ؟
ولدتني طفلة ٌ في السوق ِ قُدّامَ جميع ِ الكهنهْ
ثم جَرّوها الى السوق ِ وما زالت هُناكْ طفلةً ممتههْ
ولهذا حينما أكتُبُ شعراً أتمزّقْ
ودمٌ من رحم ِ أُمي فوقَ وجهي يتدفّق
عندها ينجن شعري باحثا ً
عن وجوه الخونة
ولهذا سوفَ أبقى العمرَ
فلاحاً
وشاعر
أينما أمشي تَرَوْا
ميلادَ ثائرْ
1- يافا مدينتي
مداخنُ الحشيش ِ في "يافا" توزِّعُ الخدر
والطُرُقُ العجافُ حُبلى .. بالذبابِ والضجرْ
وقلبُ يافا صامتٌ ... أغلقهُ حجرْ
وفي شوارعِ السما ... جنازةُالقمرْ
؟!؟!؟!؟!؟!
؟!؟!؟!؟!؟!
يافا بلا قلب اذنْ ؟!
يافا بلا قمرْ !؟
يافا .. دمٌ على حجر ؟!
يافا التي رضعتُ من أثدائها حليبَ البرتقال ْ
تعطشُ ؟!! .. وهي من سقتْ أمواجُها المطرْ !
يافا التي رضعتُ من أثدائِها حليبَ البرتقالْ
ذراعثها شُلّتْ ؟
وظهرُها انكسَرْ؟!
يافا .. التي كانتْ حديقة ً أشجارُها الرجالْ ...
قد مسخت محسسة ً توزعُ الخدرْ
؟!؟!؟!؟!؟!
؟!؟!؟!؟!؟!
( يافا - لمن يجهلها –كانت مدينة ً
مهنتُها تصديرُ برتقال ْ
وذات يوم ٍ هُدمَتْ .. وحوّلوا
مهنتَها .. تصديرَ لاجئينْ)
2- "يافا" ... المشردة !
وكنت في يافا ... ألمُّ عن جبهتِها الجرذانْ
وأرفعُ الانقاض عن القتلى
بلا روس ٍ بلا رُكَبْ
وأدفنُ النجومَ في رحم ِ الرمال ِ
والأشجارِ
والجدران ِ
وأسحبُ الرصاص من عظامِها
وأمتصُّ الغضبْ
وأنتقي جديلة ً قتيلة ً أفرُمها
ألفُها سيجارةً
أشعلها .. وأجرعُ الدخانْ
لأستريحَ لحظة ً .. بلا سببْ !
....................
....................
لحظتَها صبيةٌ تبحَثُ عن عنوانْ
جاءَت مع الأمواجْ
هودجُها لوحٌ من الخشبْ
يركُضُ خلفَها القبورَ واللهبْ
كان اسمُها كاسم ِ مدينتي ..
يافا اسمُها
تاريخُها : ستة ُ أرقامٍ على ذراعِها
وأربعونَ مليونا ترمّدوا ترمدَ الحطب
جميلة ٌ كانت كأنها مدينتي
مهدومة ً .. كانها مدينتي
كانَّ ما مرَّ بنا ...
مرّ بنا لنلتقي ؟!
ثمَ نُحبْ ؟!
3- الفرن
الشمسُ صاحيهْ
وحينَ تصحو الشمسُ يمطرُ الظلامْ
الشمسُ صاحيه
والليلُ في طريقِنا مهرٌ بلا لِجامْ
لكن َ في عتمتنا فرناً فتى
نيرانُهُ مُراهقهْ
ما برحَ الحليبُ في أسنانِهِ
لكنهُ يقلدُ العمالقهْ
.................
قيلَ لنا :
" طعامُهُ التُرابُ .. سهلٌ .. جبلٌ .. أو مقبرةْ "
قيلَ لنا:
" تَحلاتُهُ بعدَ العشاءِ" :
فكرةٌ
أو قلمٌ
أو محبرهْ "
قيل لنا ... قيل لنا ...
لكنَ " يافا" همست ْ :
" لعلَ هذا الفرنَ يعطينا شهابَ نارْ
به نضيءُ دربنا
عليهِ نشوي خبزَنا
جرَّبتَ أفرانَ الكبارْ
جرِّب أفرانَ الصغارْ
قلتُ "ليافا" :
التهمَ الفرنُ جميعَ ما أملكهُ من الترابْ
لم يبقى من الارض سوى أنا ...
لذا أريدُ أن أعيشْ !
على تُرابِ بدني
يثمرُ طفلاً .... من جديدٍ يُبعِثُ التُرابُ "
فتمتمتْ :
" يقال هذا الفرنُ قام حتى يصنَعُ الأطفال
لعلهُ من حُبِنا يثمرُ طفلاً .. فتعالْ؟!"
4- الفران
قالَ لنا الفرانْ:
" هذا الفرنُ لي
ودفئُهُ وقفٌ على شعبي "
قُلنا له :
ما نحنُ الا تائهَينْ
نبحثُ في الادغال ِ عن دربِ "
قال لنا الفرانُ :
" قانوني هُنا :
للحبِ قومية
في المئةِ العشرينِ .. يشوي الحُبُ في فرن ِ الكراهيه "
قلنا له :
صاحَ بنا ... وأشعَلَ النيرانْ
صاحَ بنا ... وأشعَلَ النيرانْ
صاحَ بنا ... ولم نجبْ ! أخرسَنا الدخانْ
5- في المحرقة
· صرخة أولى
مدينتي يافا ...! الحريقُ في مفاصلي
أينَ حليبُ البرتقال يطفيءُ الحريق ْ ؟!
حبيبتي "يافا" ..! الطريقُ أُغلقت
أينَ دموعُ الحبِ ... تفتحُ الطريق ْ ؟!
لكنَ "يافا" لم تجبْ ...
وحينَ نادَتْ لَم أُجبْ ...
والفرنُ يشوي لحمنا ... يحرقُ حُبَنا
أحطابُهُ عظام ُ لاجئينَ في عيونِنا
· صرخة ثانية
يا شرطيَّ الله ... هل سلختَ ساعدي
لترفعَ السواعدَ التي مزقها سواي ؟
يا شرطيَ الله ِ ... هل قتلَ كواكبي
سيُشعلُ الكواكب َ التي أطفأها سواي ؟
ياشرطيَ الله حيثُ كنتَ :
في التوراةِ
في نيويورك
في لندنَ
في باريسْ
يا مُختارَ ... يا رسولَ
هلا وشمتَ ساعدي بآيةٍ تقول ْ
" هذا الفتى كنت كان لهُ
جلدٌ .. أنا سلختُهُ .
كان َ لهُ نجمٌ ... أنا أطفأتُهُ
ووطنٌ قتلتُهُ ...
كنتُ بلا جلدٍ .. بلا نجم ٍ .. بلا وطنْ
أحرقني النازي ...
فليدفع هذا الفتى الثَمن " ؟
هلا ... !؟
.......................
.......................
( " يافا " التي حسبتُها لاجئة ً معذبه
تُحبُ من يافا مدينتي
حجارةٌ بها تحكُ الرقمَ عن ذراعٍها
لكنها مخطئةٌ ان حسبتْ
حجارةً مسروقةٌ تبني خلايا جَرحِها )
6- القبرُ والصليب
يا ليلَنا ...
يا جملا ً تركبُهُ النجومُ والسحاب ْ
"يافا" التي تاريخُها
رقمٌ على ذراعِها
تبني على يافا مدينتي
" جيتو بلا أبواب ْ"
يا ليلَنا ...
يا جملا ً محملا بالنارِ والدخان ْ
"يافا" التي جاءَت مع الأمواج
تؤمن ُ أنَها الله ... أنني القُربان
....................
....................
يا ليلَنا...
بعدَ قليلٍ يصعدُ الفجرُ على رُبى الصخورْ
وتجرحُ الصخورُ صدرَهُ ... فيضحكُ
العصفورْ
ساعتَها – "يافا" المهاجره
"يافا" المغامره
سترفعُ الصليبَ لي
في قمة ِ الجبل ْ
وأحفرُ القبرَ لها
في أسفل ِ الجبل
.................
.................
ساعتَها يا ليلْ ...
أحلُمُ أني سأظلُ لحظةٌ أو لحظتينْ
منتظرا ً يافا
يافا الحقيقه
يافا حبيبتي
يافا مدينتي
وعندها يا ليلْ ...
سوفَ أظلُ حالماً
منتظراً يافا انتظارَ الطفل ِ للحليبْ
لعلها تسألْ :
" أبعدَ كُل ما جرى ...
لا بُدَّ من قبر ٍ ومن صليب ؟!"
( يافا – 1963 )
حملتُ شعوري على راحتي وادخلتُهُ جنةٌ عاطره
وزينتُـه بالورود الحسـان ِ وغسَّلتُهُ بالـمنى الثـائرهْ
وألبستُهُ من جليل الطموحِ ثياباً سمـاويةً نادره
وسـرتُ لأمـنحه من أراه جديـراً بأنغامـه العامرهْ
وحيثُ يضجُّ خِضَمّ الحياة مشيتُ كأنشودةٍ حائرهْ
فقدمت شِعري الى الأغنياءِ فظـنوه قنبلـة ًهادرهْ
وقدمتُ شعري الى الحاكمينَ فظنوه في قصرهِم طائرهْ
وقدمتُ شعري الى الصالحينَ فظنوه شعوذة ً كافرهْ
ففتشت في الارض عم غيرهم لأهديه أزهاريَ الناضرة
فألفيتُ خيرَ الوَرى ثائرا ً فأهديتُ شِعري إلى ثائرهْ
دمـك الـنقيُّ كفى لطفلك مَحْتدا وكفتْ سـواعدك القويةَ سؤدَدَا
وكفى الليـالي ان تكونَ سمـيرَها فخراً على رغم الزمـان مُجدِّدا
في صوتِـكَ الدَّاوي إباءٌ حـينما دوّى وصفّقَ في الفضاء ِِ وأرْعدا
هضموا حقوقك واستباحوا دوسها فسحقـتَ جمعُهُم وكنت لها فِدا
وتمـرد الظلـم الــلعين بجيشِـهِ فلطمت وجهَ الظُلم ِ حين تمرّدا
وأتى اليك المجـد يبسـط كفَـهُ فـمددت لمـا ان أتاك له يدا
وتبسـم التـاريخ حـين قهـرتَهُ حتى لثمـتَ جبيـنه فـتورّدا
لولاك ما ابتسم الهلالُ واشرقَت شمـسٌ ولا سربُ البلابل غرّدا
غنّت ملائكـة السماءِ ومَجَّدَتْ ذكـراكَ والشـيطانَ جُـنَّ وعربدا
قم سائل الأهـرام عمن شادهـا ؟ واهتف بروما : مَن فَخارَكِ أوجدا؟
واهـتف بناطحة السحاب وقل لها لا تكبري مت أنتِ إلاَّ لي صدى
واهتف بسيد روسـيا وأميركـا : لا تشمخنْ فأنا جعلتُكَ سـيِّدا !
رفّ الخلود على جبينكَ ماسحا ً عرقا تناثر فوقَ وجهكَ كالندى
يدك التي بَنَت القصور وشيَّدَتْ فاهدم إذا كفروا الذي قد شُيِّدا
وإذا رأيتَ الموتَ يصقلَ نابهُ فامدُد يمينك واستخَـفَّ بمنْ عَدا
فلسوفَ تنبتُ من دماك سواعدٌ جبارةٌ يخشى يصـافـحها الردى
إن يفخروا بالمال حين تغيظهمْ فدمـاؤكَ الحـمراء أكـرمُ محتدا!
انت الذي صُلبَ الحديد أسلْتَهُ وصرخت بالماء : انتظر .. فتجمدا
وقضية الأجناس أنتَ أثرتَها فاقطع قيود الجنس واهتف منشدا
أللون ليس وان تعددَ فارقا فلكم محت بيضُ الفعال الأسودا
فلئن تباينت الوجوهُ بلونها فاهتف معي لون الدماءَ تَوحَّدا
إنّي أخٌ لك حيث كنت وانني لعدوٌ من ظلم الملا واستَعبَدا
سنُفهم الصخرَ ان لم يفهم البشر ُ أن الشـعوب اذا هبت ستنتـصرُ
دم الجزائر صدرُ الفجر كعبتهُ ونـارهُ فوق صـدر البغي تستعرُ
شواطـيء العَلـم الخفّاق ِ مرتفعا مصـبُّه .. والقـلوب المنبع الغَزِرُ
فالثائرونَ على جلادهـم دمهم بحرٌ وأشـلاؤهم في وسطه جزرُ
شعـبٌ تمطى فـلا قـيدٌ يكـبلهُ ولا تغـيِّبَهُ في صدرها الحُفَرُ
تجمدّت حشرجات الموتِ في كرةٍ حمـراء .. فـهي على أحيائهِ قمرُ
تركزَّت في الزنودِ السُمْرِ مشنقةٌ فيهـا تأرجحَ رأسُ الغاصبِ القذرُ
وجُمِّدَتْ في فمِ الثوار أغنية ٌ فالـبندقيّة عودٌ والـيدُ الـوترُ
ما كان حبهمُ للقتل رائدهم بل حـبهم لضياء الشمس يَستَعِرُ
فليس يُخمِدُ نار البغي غير دم ِ تبـيضُّ من هوله خصلاتها الحمرُ
أوراس
الجبال التي يعتصم فيها الجزائريون
اوراس! لم تخلقي كي تصبحي حُفرا للموت .. يُزرَعُ في أحشائك البشرُ
اوراس لم تخلقي كي تصبحي سبيا لليُتمِ .. يشكوك ِ من أطفالهم زمرُ
لكن خُلقتِ ليروى منك ذو عطش ٍ وينثني في حنايا صدرك الزهرُ
وتلتقي فـيك آمال يداعبها قلبٌ فتيٌ , وحب ليسَ يندثُرا
لكنهم قدّروا ان تصـبحي لهمُ من دوننا فتخلَّى عنهم القدرُ
فإن نُقَتِّل وان نشنق كـتائبهم فالـذنب ذنب غـبيٍ جاءَ يَنتَحِرُ
وان تيتِّمَ طـفلٌ مـن أحـبتهم فنـحن يحـزننا أن يـذبل الثـمرُ
وإن قسـونا فـمن قيدٌ يعـذبنا هل يرحـم الـفيلَ حتى يُقتلَ النمرُ
أُوراس عفواً ! إذا لم يبقَ في يدنا إلا حـرابٌ عـليها رُكِّـزَ الظَفَرُ
باريس والأطفال
أطفالُ باريس عَـفواً من بنـادقنا ان يتَّمـتكم فما تـيتيمكم وطرُ
نُحبِّـكُمُ مُـقلاً للحب ظامئـة وأغـصنا غـضة أوراقـها خُضُرُ
لكن طغت عصبةٌ من شعبكم وبغت فـلا جواب إلا الـدم الـعطرُ
باريسكم يوم ثارت قال قائلها : غَـذُّوا المصابيحَ حتى يطلع القمرُ
باريس! إنا أطعنا فاسـكتي وخذي نار الجـراح مصـابيحاً ستـنفجرُ
علـمتِنا فحفظنا ما نطقتِ به والـيوم فيمـا تعلـمناه نُـختَبَرُ
فالـعفو من أمـهات فيك أثكلها رصاصـنا جـارفاً أبـناءَها الشررُ
يـرعى الـغريب أُموراً تفخرينَ بها أما بنـوك ففـيما قـلته كـفروا
يـرونلـكن تعامَوْا عـن ضلالهِِمُ وأنـكروا فأعـدنا بعثَ ما نكروا
إذا البصـير تعامى مـات ناظره ولـو تعّـَبأ في أثـوابه البـصرُ
تحدي
يا شانق النـار ما أغباك من بطلٍ هل يشـنقُ الـنارَ حبْل عظمَهُ وبَرُ
مهما شنقـتم أعـدنا بعث ميتنا بـطلقة بـملاك الـموت تأتـمرُ
صوغوا النوافيسَ والاجراس قاطبةً مدافـعاً إن عـرا فـولاذكم خدَرُ
وكوّنوا من عظام الميت ميِّتِكُـم بنادقا إن تناءَى عـنكُم الشـجرُ
وجهزوا من دم الفـتيان فتيتكـمْ زيتاً لهـا إن عـلاها بالصدا المطرُ
مهما صنعتـم من الـنيران نخمدها ألم تـروا أننا من لـفحها سُمُرُ ؟
ولو قـضيتم علـى الثـوارِ كلهمُ تمـرّدَ الـشيخَ والـعكازُ والحجرُ
عودوا ! سئمـنا حضارات ٍ مُزيفةٍ مجـدورة بـزنى المـاخورِ تاتزرُ !
فقـد حـلفنا وأعـلَنَّا إرادتـنا أنَّ الـشعوب إذا هـبت ستنتصرُ
فليفهمُ الصخرث ان لم يفهم البشرُ أنّ الجـزائرَ في تاريخِكُـم سقرٌ
هل مثـليَ لاجـئةٌ أنتِ من قـمَّةِ صَفَـد أقبـلْتِ
أم كانت دارُكِ في (حيفا) عُشـاً في قـرميدةِ بيـتِ
أم أنكِ من يافا جئتِ
أحمامةٌ .. يا علماً أبيض في ليـلِ لجـوئي رفرفتِ
ما بالُـكِ باكـيةً مثلي يا ليتَكِ .. ليتكِ ما طِـرْتِ
فبيـاضُكِ ذكَّرَني أمسي ونقـاؤكِ ذكَّـرني أُخـتي
أنا أُخـتي ظلّت في حيفا أتُـراها تخـدمُ في مقـهى
أتُـراها صارتْ ممسحةً للـعارِ .. تبيـعُ فـلا تُنهى
يا أُختي ليتَكِ ما كُنتِ
يا اختي أفرحُ لو متِّ
أحمامةٌ .. هل في منقارِكْ شـيئاً مـن داريَ أو دارِكْ
كـوني لي كآذان الصبحِ فبياضُـكِ قطنٌ في جُرحي
كوني لي أخـتاً عن أختي فجـناحُكِ كـفنٌ للموتِ
مِنقارُكِ برعم زيتونهْ
عيناكِ تيقظُ ليمونهْ
ألعلك مِن عكا جئتِ
هل مثلي لاجئةٌ أنتِ ؟
الفجر (1) 1958
شعري في حالةِ حربْ
حبي في حالةِ حربْ
زيتونُ أبي في حالةِ حربْ
ماذا تركوا لي غيرَ القولِ : أنا في حالةِ حربْ ؟ ..
لكن...
الشعرُ يعيشُ
الشعرُ يموتُ
ويبقى الشعبْ...
أبداً في حالةِ حربْ
ومـا أنا الا بقـية حـبرٍ
لـه زروقٌ في دمـاهُ يسـافرُ
ويحـترقُ العـظمُ في جـلدهِ
لـعلّ الـرمادَ يؤلـفُ شاعرْ
يولدُ من ذلك الحبرِ ... ثائرْ
ومـا أنا الا بـقيةٌ حبٍ كبير
تشرّدَ بين السجـونِ وبينَ المنافي
وقـاتلَ إخـوتُهُ ساجـنيهِ
لكي لا يصيرَ أسيرْ
وما أنا إلا ابتسامةُ شيخٍ لطفله
تسـيرُ جـراحي على خدِّها
لترسمَ قُبلهْ
وأسـرقُ ورداً لأهـدي لهـا
كـأنَ جـنازةَ حُـبِّي حـفـله
في بلاد الآخرين
يولد الطفل صغيرا
فيصبون على أيامه دفئا ونورا
ثم يروون له من قصة الشمس سطورا
واذا الطفل الذي كان صغيرا
رجلا يصبح .. إنسانا كبيرا !
في قرانا يولد الطفل أميرا
فيصبون على عينيه ليلا و نذورا
و على جلدته الرخوة يبنون قصورا
و اذا الطفل الذي كان أميرا
قزما يصبح .. إنسانا صغيرا
يشرب الوحل و يجتر القشورا
في بلاد الآخرين
يكبر الطفل و تنمو معه كل المعاني
و على جبهته تنمو نجوم و أماني
في قراتا.. بين طيات الدخان ..
يكبر الطفل لكي تكبر بالطفل التهاني
ليقولوا : " أصبح المحروس حلما للحسان" ..
او " عريسا " صار .. في سن الزواج ابن فلان
و اذا جيل من العرسان يجتاح بلادي
جيل اطفال كبار .. كالجياد !
ملأت اذهانهم اشباح تفكير رمادي
فالاماني تنتهي عند " سعاد "
عند اقدام "سعاد "
عند حناء على كف " سعاد " !
ليت أهلي يلدون الطفل طفلا
ثم لا يرمون في عينيه وحلا
عله يزهر في ارض بلادي
جيل فرسان جديد .. في بلادي
يلد الاطفال اطفالا صغارا
ثم يغدون رجالا.. يملأون الليل نارا
علني المح من حولي نسورا
لا عصافير يقلدن النسورا !
في بلادي الآخرين تقلق الناس النهاية
في قرانا تقلق الناس البداية
همهم ان تلد الزوجة مولودا ذكر
ليقولوا " انها بنت أصيل مفتخر .. "
"وضعت طفلا ذكر
وجهه وجه القمر"
ليقولوا : "زوجها فحل عظيم .. رجل"
او " جواد عربي .. بطل لا يخذل "
" ابنه البكر ذكر
وجهه وجه القمر " !
بعد هذا ليصر ابنهم راعي ذباب
و ليكن دودة ارض .. كل ما فيها تراب !
و ليكن ابكم .. أعمى .. و ليكن بوم خراب
و ليمت والده و لتمت والدته
و لتمت من فرح قابليته
فهو مولود ذكر
وجهه وجه القمر
امه بنت نبيل .. فرس لا تعثر
زوجها فحل أصيل .. بطل منتصر !
وطني.. قل لي يا وطني
مرة تغرقنا بالضوء لا بالوسن
بعد أن أغرقتنا في عسل في لبن
عل اسواق الجواري تتهدم
و الجياد السود للنار تقدم
عل ارتال العصافير تدور
و اذا هن صقور و نسور !
الفجر (2) 1961
" باع َ أرضَهُ للصهيونيين لِيدفَع مَهرَ خطيبتِهِ
فكتبت لَهُ : "
وبِعتَ التُراب المقدس يا أنذَلَ العاشقينْ
لتدفعَ مهري؟!
وتبتاع َ لي ثوبَ عُرس ٍ ثمينْ .
فماذا أقولُ لطفلك لو قالَ :
" هل لي وطن " ؟
وماذا أقولُ لهُ إن تسائَلَ :
" أنتِ الثَمَن" ؟!!
سحبتَ ألحواكيرَ من شَعرِها
وبعتَ جدائل زيتونها
وأرخَصتَ في السوق ِ عَرضَ السُهول ِ
وخُنتَ وفاءَ بساتينِها
ومزقتَ حلماتِ ليمونِها
وبعتَ جدائلَ زيتونِها!
أتفضحُ والدةً أرضعتكَ لتَستُرَ عِرضي ؟
وتترُكَ هذي البيادرَ جوعى
ليَشبَعَ رَوضي ؟
أمن وَجعِ ألأرض ِ .. تَصنَعُ أفراحَ
قلبي الحزين؟
أعُريُ البيادرَ يا نذلُ
يُلبسني ياسمين ؟
كانت الساعة ُ في القدس ِ : قتيلا ً
جريحا ً
ودقيقه
كانتْ الساعة ُ : طفلا ً
سرقَ النابالمُ رجليهِ
ولمّا ظلَّ يمشي
سرقوا حتى طريقه
كانتِ الساعة ُ صفرا ً عربياً
كانتِ الساعةُ ميلادَ الحقيقه ْ
دقّت الساعة ُ .. دقّتْ
دقّتِ الساعةُ ! لكن ...
كانَ ربُ الشعبِ في البارِ يُصلي
لعشيقهْ
ثُمَ يهديها دمَ الناس ِ وروداً
شربتْ عطراً وأصباغـاً ولكن
لم يشرفها ترابٌ في حديقه
كانتِ الساعةُ أصفاراً كباراً
كانتِ الساعة ُ ميلادَ الحقيقهْ
كانتِ الساعةُ .. أن تنبتَ
للأشجارِ
والأحجارِ
والأزهارِ
والماء ِ
أظافر
كانتِ الساعةُ أن يحبَلَ مليونُ رجُلْ
علنا نُرزقُ فكرهْ
علنا نُرزقُ ثورهْ
كانتِ الساعةُ ... كانتْ
كانتِ الساعةُ : عاقرْ
صارَتِ الساعة ُ في القُدس ِ ... عذارى
في ثوان ٍ حَبِلَتْ
في ثوان ٍ وَلَدَتْ
في ثوان ٍ .. صارت الساعة ُ في القدس ِ
نضالاً ودقيقهْ .
دقّت الساعة ُ ... دقّتْ
بكتْ الساعة ُ حُبا ً .. وعذابا وتمنّت
واذا الطفلُ الذي من دون ِ رجلين ِ
على كفيهِ يمشي
وعلى عينيهِ يمشي
حاملا ً حُلُماً وخبزاً وسلاماً – لِمُقاومْ
هامساً أبسَطَ ما صلاّهُ طفلٌ :
" قتلوا رجلَي واغتالوا طريقي
ولهذا ....
لَم يَعُد لي غَيرَ أن أبقى هُنا
حتى ولوقبراً .... يُقاوِم"
دقّتْ الساعة ... دقّت
ثُمَ دقّت
ثُمَ دقّت
دقّتِ الساعة ُ دقاتٍ أخيرهْ
ثُمَ ماتت ...
لَم تَعُد بالقُدس ِ للساعاتِ حاجهْ
حطمّت ساعاتِهِمْ بنتٌ صغيرهْ
عُمرُها مائةُ مليون ِ مُعَذّبْ
أُمةٌ رغماً عنٍ
التخديرِ
والأفيون ِ
يوماً سَوفَ تَغضَبْ
ولهذا ...
كُلَّما مرّت بمحتلي عيون ِ
القدس ِ
طفلةٌ ... بنتٌ صغيره
فتّشَت أعيُنُهُم , آلاتُهُمْ
في صَدْرِها
في رَحْمِها
في عَقْلِها ... عن قنبله .
واذا لم يجدوا شيئا ً أصَرّوا :
" هذه البنت الصغيرهْ
وُلِدَت في القُدس ِ
والمولودِ في القُدس ِ
سَيُضحي قُنْبُله
صَدّقوا ... المولودُ في ظل ِ القنابلْ
سوفَ يُضحي قُنْبُله"
| بالأغاني | |
|
|
|
|
بالأغاني حَرّروني..
بالأغاني |
|
إلى الأصدقاء الذين عرفتهم عكا
حلم الرعاة ورقصة الريحان و الأرض الندية
وسنابل القمح الخجولة في ملاءتها البهية
ورحيق أزهاري, وأحلام الشباب العسجدية
هي كل ما عندي ... فهل ترضى بها عكا هدية
**
يا حلوة البسمات يا عكا ! رو يدك يا طهورة !
البحر قبل راحتيك , و جاء يسألك المشورة
فهو الأمير أتاك يخطب ود قلبك يا أميرة
رفقا به و بقلبه ! لا تجرحي أبدا شعوره !
**
أرأيت سورك هازئا بالبحر لم يأبه لحبه
حتى خرجت إليه أنت لتسمعي خلجات قلبه
أم قد رفضت رجاءه , فخرجت ثائرة لحربه
فبنيت أبياتا على كبد الرمال لقطع دربه؟
**
إني لأخشى أن رفضت مشاعر البحر النبيلة
أن ينثني كبرا ويخطب قلب جارتك الجميلة
وجمال حيفا إن تكن نقضته نسبتك الأصيلة
فثراؤها نسب يشرفها
، وكرملها فضيلة**
العفو يا عكا فما قولي سوى خطرات شاعر
ما كنت سمسارا لحب البحر مأجور المشاعر
فتقبلي من قريتي العزلاء رائحة الأزاهر
و وداعة الأطفال طاهرة , و أغنية البيادر
في الخيام السود , في الأغلال , في ظل جهنم
ســجنوا شـــعبي وأوصـــــَوْه بــألا يــتـــكلــمْ
هددوه بسِياط الــجـنــد , بالـــــموت الــمــحتم
أو بقـــطع اللقـــمة النَّتنة , إن يــومــا تــتألــمْ
ومــضَــوْا عــنه وقـالوا عشْ سعيدا في جهنمْ
لن تصيرَ الخيمةُ السوداء في المهجر قصرا
وصــديد الـجرح والإعياء لن يصـبحَ عطرا
وجيوش القــمل لــن تصبـــح أغنامـا فتُقرى
ودمـــوع اليُتم ِ لن تصبحَ لــلأيتـــامِ خــمـرا
إـــنما تحــفــر للاجيء ِ قــبرا فــي جـهنـــم
هــا هنــا في الـــخيمةِ الـسوداءِ بنت وأبوها
وفـــتاةٌ لــفظــت أنفــاسهــا مــا أسعفــوهــا
كفَّنوهـــا بثيــاب الليل ســوداً , كـــفَّنــوهــا
دفنوها في ظــلام الليل , ســتــراً دفنــــوها
لينالـــــوا مؤنَ الطفلـــة من قـــوتِ جهنــمْ
هــــؤلاء الصِّبيـــةُ الأيتـــام هل تلمحـُهـــُم
أكـــلــوا الـــبؤسَ سنينا والــأسى يأكُلــــُهُم
أتعبــوا القـــول دعــــاءً ليس من يســمعُهم
من تراكم يا صغاري ؟ من ترى عـــذَّبكم؟
فأجابوا : نحنُ أزهــارٌ صــغارٌ من جــهنمْ
أنا أستحـــلف أمريكـــتا بأحـــلام بــــَنيها
وأنــادي روسيا مستحلفـــاُ باســـم ِ نبيــها
وفــرنسا بــاسم ِثوارٍ أزالـــوا ظــــالميها
وبـــذات الــتاج فــي لندن إذا تخطُرُ تِيها
هل ترى لم تسأموا طبخَ المآسي في جهنم ؟!
يــا بــلادي أنت أهديت إلى الناس المحبـة
وهــديتِ الجــاهل الـكافر كي يعرف ربـهْ
أنـــت نور يا بلادي شـقَّ لــلتائه دربـــتـهْ
أنت الأمس نبــيٌّ مــنح الــعالم قلـــــبــهْ
من قضى أن تسعد الأرض ,وتَبْقى في جهنمْ ؟
من هنا سوف تشقُّ الشــمس دربـــاً أزلـيهْ
للـــملايين التي لـــــــم يـحسبوها بــشريَّهْ
من هــنا من أرضــنا ذات العيون العسلية
ستسير الشمس في ركب الحـــياةِ الذهبيَّهْ
وسنطــفي بنديِّ الـحـــب نـيــرانَ جهنمْ !
1 الدرس الأول :
كانَ في الستينَ ...
ما زال يعلم
مرةً جاءَ إلى الصفِ وقالْ :
أعربوا
"جاءَ المعلم"
وحسبناهُ يمازحْ
فضحكنا وأجبنا :
"جاءَ" فعل
"والمعلم" ....!!؟
وفهمنا فجأةً ... في ثانيهْ
فصمتْنا...وسمعناه يُتمتمْ
"جاء" فعلٌ
"والمعلم "
لم يجيءْ!
أوقفه البوليس لكنْ .... سيعلّم
2 الدرس الثاني
وكبرنا معه في الصف حتى
قاربَ السبعين
كانَ ما زال يعلّم
مثلا :قال المعلِّمْ :
" سيدي يحلم بالثورة لكنْ لا يقاتل "
جملةٌ ألفُ مفيدهْ
والذي يُعربُها يُضحي مُناضلْ
فصمتنا
لم نقل شيئاً ولكنْ ...
صمتُنا كان يُقاتلْ
صمتُنا كانَ ... ولكنْ
كان في الصفِ صبيٌ أطعمَ الأرضَ يديهْ
ومشى زيتونُها في شفتيهْ
اسمه "عدنانُ" ... فلاح بلا أرض ولكنْ
لم يكنْ بالصمت ... بل في كل ما فيه يُقاتلْ
يومها شاهدتهُ يرفعُ "بالباءِ" المعلِّم
ويُعلِّم :
"سيدي" : ليست مبتدأ
"يحلمُ" ليستْ فعلْ
"الباءُ مجرورة"
"الثورةُ" لا تجرُها باء
لكن "لا يقاتل" هي الحقيقة
3 الدرس قبل الأخير
بعدَ يوم ٍ دخل الصفَ المعلِّم
جاء فرحانا وسرياً كعطرِ البرتقالْ
كان في سبعينه طفلا ً ... فحيّانا وقال "
" وضعوا عدنانَ في السجن "
إعربيها يا صبابا
وأعربوها يا رجال
ففرحنا ... وبكينا ... وهتفنا
"عدنانُ" فاعلٌ
"السجنُ" مفعولٌ بهِ
وحرقنا النحوَ والصرفَ وأغلالَ القواعدْ
وتحولنا نضالْ
هـات لي حـبلا وهـيء مـطرقة
وحــديــدا فســأبنـــي مشــنقــــَه
لـــم تــزل فـي أمــتي طــائفــةٌ
تمضـــغُ العــار وتمشــي مُطرِقَه
فــَلنُعــَلِّقْ فــي اــلذُّرى أعـناقها
ولنُعَلِّــــــق قبلهـــــنَّ الشفقــــــة
نحنُ ربَّينا المعــالــي طـــفلـــة ً
وطــرقـــنـــا كـــل دربٍ مغلقـــهْ
كـــيف نُـبقـي بينـنـا ذا ضَــعَةٍ
كـــــلمــا شاهـــدَ كــفــــاً لَعَقَـــــهْ
أُشنُقوه! ... لســتٌم مــن أُمَّـتـِي
إن أبيـــــتم أن تُدلُّــــوا عـنــقَـــهْ
وإذا لــم تــجــدوا حبـــلاً لــه
فليكـــن عـــرقُ الدوالـــي مشنقهْ
أين من يصطادُ لي في لحظةٍ .
كــل ثعبـــان رهـــيب لا يـــلــينْ
لــعصــرتُ السـم مــن أنيابِهِ
ولهيــــأتُ شراب الظـــامــئــين
يشرب الـــحــرُّ فــلا تقـتـلـهُ
فلـــه مـــن نفســـه درعٌ متيــنْ
وإذا عــبــدٌ خــــسيسٌ ذاقـــَهُ
فتّـــَت العظـــم به قبـــل الوَتين
وسأسقــي كــل أمٍ جــرعـــة ً
يختزنُهــــا ثــديُها لـلراضعيــنْ
فإذا كـــان ذلـــيــلا طــفلـٌـها
مــات قـبــل الــشهر لا بعد سنين
وإذا كــــان أبــيــاً ثــائــــراً
عاش سمـا في كؤوس الظالميـن
أين من يأتي معي في رحلةًٍ
في سمـــاء عــرفــت أمجــادنا
من مآقي النور نبني مركبا
ومـــن الـنــار نــهــيء زادنـــا
نتجلــى فـــي رحــاب حرةٍ
وعــلى الأنجــمِ نـبـنــي دارنــا
فعلى كل سمـــاء ٍ مصـــنعٌ
يصنــع الـــفــولاذ مــن أبنائنــا
نأمر التاريخَ يــحطِـــم قلماً
فاســــدا تخلفُــــهُ أقلامــُنا
نأمرُ الدنـــيا فتــأتي كلـــها
كفُّهـــا تضغـــطُ دنيــــا كفِّنــا
فإذا ما نظـــر الــناس إلى
مطلــــع الشمـــس رأوها عندنــا
وإذا ما سألوا عــن أُمـــتي
قلتُ : هـــاكــم ... هذه أُمتنـــا
أيُّنــا يصــبحُ جـــلادا لنـــا
يغســـلُ الــذل بــنــارٍ أيّـــُنــا ؟!
حبيبتي شرقية تائهة لكنها فاتنة
لكنها من نفس الآلهة لكنها ماجنة
تهوى أساطير الغرام المخيف
وتعشق الهُزءَ بنور القمر
عيونها عاصفة كالخريف
وشعرُها أسودُ مثل القدر
فمن ترى يٌعلمها أَنَني
أخشى عليها الموت قبل السحرْ
حبيبتي ثورة جيلٍِ جديدْ لكنها جاهلة
في صدرها كل أماني العبيد أن تلحق القافلة
لكنها سارت إلى المعركة
ثائرةً الأنفاس قبل الصباح
وأعلنتها ثورةً مهلكه
لكنها ثارت بغير سلاحْ
فمن ترى يعلمُ محبوبتي
بأنها ضلت طريق الكفاح
حبيبتي مسجونةٌ ثائرة جارت عليها العقودُ
دماؤها في قلبها فائرة هازئة بالسدودْ
لكنها سارت بغير جنودْ
سوى قليلا من أماني الشباب
يا ليت شعري هل تراها تعودْ
أم سوف تُرديها نيوب الذئاب
فمن ترى يخبرُ محبوبتي
بأنني من أجلها في عذاب
"كانت لها أحلام , وكان لها حب , ثم أصابها الداء , فبصقت دما !
وهي هنا تتحدث الى احدى ملائكة الرحمة"
أختاهُ أحلامي التي بدمِ الشباب رسمتُها
بالأمس نالتها مخالبُ علَّتي فبصقتُها
وقصور حبي والمنى العذراء أمس دفنتُها
في كتلةٍ حمراء من رئتيَّ حين تفلتُها
وسمعتُ يا أختاه أقوال الطبيبِ .. سمعتُها
"بصقت دما" قال الطبيبُ لصحبِهِ "بصقت دما"
أختاهُ أفكاري تداعبُني أصابعُها الثقيلهْ
فتقودُني وتسيرُ بي فأرى حديقتنا الجميلة
الوردةُ البيضاءُ ما برحتْ على صدر ِ الخميله
وكأنَّها قد أصبَحَت صفراءَ دامية ً نحيله ْ
ألعلَّ ريحُ الصبح جاءتها بأنفاسي الوبيلة
وَروَتْ لها قول الطبيبِ لصحبِهِ : "بصقت دما"
أُختاه إني الآن أدخُلُ بيتنا لوداعِهِ
فأرى أخي يقتادني ويلفُّني بذراعِهِ
يبكي عليَّ بحسرة فأفرُّ خوف سماعِهِ
وأدورُ أبحثُ عن سرير طفولتي لوداعِهِ
فأراهُ مكتوبا عليه : توفيت
! بَصَقت دما!!
أختاه حان الآن لكبريائي أن تموت وتستريح
فلقد بصقتً دما ولن يجدي التفاؤل أو يريحْ
فاذا أتاك أبي يرافقه تسائله الجريحْ
ورجاك أن تروي له عن غلَّتي الخبر الصحيح
فبحقِّ ما جاءت به كتب النبوَّةِ والمسيح
لا تخبريه بأن ليلى بنته بصقت دما
وإذا أتاكم حائر النظرات يسألكم حبيبي
قولي له : إني يرددُ اسمه الغالي وجيبي
وإذا أصرَّ على مقابلتي ووافقه طبيبي
فأتي به واروي له شيئاً يطمئن عن شُحوبي
لكن بحق الحبِّ يا أختاهُ يعبثُ بالقلوبِ
لا تخبريه بأن من يحيا لها بصقت دما
بالأمس يا أختاه أسعفني الطبيبُ بنظرَتهِ
فقرأت خاتمة الرواية في تحطُّمِ نظرته
" هي لن تعيش " رأيتُها مكتوبةٌ في نظرتِه
" هي لن تعيش " سمعتها مبحوحة في زفرتهِ
وفهمت يا أختاه أرهبَ حكمة من دمعتِهْ
" ما كان سهلا أن تطول حياة من بصقت دما!"
(1)
تأتي إلى دمشق
وبعدها... تولدُ في دمشق
تكبر مرّتين في دقيقتين
تصطاد بالأشعار نجمتين
يكبرُ فيك الورد والجمال
وتحسدُ الحبّ الذي يعيشه الأطفال
وفجأة تجئ الحرب
وتستحي ألاّ تكون واحداً من الأبطال
فالحرب في السماء
والحربُ في الجبال
وأنت جالسٌ تكتبُ شعراً
في دمشق؟
بأيّ حقّ؟
بأيّ حقّ؟
تولد
تكبر مثل الحبّ والورد والأطفال
والجمالُ في دمشق؟
بأي حــقّ؟
يغيّم السؤالُ في رأسي..
ويمطرُ الجواب:
أولد مثلهم..
أكبر مثلهم..
وقبلهم وبعدهم ومعهم
لأنّني ما جئتُ سائحاً
أنا فلسطين
ومن حبّي.. أنا أيضاً دمشق(2)
أخجل أن أحبّ يا حبيبتي
في لحظاتِ الحربِ في دمشق
فأجمل الرجالٍ سافروا إلى
خنادق الشمال
وخندقي أنا جريدةٌ
وبندقيّتي مقال
أخجلُ أن أحبّ في غياب أجمل الرجال
أخجلُ يا حبيبتي أن أدخُلَ
المطاعم
لأنّ كلّ معقّدٍ فيها يقول لي:
كان هنا مقاوم
وهو يعيش الآن في الجبال
حبيبتي:
إذا رأيت والدي اسأليه
بأيّ حقّ
علّمني كتابة الشعر
ولم يعلّمني القتال؟
بأيّ حقّ؟(3)
كما ينتهي كلّ حبٍّ كبير بدمعة
تنتهي، تنتهي كلّ شمعة
ولكنّني في دمشق..
وأكتبُ شعراً وحبّاً وحرباً
على ضوء شمعة
وأعرفُ..
بعض شموعِ الحروب
تموتُ بسرعة
ولكنّني في دمشق..
وشمعُ دمشقَ عزيزُ الدموع
وكلّ الشموع التي في دمشق تحبُّ
وتعرفُ كيف تحبُّ
وكيف تعيشُ
تقاتلُ نار الغزاة وتسهر.
وكيف تضيء لجبري طريقاً
على صدر دفتر.
وكيف تقاومُ زحف الحرائق فيها
لأكتبَ أكثر.
ولكنّني في دمشق...
وأعرفُ أنّي بدون سلاح
سوى قلمٍ يا دمشق
إذا نسيَ الحبرُ فيه فلسطين
نادى دمشق.
نعم يا دمشقْ
أراك مسافرةً في دمائي
بمليون حبٍ
بمليونٍ شعلة
رجالٌ
نساءٌ.. وأجملُ طفلٍ
وأجملُ طفلة
جميعهم يغسلون دمائي
أنا العربي الذي أتعبه المذلّة
جميعهم يغسلون دمائي..
بأجمل ضوءْ
وأبسطِ حبٍّ
وأطهرِ قبلة
فماذا أقول لهم يا دمشقُ
بهذي القصائد؟
دمائي سيول من الحبِّ
كيف أوزّع حبّي...سوى في الجرائد؟
وداعاً يا دمشق..
شموعك رغم الحرائق
بل في الحرائق
أصبحن أكثر.
وأصبحن أروع ضوءاً وأكثر صبراً
على الحبّ
والشعر
والحرب...
أصبحنَ أكبر.
نعم يا دمشق
ستزدادُ فيك ضياءً جميع الشموع الكبيرة
وتكبرُ كلّ الشموع الصغيرة
فبعض شموعك أكبرُ منّي...
ولكن حبّي كبير
وإن كان حبّك أكبر.
ترى كيف- أيّامُ حربك – أيامُ حبّك
حتى الحجارة ألّفنَ شعراً وحبّاً
وأصبحن يقرأن كتباً
وحتّى المرارة صارت
كقطعة سكّرْ؟ ؟
نعم يا دمشق
شموعك تجعلُ حتّى المرارة سكّرْ
وداعاً دمشق
أحبّكُ أمّاً
أحبّك أختاً
أحبّك طفلاً
أحبّك طفلة